الأربعاء 23 سبتمبر 2020
سياسة

هل بنداء التسول، يتزعم مصطفى بنحمزة تمرد المجالس العلمية على مؤسسات مرجعية إمارة المؤمنين؟

هل بنداء التسول، يتزعم مصطفى بنحمزة تمرد المجالس العلمية على مؤسسات مرجعية إمارة المؤمنين؟ ميمون بريسول (يسارا) ومصطفى بن حمزة

بعد وجدة وبركان، أصدر رئيس المجلس العلمي بالناظور نداء لدعم القيمين الدينيين. وإذا كان نداء وجدة وبركان موحد الصيغة، ولم ينتظم معجمه في مسمى مطلب "الشرط"، فإن نداء الناظور تم إخضاعه لتكييف الملاءمة، حسب معادلة التدافع في هذا الباب. وكان بنحمزة نفسه قد مهد لهذا التكييف، وهو يعطي المشروعية المؤسسية لندائه، بالاستناد إلى "الشرط"، في ظل رفض الرأي العام لهذا النداء. والحال أن مضمون النداء لا علاقة له بنظام الشرط. وهذا من التدليس على غير العارفين.

 

فقد خرج مصطفى بنحمزة ليبرر نداءه -المسمى عند القيمين الدينيين "بنداء الذل والسعاية"- بكونه يندرج في إطار إحياء نظام الشرط. إذ أكد في خرجة إعلامية، أن الشرط ما زال معمولا به في الوقت الراهن ولم يتوقف. وأكد على هذا المعنى أيضا في خرجة أخرى، مشيرا إلى أن المجلس العلمي الأعلى، قد خصص إحدى دوراته للشرط.

إذن في هذا السياق، جاء نداء تلميذه الوفي، الأستاذ ميمون بريسول، رئيس المجلس العلمي بالناظور بتغيير صيغة النداء، حيث جعل مستنده دعوة المجلس العلمي الأعلى إلى إحياء نظام الشرط؛ علما أن هذه النداءات -وقد انضاف إليها نداء رئيس المجلس العلمي بالصويرة، بالصوت والصورة- سيتعذر ترجمتها في ظل واقع الحجر الصحي، مما يطرح التساؤل حول الخلفية الحقيقية لمثل هذه النداءات، إن لم تكن المزايدة على أمير المؤمنين.

 

ويغري هذ التكتيك لبنحمزة في تصريف الموقف، الالتفات إليه وليس لأتباعه، علما أن بنحمزة رد في "أحداث انفو"، على "فضاء التواصل للأئمة المزاولين حاملي الشهادات الجامعية"، وقد تم رفض ندائه من طرف هذه الفئة من الأئمة. ولعل هذا "الفضاء" أدرى بمعاركه النقابية، في مسألة التعقيب على بنحمزة من عدمها.

 

ما يهمنا في زاوية النظر هذه، هو الكشف عما انطوت عليه خرجات بنحمزة من مغالطات ، لا بد من الكشف عنها للرأي العام من خلال ما يلي :

 

1- إن المجلس العلمي الأعلى وجه مذكرة بتاريخ 31 ماي 2019 إلى السادة رؤساء المجالس العلمية لدعوة الناس إلى إحياء نظام الشرط، لمساعدة القيمين الدينيين. وتنفيذا للمذكرة المذكورة نظمت مجموعة من المجالس العلمية ندوات ولقاءات تواصلية مع القيمين الدينيين. لكن غاب عن هذه الندوات المعنيون بالأمر من أهل الخير والإحسان وعموم المواطنين، فكانت النتيجة هي الفشل الذريع في استجابة المواطنين لهذا الأمر، باستثناء بعد المناطق التي لها تاريخ عريق في تدريس العلوم الدينية .أما فيما عداها، فقد تنصل الناس تدريجيا من واجب الشرط منذ أن بدأت وزارة الأوقاف في تعميم المكافآت الشهرية على جميع المساجد بالمملكة دون استثناء. حيث انتقل المبلغ بالنسبة للمساجد التي كان ينفق عليها المحسنون من 800 درهم إلى 2000 درهم حاليا كحد أدنى، مع السكن الوظيفي والإعفاء من واجبات الماء والكهرباء والتغطية الصحية، هذا بالنسبة لفئة الأئمة، أما فئة المؤذنين فما زالت تعاني في صمت، تنتظر التفاتة الوزارة الوصية.

 

2- كما أن الحديث عن "الشرط" يخفى رغبة تبعية القيمين الدينيين لجمعيات المساجد. أي يخفي هدف التمكين للهيمنة الأصولية.. فكل مشاريع الحقل الديني، تخفي بواطنها غير ما هو معلن أمام صاحب الأمر، سواء تعلق الأمر بالأئمة المرشدين، أو ميثاق العلماء، أو التعليم العتيق، أو الدروس الحديثية.. فهناك اجتهادات في الإخراج لتضليل حواس الدولة. فالحقل الديني، تعشش فيه خائنة الأعين بامتياز. والقادم أسوأ، بمؤشرات الحاضر، إن لم يتم تدارك الأمر...

 

 3- ولدعم رهان إحياء الشرط، ادعى بنحمزة أن: "هناك مساجد كثيرة غير تابعة لوزارة الأوقاف، وأن الناس كلما وجدوا فرصة لإحداث مسجد يحدثونه وينصبون إماما". وهذا الكلام فيه قدر من التدليس، ذلك أنه منذ إعادة هيكلة وزارة الأوقاف بعد أحداث الدار البيضاء الإرهابية سنة 2003، تم إحداث مديرية خاصة بالمساجد قامت بإحصاء جميع المساجد وقاعات الصلاة بتنسيق مع وزارة الداخلية، وخصصت مكافأة لجميع الأئمة بالمساجد التي كان ينفق عليها المحسنون ليسهل مراقبتها.. تلت هذه العملية مجموعة من النصوص التنظيمية كلها منشورة بموقع الوزارة.

أما قوله: "كلما وجد الناس فرصة لإحداث مسجد يحدثونه وينصبون إماما"، نقول هذا يوجد في نظام داعش وطالبان، أما في المغرب فهناك ظهير ملكي شريف ينظم عملية بناء المساجد وكيفية تعيين الأئمة بها يرجع تاريخه إلى سنة 1984. فيفترض أن الأمور تسير وبعقلانية، في مزيد التنظيم والتأهيل، وليس الفوضى والتسيب.

 

4- إن الغيرة التي أبداها مؤخرا بنحمزة على القيمين الدينيين، باسم التضامن، في حاجة إلى افتحاص، ذلك أنه يزايد على المغاربة حينما يدعوهم إلى الإنفاق عليهم، في حين أنه هو أول من يتجاهلهم، رغم أنه يحصل على الأموال الطائلة باسمهم وباسم القرآن الكريم، ولا يعطيهم إلا الفتات. وأهل وجدة يعرفون أن بنحمزة، حينما يقسم الأموال التي يحصل عليها، على القطاعات، يجعلهم في آخر أولوياته. فهناك ملايير بنى بها محكمة قضاء الأسرة للتقرب للسلطة القضائية. وبنى بها بناية ضخمة داخل كلية الآداب بوجدة لمناقشة الأطاريح هي في غنى عنها، خاصة وأنها تتوفر على مدرج يعتبر من أكبر المدرجات بالمغرب. فالأولى أن تذهب هذه الأموال للقيمين الدينيين. وبنى مركزا للدراسات، وبدعم من الأوقاف، سماه برج المعرفة، وما يتطلبه من نفقات للتسيير لترويج الخطاب الإيديولوجي الإخواني بتنسيق مع مديره الذي تلقى تكوينا عند إخوان تركيا. وحينما يطالبه أحد القيمين الدينيين بالتوسط من أجل إجراء عملية طبية جراحية له أو لأهله، ينهره بقوله: كفى من السعاية إنكم تتوفرون على التغطية الصحية للوزارة. لكن حينما يتعلق الأمر بأشخاص هم في غنى عن الإحسان، يبادر بتوفير العلاج وحتى السكن لهم، في إطار مد شبكة العلاقات العامة في مراكز القرار.

 

5- إن بنحمزة مطالب ،عوض تحريف النقاش وتعويمه، بتنوير الرأي العام في وجدة، حول أوجه إنفاق ما توصلت به جمعيته الخيرية مؤخرا من مال لا يحصيه العد من إحسان ذوي الفضل، كان يفترض أن يجد طريقه إلى صندوق كورونا، لضمان شفافية الصرف، والتجسيد الحي لمفهوم التضامن.

 

وبالجملة، فقد أبانت هذه الخرجات لبعض رؤساء المجالس العلمية، التي يقف وراءها بنحمزة، عن الانفلات التنظيمي، في علاقة المجالس العلمية بالأمانة العامة للمجلس العلمي الأعلى، وفي التطاول على صلاحيات الوزارة الوصية، ناهيك عن فشلهم الذريع في تحفيز المواطنين على البذل والعطاء، سواء بالنسبة لنظام الشرط، أو غيره، كالمساهمة في إعادة بناء المساجد الآيلة للسقوط، وفي بعض المشاريع الاجتماعية التي راهنت وزارة الأوقاف والأمانة العامة للمجلس العلمي الأعلى عليهم فيها، وضحت بمجموعة من العلماء الأجلاء بأن أعفتهم من مناصبهم منذ مدة، بدعوى أن الرؤساء الجدد فاعلون في المجتمع. لكن الأيام أبانت عن فشل هذه الاستراتيجية التي مكنت الحركة السلفية والإخوانية من السيطرة على بنيات الحقل الديني، لخدمة توجهات لا علاقة لها بثوابت الأمة في المغرب، بل لخدمة مخططات تكريس غربة البلاد عن مقوماتها الدينية والدستورية والحضارية.

 

فاللهم لطفك فيما تجري به مقادير بنحمزة في الحقل الديني!