الأحد 27 سبتمبر 2020
كتاب الرأي

محمد شخمان: كورونا وسوءات " أولاد عبد القادر"

محمد شخمان: كورونا وسوءات " أولاد عبد القادر" محمد شخمان
قرر السيد كورونا، هذا القدر الجبار العابر للقارات أن يضع سادة العالم عارين أمام المرآة وأقسم أن يكشف سوءاتهم و يقدم لهم الدروس، و يقدم لهم تقريرا عن العالم، اقتصاده و اجتماعه وأنظمته و صحته النفسية والبيئية وأدوار الأفراد والجماعات في بنائه أو هدمه من الممرض حتى مدير بورصة نيويورك.
لقد طال انتظار عودة المسيح والمهدي المنتظر، ولذلك غضبت الطبيعة وجاءتنا بكورونا ليلقننا الدروس لعلنا نتعظ.
الإمبريالية الأمريكية أنفقت 500 مليار دولار على الحروب في العشرين سنة الأخيرة، وأنفقت من جيوب خدامها أكثر من ذلك و لها اكثر من180 قاعدة عسكرية بالعالم ، وتستطيع أن تتدخل في كل نقطة بهذا العالم تتقي فقط المجال الترابي والجوي للدول النووية، وبقدر القوة العسكرية لأمريكا، وبقدر نشاط اقتصادها العسكري الذي يزدهر بإشعال الحروب وبرغم حبها قيادة العالم فإنها لم تكن على أهبة الإستعداد لقيادة حرب عالمية على وباء كورونا، بل ولم تستطع حتى محاصرته داخل ترابها، وبقدر ما كانت تتدخل عسكريا في كل بؤر التوتر بالعالم.
لم نشاهد لها ولو تدخل أو مساعدة طبية واحدة بأحد البلدان من أصدقائها التي تعاني من الجائحة، وأظهر نظامها الصحي عجزا خطيرا أمام الوباء وبالرغم من إمكانياتها المادية الهائلة كشف المرض سياساتها الاقتصادية والاجتماعية المتوحشة التي لا تستهدف خدمة الإنسان بالدرجة الأولى وإنما خدمة فئة من رجال الأعمال فما يملكه Bill Gates يوازي ما يملكه مئة و ستة ملايين من ضعفاء أمريكا. تلك الإمبريالية التي خبرناها كشف التاج/كورونا عن وجهها البشع الذي يستطيع أن يتخلى عن كل المسنين على أراضيها و بالعالم كي يربح حفنة من عبدة المال العالميين.
كورونا سرع بقرارات كانت تطبخ على نار هادئة وسيكون لها تأثيرها على التوازنات الدولية، فالصين خرجت من وصاية الدولار وستفقد بذلك أمريكا هيمنتها الاقتصادية وستخسر خدمة الاقتصاد الروسي والهندي للاقتصادي الأمريكي.
كورونا وقع على صك نهاية الأحادية القطبية ليصبح العالم بأقطاب متعددة.
كورونا قدم خدمة لصالح التوازن البيئي وأوقف الملاحة الجوية ودفع الكثير من مستعملي السيارات وملوثي البيئة بلزوم بيوتهم وأصبحت العواصم العالمية التي كانت أجواؤها ملبدة بالدخان تعرف صفاء وتوازنا بيئيا، لقد كشف الفيروس كم كان هذا الإنسان ظالما للطبيعة وكم كان معتديا ومتوحشا وساعيا لإعدام الحياة على وجه الأرض.
كانت الرجعية العربية تستقوي على شعوبها وجيرانها وتعبث في الأرض فسادا اعتمادا على البترودولار، لكنها اليوم تستدين لتملأ بطونها المنتفخة ببعض الغداء، فيروس كرونا، قال لهم إن الإقتصادات الريعية بنيت قصورها على رمال متحركة وفي أي يوم هبت ريح عاتية فلن تبقى ولن تذر من الامارات الورقية إلا الذكرى.
وذلك النظام المخرني الذي خبرناه والذي عرفناه محبا للتسلط و الظلم والتمييز وسبق له أن طلا وجهه بماكياج من الديمقراطية المفترى عليها حتى يظهر بمظهر أليف بفعل ضغط الشارع المغربي والعالمي في زمن انتفاضات الشارع، غير أن هذا المخزن الأوتوقراطي كان متضايقا من ماكياجه و بدأ يتخلص منه مستغلا ظروف الحجر والجائحة وأظهر وجهه القمعي وزاد جرأة وجرعة في الإنتقام من الشرفاء والنشطاء الحقوقيين والسياسيين. بل ومن خبله وصفاقته أن جاء بمشروع قانون 22.20 الذي أسميناه قانون تكميم الأفواه الذي فاق في تسلطه قانون كل ما من شأنه الإستعماري السيئ الذكر.
شكرا كورونا لأنك كشفت أن أحزاب العار لم يعد لها من مطلب سوى أن يزوج سيدها فيلة لفيله وبأس المصير.
كورونا أكد هو أيضا أن بكل مجتمعات العالم توجد طبقات طليعية هي من تخدم البشر زمن السلم وزمن الحرب، زمن التخمة وزمن الجوع، إنه ذاك الفلاح الذي يحرث الأرض ليزودنا بالغذاء و نحن في بيوتنا، ذاك العامل الذي يزودنا بضروريات الحياة، ذاك الذي يصنع الكمامة والدواء، ذاك الممرض الساهر على سلامة كل ذي علة ذاك الطبيب الرافض لأن يموت الشيخ كما الشاب.
لقد أظهر كورونا أن كثيرا من رجال الدين أتفه من التفاهة باختلاف عقائدهم، وكل منهم يدعي أن ملته ناجية من قيامة كرونا وهم في دعواهم تلك دجالون إلى يوم الدين.
كورونا كغيره من الأوبئة ذاهب والإنسان والكون باق إلى زمن آخر، فأي الدروس يمكن استخلاصها بعد الجائحة ؟
أول الدروس أن الحفاظ على الطبيعة وعلى التوازن الطبيعي ممكن فقط ببعض الجهد البشري ووضع بدائل صديقة للبيئة كي تبادلنا الطبيعة عطاء بعطاء.
ثاني درس أن الأولوية للأمن الغذائي، وأن الضرورة تستدعي الحد من توحش السوق العالمي و النظر إلى الحاجات الأساسية التي تخدم سعادة الإنسان.
وثالث درس أن الاستثمار في الدواء أفضل من الاستثمار في المرض و أن أي تفكير في حرب بيولوجية، هو ليس إضرار بالآخر، بل إضرار أيضا بالذات،ومن المخزي أن يكشف كرونا هشاشة الأنظمة الصحية لدول قوية، فرصد القليل من المال للسلم، أفضل من رصد الكثير منه للحرب.
ثرى ما بعد الدرس هل يمكن التوجه لبناء نظام عالمي جديد يعتمد على العلم، ويهتم بمساواة الإنسان ومبني علي القيم و الأخلاق التي توجه العلم لخدمة السلم الحفاظ على صحة الاقتصاد وسعادة الانسان؟
محمد شخمان، عضو اللجنة المركزية لحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي.