الأحد 31 مايو 2020
كتاب الرأي

عبد الإله حسنين: تحية العيد لمعتكف داخل الحجر

عبد الإله حسنين: تحية العيد لمعتكف داخل الحجر د. عبد الإله حسنين
اعتكف بمنزله دون سابق إنذار إلا إنذار الصفارة بحلول شهر رمضان، وانتظرنا مرور بعض الأيام بدون جديد إلا الأخبار المتراكمة والمتكررة التي تصلنا تباعا عن وباء كورونا المستجد والتي عكرت صفو نفسيتنا وزادتها احتقانا. وهو حين يعتكف ويقفل عليه الباب فإما لأنه قلق من الوضعية التي نحن عليها ومن المزايدات والاستفزازات التي تطال مختلف مواقع التواصل الاجتماعي والتي غالبا ما تأتي من المقربين الذين لا يعترفون بالاختلاف ولا يحترمون الرأي الآخر، أو أنه سيبدأ في التفكير العميق والحديث الشجي إلى ذاته ومراجعة حياته في بعض مكوناتها لبلورة مشروع مستقبلي.
كما أنه قد يلجأ إلى القراءة المتأنية في مذكراته وهو المولوع بالقراءة برنامجا وممارسة وبالكتابة اليومية عن كل ما يختلج قلبه وعقله، فيعيد ترتيب الأفكار حسب الأولويات بل يعيد عجنها لإخراج إبداع جديد يليق بالمرحلة ويزيدها توهجا، ففي ذلك لديه حس استباقي كثيرا ما أفادتنا مقترحاته في حينها، ولديه نفس كبير وقدرة على المقارعة وإعطاء الدليل، كما أن لديه مفكرة قوية يتذكر معها أدق التفاصيل وأصدق الشهادات ومختلف الشعارات التي تؤرخ لمراحل معينة وللحظات تاريخية.
خلال مدة الاعتكاف والحجر الصحي والشهر الفضيل كنا نسأل عنه باستمرار ليس فقط من أجل تبادل الحديث حول مواضيع الساعة الدنيا وما يتبعها ومنها التنشيط عن بعد، وهو الذي حضر ورقة تنظيرية لهذا الموضوع خلال الأيام الأولى من إعلان الحجر ونشرها لتعم الفائدة وينطلق منها كل من يرغب في تكوين نفسه أو غيره وتنشيط الآخرين من الأطفال والشباب؛ ولكن كنا نسأل عنه أيضا لمعرفة وضعه الصحي رغم أننا نعلم أنه يعرف كيف يوازن بين ما هو عضوي وما هو نفسي في شخصيته ولا يظهر أمامنا إلا وهو في أرقى توهجه الفكري وفي أبهى صوره التربوية والتطوعية.
يقول الأخ محمد المذكوري في كتاب وجهات نظر تربوية الصادر سنة 1980 ما يلي:
إن الحاجة إلى تكوين أطر تربوية يطرح نفسه كقضية أساسية وكذلك كقضية استمرار، أي التواجد المستمر بتشبع وإيمان بمبادئ وأهداف حركة الطفولة الشعبية عن طريق التكوين العام الذي نقوم به والتكوين الذاتي الشخصي للمتكونين. إن المرشدين المكونين تكوينا متينا هم الذين يضلون مستمرين، وإن هدف التكوين يجب أن يكون تكوينا جماهيريا لأننا لا نريد تكوين نخبة.
من هذه الفكرة يظهر لنا أن المسؤول عن تكوين الأطر يجب أن يكون في الواجهة له معرفة بمختلف المواضيع التي تطرحها قضية الطفولة من المعرفة النفسية للأطفال حسب سنهم ومستوياتهم الدراسية وحاجياتهم، إلى الوسائل التربوية والمعينات البيداغوجية التي تساعده على سبر أغوار المستهدفين من الأطفال و الأطر، مرورا بالصحة والتعليم والقانون وعلاقته بالفئات العمرية التي نشتغل معها، إلى الحوار واحترام الاختلاف والتربية على الديمقراطية وحرية الأطفال في اختيار الأنشطة، إلى الترفية والتنشيط المباشر بالمخيمات الصيفية أو التنشيط عن بعد كبديل في ضل الإجراءات الاحترازية وضوابط الحجر الصحي..
إن التكوين أداة للوصول إلى اكتشاف القدرات وتطويرها، فهو يسمح بفهم وتتبع التجارب الشخصية وتجارب الآخرين، كما أنه يرمي إلى تكوين أطر تربوية قادرة على تحمل مسؤولية التسيير والتنشيط التربوي، وعليه يجب أن تكون منخرطة في المجتمع، فاعلة ومتفاعلة مع العملية التربوية نظريا وقادرة على ترجمة ذلك إلى ممارسة عملية سواء مع الأطفال أو مع الأطر والشباب. فعدم التوازن ين النظري والعملي قد يؤذي إلى تراجع في مستوى البرامج وركود في الأنشطة المزاولة وضعف في الأداء داخل الفضاءات العمومية والمخيمات الصيفية.
فتحية عالية وصادقة إلى كل المعتكفين المبدعين في حجرهم الصحي فكم من حاجة لم نجد لها الوقت الكافي قضيناها في زمن الحجر، وكم من كتاب نفضنا عنه الغبار وجد طريقه إلينا فقرأناه، وكم وجدنا من صور قديمة تحكي تاريخ لحظة مع صديق أو مجموعة من الأصدقاء وتذكرنا بمرحلة طفولتنا أو دراستنا أو عملنا التطوعي، وكم من كلمات وخواطر انتظرت طويلا قبل أن تجد لها مكانا بين سطور هذه الورقة، فتحية العيد لكل معتكف مبدع.