السبت 11 يوليو 2020
فن وثقافة

"المغرب الذي كان".. الريسولي يختطفُ الرعية الامريكي "برديكاريس"، ويثير أزمة دولية مع أوروبا (24)

"المغرب الذي كان".. الريسولي يختطفُ الرعية الامريكي "برديكاريس"، ويثير أزمة دولية مع أوروبا (24) الأستاذ هشام بنعمر بالله والشريف الريسولي

اختارت جريدة "أنفاس بريس" طيلة شهر رمضان أن تقدم لكم بعض المقتطفات من الترجمة العربية التي قام بها الأستاذ هشام بنعمر بالله لكتاب "المغرب الذي كان" للصحفي البريطاني "والتر هاريس" الذي عاش في طنجة ما بين سنتي 1887 و 1921 وعاصر أهم الأحداث التاريخية التي عاشها المغرب نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

الكاتب صحفي بريطاني "والتر هاريس" ولج البلاطُ الحسني بوساطة من الحراب البريطاني "السير ماك لين" الذي استقدمه السلطان الحسن الأول لتطوير الجيش المغربي.

كان يتستر تحت غطاء الصحافة مراسلاً صحفياً لجريدة "التايمز" في طنجة لمزاولة مهام استخباراتية دنيئة، وخدمة المصالح القنصلية البريطانية و الفرنسية حيث رافق الكثير من السفارات الاوروبية إلى البلاط المغربي. و خلال مقامه الممتد في المغرب ما بين 1887 و 1921 بالمغرب ظلَّ يتقرب من مختلف الدوائر و المؤسسات المؤثرة في مغرب نهاية القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين. وقد عاصر ثلاث سلاطين وتمكن من نسج علاقات مع مكونات المجتمع المغربي (وزراء و موظفو المخزن الشريف، و شيوخ القبائل و الزوايا الدينية بالإضافة الى اللصوص و قطاع الطرق، وعموم الناس ...)

الكتاب حسب المترجم "يرسم صورة قاتمة عن نهاية المخزن المغربي (التقليدي) أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وسقوط المغرب في قبضة القوى الاستعمارية الغربية. سقوط يسعى الكاتب من خلال مؤلفه المذكور (المغرب الذي كان) بقليل من الموضوعية إلى تبيان أسبابه و مظاهره بأسى شديد". و نشر الكتاب لأول مرة باللغة الانجليزية تحت عنوان مثير (Moroccothatwas) الذي ارتأى الأستاذ هشام بنعمر بالله ترجمته بالعربية ب (المغرب الذي كان) .

عن دار النشر William Blackwood And Son بلندن سنة 1921 بينما صدرت ترجمته الفرنسية عن دار بلونPlon سنة 1929 لبول اودينوPaul Odinot تحت عنوان طويل :

Le Maroc disparu (Anecdotes sur la vie intime de MoulyHafid, de Moulay Abd El Aziz et de Raissouli)

وقد اعتمد الأستاذ هشام بنعمر بالله في الترجمة بالأساس على النسخة الفرنسية التي ذكرناها مع الرجوع، في أكثر من مرة، إلى النسخة الأصلية باللغة الانجليزية كلما بدا له الأمر ضرورياً لتصحيح الترجمة العربية لتبدو أمينة قدر الإمكان. واختار لها عنواناً "المغرب الذي كان" لأسباب لا يسمح المقام للخوض فيها و مناقشتها.

 

ظلَّ "الريسولي" هادئاً طيلة سنةٍ تقريباً بعد هذه المغامرة. لكنه في فصل الربيع التَّالي، حاول تنفيذ ضربةٍ جريئةٍ حين أحاط رجاله ليلاً بفيلاَّ السيد برديكاريس، واقتاده [الريسولي] مع [صهره].

أرسلت الحكومة الفيدرالية الأمريكية أسطولاً بحرياًّ إلى ساحل طنجة، وأخد العالم يُعير الإهتمام بالمُفاوضات الجاريَّة. أُفرج عن السيد "برديكاريس" و ربيبه السيد "فاريلي".

لكن بأي ثمن ؟

اشترط "الريسولي" الحصول من السلطات[المخزنية] على ما يلي:

أن يُعيَّن عاملاً على مجموع المناطق المحيطة بطنجة، وأن يُعزل باشا طنجة الحالي، والصديق الذي خانه في الماضي، وأن يحصل على فدية مالية بقيمة 70 ألف جنيه إسترليني. تمكن الريسولي من سجن أعدائه والافراج عن جميع أصدقائه، وتحصل على أملاك وامتيازات أخرى أقل قيمة.

اضْطُرَ السلطان إلى الخضوع، ووجد "الريسولي" نفسه أكثر بأساً من الماضي، وغدَا في نظر الأهالي بطلاً بينما أصبح خطراً يتهدد أوروبا.

تميَّزت أعماله الأولى في المنصبِ الجديد كعاملٍ على طنجة بالقبول، حيث هدَّأ من وقع الفوضى التي تسبب فيها فتنة [بوحمارة] في المنطقة، وأمَّن الطرق أمام المبادلات التجارية. فمنذ تعينه في منصب عامل طنجة لم تتعرض أيَّة قافلة تجارية للنهب والسلب في المنطقة التي تخضعُ لنفوذه. بفضله عاش الناس فترة ساد فيها الأمن أكثر من الفترة التي سبقته بسنة أو سنتين، لكنه أمنٌ يعود فيه الفضل إلى "الريسولي" الجدير بالتقدير.

مع مرور الوقت، أخذ تأثيرهُ يتصاعد باستمرار، وصار أكثر جُوراً، يضغط على الأهالي لسَلبِ الأموال حتى من البؤساء. يتوجس منه المخزن، لذلك تركه يفعل ما يشاء. جعله ذلك أكثر تعسفاً لا يمتثل للقانون، ولا يعير الإعتبار للاتفاقيات المبرمة بين المخزن و الدول الأوروبيًّة.

كان الرسولي يتوعد ويهدد، يقايض و يطلب الفديات من السلطات المخزنية، التي كانت تعي أنها عاجزة على مناقشة الأمر معه. خلال هذه المرحلة أضحى "الريسولي" في نفس الوقت حارس و مصيبة طنجة و نواحيها.

فرض "الريسولي" سلطته إلى حدود أبواب المدينة، وكان رجاله يقتحمون أسوارها لتسريح المجرمين من السُّجون التي لم تكن تخضع لسلطتهم، طبَّق ممثلوه العدالة في الأسواق، ونفذوا أحكام الإعدام على بعد أمتار قليلة من المفوضية الفرنسية و الألمانية.

سنة 1906 وصل بطشُ "الريسولي" أقصى مدى. في "الزينات" يكفي فقط أن تخبر الشخص أنه سجين، ولن يجازف البتة على الهروب، دون الحاجة إلى وضعه في السجن، لأنه يعلم أن يد الزعيم طويلة، وتستطيع ان تمتد إليه في أي مكان قرَّرَ أن يلُوذَ به. من المعتاد أن ترى في الزينات مشهداً غريباً لمجموعة من المساجين (الطُّلقاء).

تمتع "الرسولي" بجميع خصائص باشا حيوي، لكنه أفرط في إبرازها، بالنسبة له لا وجود لإتفاقيات. ظهر في هذه الفترة بشكل جليٍّ، استغلالُه للسُّلطة. يعمدُ إلى جلد المحميِّين من الأهالي المغاربة، يُصيب بالخراب الأعمدة الكهربائية، ويطلب افتداء الرَّهائن الأوروبيين، و يحجز بشكلٍ غير قانوني على الأملاك والعقارات. يمكن أن أبسطُ لائحة طويلة للأعمال التعسف التي كان يقوم بها.

مع مرور الوقت، بدأ ينفذُ صبر الدول الأوروبية التي سارعت لتقديم مذكرة جماعية إلى وزير الخارجية المغربي تطالبُ [المخزن] بإنهاء هذا الوضع غير المقبول في منطقة طنجة، يتعلق الأمر بتهديد صريح حيث كانت مرسى المدينة تَعُجُّ بالسفن الفرنسيَّة و الاسبانيَّة القادمة لحماية المصالح الأوروبية إلى حين إقامَةِ جهاز الشرطة الجديد في المدينة.