السبت 11 يوليو 2020
سياسة

جعفر: من يكون المتطرف أبو الأعلى المودودي الذي أطلق البيجيدي اسمه على زنقة بالرباط؟

جعفر: من يكون المتطرف أبو الأعلى المودودي الذي أطلق البيجيدي اسمه على زنقة بالرباط؟ الباحث سعيد جعفر (يمينا) وأبو الأعلى المودودي مع لوحة الزنقة التي سميت باسمه

أبو الأعلى المودودي، الذي كرمه البيجيدي، وأكتب عنه اليوم، أعرف فكره ومدرسته جيدا، منذ أول عرض أنجزته حول أطروحته السياسية سنة 2004 بالسلك الثالث شعبة الفلسفة بكلية الآداب جامعة محمد الخامس (مادة العلوم عند العرب التي كان يدرسها الأستاذ عبد الصمد تمورو)؛ وكنت أيضا أنجزت عرضا آخر في نفس المادة تحت عنوان "تراتب العلوم عند الغزالي". وقد كنت آنذاك قرأت بالتمام والكمال كتبه الرئيسية "الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة" (285 صفحة) وكتاب "الحجاب" (344 صفحة) ونظرية الإسلام السياسية (63 صفحة).

 

في اليومين السابقين قرأت كتابه "الإسلام والمدنية الحديثة" (32 صفحة) وكتاب "الجهاد في سبيل الله" (23 صفحة)، وأعدت قراءة كتابه "نظرية الإسلام السياسية" (63 صفحة) أفقيا.

 

ولد المودودي سنة 1903 بولاية حيدر بالهند من أسرة محافظة جدا، حيث منعه أبوه من ولوج مدارس الإنجليز، ولهذا وجهه لدراسة اللغة العربية والقرآن والحديث النبوي والفقه الإسلامي.

أسس الجماعة الإسلامية سنة 1941 في لاهور قبل أن ينقل مقرها لدار السلام ليصبح أمين السر الدائم لمجلس الشريعة الإسلامية الذي أحدثته الحكومة الإسلامية في باكستان الجديدة.

وبعد أن نجح في التأثير في عدد من النخب، خصوصا في مصر وتحديدا حسن البنا (1906- 1949)، والذي سيؤسس جماعة "الإخوان المسلمون" وسيد قطب (1966- 1906) الذي سيؤسس جماعة "أهل السنة والجماعة"، ثم يوسف القرضاوي (1926-....) الذي سيؤسس الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين والذي سيسلم رئاسته لأحمد الريسوني الرئيس السابق لحركة التوحيد والإصلاح المغربية، سيؤسس "رابطة العالم الإسلامي".

 

إذن بعد أن نجح في تأسيس مذهبه الفكري الذي سنقف عنده بأدلة وفقرات من كتبه، سيعقد صفقة فكرية- سياسية مع النظام السعودي ستتوج بتأسيس الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، حيث سيستفيد من دعم مالي وسياسي لتقوية رابطة العالم الإسلامي، ومن خلالها كل الجماعات الدينية في مصر والسودان واليمن والأردن والدول العربية الأخرى وصولا للمغرب.

مع التنويه إلى أن هذه الجامعة درس بها أغلب السلفيين بالمغرب وبالعالم العربي، وقال القرضاوي مرة في شأنها، قبل أن ينقلب عن النظام السعودي ويلتحق بالقطري، إنها "هارفارد المسلمين".

 

يتمحور مشروع المودودي على مسألتين رئيسيتين هما: علاقة الفرد بالجماعة وطبيعة الحكم، وعلاقة الرجل بالمرأة، وهما اللتان نعقد لهما هذا المقال.

 

طبيعة الحكم عند المودودي أو ما نسميه عادة "الحاكمية"

يؤمن المودودي بشكل واحد من الحكم هو "السلطة العليا المطلقة ليست إلا لله والملك لله تعالى والحكم له ايضا ولا يجوز لأحد أن يشرع للناس قانونهم" (مقدمة كتاب تطبيق الشريعة الإسلامية في العصر الحاضر، مكتبة الرشد)، و"الديمقراطية نظام يعارض الإرادة الإلاهية"، ولهذا يجب أن تنتصب جماعة مؤمنة للتقرير في شؤون الناس (فعلا تم احداث صيغ كثيرة لها كمجلس الشريعة الاسلامية في باكستان، والمرشد الديني في إيران، ومجلس المراجع الدينية في العراق، ومجلس الرأي في السودان على مستوى الحكومات، ومجلس الإرشاد في جماعات الإصلاح في السودان والنهضة في تونس والعدل والإحسان بالمغرب، و الاخوان المسلمون بمصر وسوريا وغيرها).

 

وتصور المودودي لطبيعة الحكم تترجمه الصيغ المتبناة من الجماعات الإسلامية للحكم كالخلافة والديمقراطية الوظيفية وغيرها من الصيغ.

 

يضع المودودي الشروط التالية لهذا النوع من الحكم كما يلي:

1- ليس هناك من قانون إلا القانون الإلاهي، أو الصيغة التي أوحى به لنبيه.

2- وبما أن هذا القانون ثابت ولا تغيير فيه وجب أن تنتصب جماعة من المسلمين تكون لها الغيرة على الدين لتطبيق القانون الإلاهي الذي هو الشريعة الإسلامية حدودا وتعزيرا.

3- تحدث هذه الجماعة مجلسا أو غيره لصياغة للقانون الإلاهي في عبارات وصيغ قول بشرية ويعهد لجماعة مكملة للأولى نسميها حكومة أو أي اسم وظيفة تطبيق القانون الإلاهي، "إن الحكومة (بالصيغة السابقة حيث تكون الحكومة تابعة لمجلس العقيدة الذي يتشكل أعضاؤه من أعضاء الجماعة الإسلامية كما يحدث مع الحكومات الناشئة عن حركات أو جماعات كالإصلاح في السودان والإخوان المسلمين والنهضة والتوحيد والإصلاح وغيرها) أنشأت مجلس العقيدة الإسلامية لإنشاء القوانين الإسلامية التي تريد الحكومة تطبيقها والتي يتولى المجلس تدوينها والمصادقة عليها وتحويلها للحكومة لأجل صياغتها قانونيا ثم تطبيقها" (نفس المرجع، ص37).

4- يشترط في هذه الحكومة الإيمان بالله، إذ "لا تستطيع حكومة عديمة الإيمان بالله وفاقدة السلوك المستقيم التسيير ابدا. فالإدارة الخالية من خشية الله لا تستطيع تطبيق الإسلام" (تطبيق الشريعة الإسلامية، نفسه، ص 15)، -ومن هنا نفهم سر قول محمد الفايد بأن الصحافيين يجب أن يكونوا حافظين للقرآن الكريم و يخافون الله-.

5- هذا الحكم يكون وفق أربع خطوات أساسية هي:

- إصلاح الأذهان والأفكار

- تحسين الخلق

- ضمان تكافؤ الفرص

- العصا (نفس المرجع ونفس الصفحة)...

 

يقول في شأن الركن الأخير من أركان الحكم "إن للعصا مكان في النظام الإسلامي في آخر الأشواط" (نفسه، ص15)، ويشرح ذلك كما يلي في الصفحة 41 من نفس الكتاب: "إن القذف الذي ورد حده في القرآن الكريم وهو ثمانون جلدة هو لا ينطبق إلا على حالة رمي شخص شخصا آخر بالزنا، وأما الأنواع الأخرى من البهتان والرمي فيجوز معاقبة ذلك بقانون آخر من باب التعزير".

6- وهذا الحكم الإلاهي لا يجب أن يعترض عليه أو الدفاع ضده حيث أنه سيتم تحويل المحامين الموروثين عن المرحلة السابقة إلى "مفتين" (ص43).

7- ولن تكون هناك موسيقى أو غناء "ذلك أن معظم برامج الإذاعة تتضمن الموسيقى والغناء وشيئا يسيرا عن الدين ومقتضياته وأخلاقه. وعلى هذا من اللازم أن تقللوا من القسم الأول وأن تزيدوا في القسم الثاني حتى لا يبقى الناس متعودين على الأغاني والمزامير"،

#ومن هنا نفهم سر دفتر التحملات الذي حاول مصطفى الخلفي تمريره في الإعلام العمومي وخصوصا القناة الثانية، ونفهم سر الهجوم المستمر من الإسلاميين على القناة الثانية.

#باختصار هذه خطاطة الحاكمية عند المودودي والتي أخذتها عنه كل الجماعات والحركات الإسلامية في المجتمعات العربية وفي شمال إفريقيا:

1- الحكم لله عبر الشريعة الإسلامية حدودا وتعزيرا.

2- تقوم جماعة من المؤمنين المؤمنين بالله ويخشون عقابه! بتأسيس مجلس للعقيدة الإسلامية أو هيئة مماثلة (مرشد ديني، مجلس إرشاد، مجلس الفتوى، مجلس الرأي، مجلس المرجعيات...) الذي يسن القوانين ويشرعها فهو بمثابة برلمان ويعني ليس هناك برلمان ولا انتخاب ولا إرادة شعبية.

3- موارده المالية هي الزكاة والضرائب والحسبة.

4- لهذا المجلس والحكومة من خلفه باعتبارها مجرد جهاز تنفيذي حق "العصا" وهي إقامة الحدود والتعزير (ص41 من كتاب تطبيق الشريعة الاسلامية..)

5- يمنع الغناء والموسيقى وكل اشكال الإغراء والغواية الجنسية!! وينشر البرامج الدينية.

6- أخيرا هذا حكم إلاهي لا يجب الاعتراض عليه لأنه كان مقضيا وكلف به مؤمنون، ولهذا لا يحق للناس الدفاع عن أنفسهم أو توكيل محامين لأن المحامي في نظام الحاكمية سيتحول إلى مفتي أو واعظ كالواعظ عند تطبيق حكم الإعدام في الأنظمة الغربية.

 

هذه هي النظرية السياسية لأبي الأعلى المودودي الذي كرمه البيجيدي بتسمية إحدى أزقة حي يعقوب المنصور الذهبي باسمه.

 

- سعيد جعفر، عضو المجلس الوطني للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية