الأربعاء 15 يوليو 2020
كتاب الرأي

محمد الشمسي : شهادة حول"المحاكمة عن بعد".. تُصفّي ملفا ولا تُنتج عدالة

محمد الشمسي : شهادة حول"المحاكمة عن بعد".. تُصفّي ملفا ولا تُنتج عدالة محمد الشمسي
شاءت الصدف أن أكون شاهدا على جلسة من جلسات"المحاكمة عن بعد" في زمن كورونا، بغض النظر عن العطب الذي شاب عملية الاتصال بالسجن، وما تطلب ذلك من حضور شخصي لتقني في المعلوميات سيصبح على ما يبدو جزء من الهيئة القضائية، وبغض النظر عن التأخير في وقت انطلاق الجلسة بسبب هذا العطب ، وبغض النظر عن رداءة الصوت والصورة القادمين من المؤسسة السجنية، وعن ارتباك موظف السجن الذي لا يحمل أي شارة تؤكد أنه موظف ومحلف حتى أن القاضي طلب منه أن يجهر له باسمه ليسهل التواصل معه، فإني سجلت على هذا الصنف من المحاكمة الملاحظات الميدانية والواقعية من قلب قاعة المحاكمة:
1\ تكون الكاميرا مثبتة على حاسوب القاضي وحده، وفي الجهة الأخرى فالمتهم لا يظهر له على شاشة السجن سوى القاضي، رغم أن المتهم يظهر لكل من في القاعة في شاشة معدة لذلك، ولا يكون المتهم في هذه الحالة على علم بعلنية الجلسة أم بسريتها، وفي الواقع تكون الجلسة غير علنية دون أن يضمن القاضي ذلك في محضر الجلسة، ولا يرى المتهم حتى دفاعه الذي هو بحكم القانون دعمه وسنده.
2\ يصعب على الدفاع وعلى النيابة العامة، توجيه أسئلة للمتهم فالسائل يحتاج في هذه الحالة إلى أن يقترب من حاسوب القاضي، أو يكون على المحامي أن يوجه السؤال عبر القاضي الذي يسمع سؤال المحامي ثم يعيد نقله للمتهم وقد لا يكون نقل السؤال كما يرغب المحامي صاحب السؤال.
3\ لا يسمع المتهم مرافعة دفاعه ولا مرافعة دفاع خصمه، لصعوبة تقنية ( لا وجود لميكروفون يعمل بالبلوتوت يضعه المحامي النيابة العامة والطرف المدني حتى الشهود إن وجدوا) فلا يكون صوت المرافعات مسموعا، فبالكاد يرى المتهم دفاعه عندما يصوب القاضي الكاميرا نحوه، ولا يمكن للمتهم في هذه الحالة أن يكون آخر من تكلم مادام لم يسمع المرافعات والشهادات التي تعنيه بالدرجة الأولى.
4\ لا يمكن للمتهم في المحاكمة عن بعد أن يكشف أمام القاضي مباشرة عنفا جسديا تعرض له لدى الضابطة القضائية، أو يعرض عليه أثر الضرب الذي لحقه من خصمه، حتى يمكن لمحاميه أو النيابة العامة الدفع بعدم الاختصاص النوعي، أو يمكن للقاضي أن يعاين أثر الاعتداء ويأمر بإجراء خبرة طبية في الأمر لأن معاينة القاضي جزء من المحاكمة.
5\ لا يمكن للمتهم أن يتواجه مع الشهود الموجودين في قاعة المحاكمة وهو في السجن ويطل عليهم ببث عبر كاميرات، ولا يمكن حتى لبعض الشهود أن يتعرفوا على المتهم، لأن جودة الصورة تكون متذبذبة ، وبالمقابل لا يمكن للمتهم أن يتعرف على الشهود لكي يجرح في بعضهم بسبب عداوة له معهم أو بسبب قرابة بعضهم مع خصمه، لرداءة الصورة حينا، ولأن المتهم لم يألف أو يستأنس بالصورة عبر الكاميرا، ويضيع جزء من الحقيقة قد يكون مفتاحها.
6\ لا يمكن للقاضي أن يقرأ وجه ومحيا المتهم من خلال حركاته وطريقة أجوبته، وهي واحدة من أهداف وغايات وفلسفة المثول المباشر أمام القاضي ومن حسنات المسطرة التواجهية، فطريقة كلام المتهم تحمل رسائل وشفرات يفكها القاضي ويبني عليها شيئا من قناعته.
7\ تفقد مرافعات كل من النيابة العامة إن وجدت ومعها مرافعة دفاع المتهم أو المطالب بالحق المدني قيمتها وأثرها وتأثريها، في غياب حضور المتهم حضورا شخصيا وجسديا، وتصبح المرافعات واقعية افتراضية، يشعر فيها المُرافع أن مجهوده يذهب سدى، في محاكمة يفقدها عالمها الافتراضي بريقها ويصل بها إلى حدود الصورية أو الوهمية، لأن الحكم لن يصدر بناء على محاكمة مباشرة ، حتى أن محضر الضابطة القضائية يكون أكثر واقعية من الحكم القضائي.
8\ يفقد القاضي ومعه محامي الطرف المدني فرصة محاصرة المتهم وحشره في الزاوية بعد مواجهته بأسئلة مترابطة ومتماسكة لضبط ارتباكه وتناقضه، مثلما يصعب على القاضي مواجهة تصريحات متهمين ببعضهم البعض أو مواجهة شهادة الشاهد بتصريحات المتهم، فيكفي المتهم خلف الكاميرا أن يتحجج للقاضي أنه لم يعد يسمع شيئا، ويظل هكذا إلى أن ينتبه الى حقيقة السؤال، فتضيع حلقة جديدة من الحقيقة قد تكون الأهم.
9\ تحرم المحاكمة عن بعد المتهم من حقه في التنقل من سجنه إلى مقر المحكمة طيلة أطوار محاكمته، ليتأكد للمتهم أنه مجرد معتقل احتياطي وليس معتقلا صدرت في حقه عقوبة سالبة للحرية، وخروج المتهم من السجن نحو المحكمة لمثلوه أمامها والدفاع عن نفسه أمامها بجميع الوسائل المشروعة هو أحد المعايير لتمييز الحالتين عن بعضهما، وهذا التنقل ترصد له الميزانيات وتخصص له الأطقم البشرية ووسائل النقل الخاصة.
10\ أختم هذه الشهادة أن إلزام وضع الكمامة أثناء المحاكمة يؤثر على صوت ونطق وتعبير جميع الأطراف في المحاكمة، فالكمامة تمنع القاضي والمحامي والنيابة العامة والضحية والشهود من إيصال كلمتهم وحجتهم واضحة مسموعة جلية، فيصبح لون المحاكمة باهتا، إنها محاكمة تصفي ملفا لكنها لا تنتج عدالة.