الاثنين 25 مايو 2020
اقتصاد

أحمد أزيرار: لدينا ثلاث استراتيجيات مطروحة كي نبني إقلاعا اقتصاديا قويا بعد جائحة كورونا..

أحمد أزيرار: لدينا ثلاث استراتيجيات مطروحة كي نبني إقلاعا اقتصاديا قويا بعد جائحة كورونا.. أحمد أزيرار، وفي الخلفية جدول مؤشرات وأرقام (أرشيف)

نظمت الجمعية المغربية لاقتصاديي المقاولة، مؤخرا، بشراكة مع مركز الدراسات والأبحاث عزيز بلال، نقاشا عن بعد حول السيناريوهات المحتملة لإقلاع الاقتصاد المغربي بعد جائحة "كورونا". حيث لاحظ الجميع أن الصدمة أطلقت العنان لزخم هائل من الكتابات والنقاش والتواصل، ليس فقط في المغرب، بل وفي العالم  ككل ما دامت الأزمة عالمية وهزت البشرية كافة.

 

إذا كانت تسمية كوفيد19 تعود نسبة إلى الفيروس المكتشف سنة 2019، فهو الآن كما نرى عاد كوفيد2020، لأن السنة كلها سوف تمر لا محالة تحت تأثيراته المختلفة والقوية. ويخشى المتتبعون أنه حتى السنتين أو الثلاث سنوات القادمة سوف تكون كذلك تحت تأثير ما سوف سيترتب عن هذه الأزمة الكبيرة من تبعات، خصوصا وأنها كانت أزمة صحية في الأساس قبل أن تصبح لها صفات وتبعات متعددة،  جيواستراتيجية واقتصادية واجتماعية وبيئية... إلخ.

 

في الجانب الصحي أولا، وحتى وإن اكتشف لقاح فعال سريعا، وهذا ما يتمناه الجميع، فإن هذا اللقاح سوف يتطلب وقتا طويلا نسبيا لإنتاجه بكمية كافية للعالم على شساعته، وتوزيعه وانتفاع الساكنة العالمية به. علما أن هناك إشكالية أساسية وهي، هل سيكون هذا اللقاح متوفرا لجميع الدول وبثمن معقول أو حتى مجانيا، لم لا.

 

جيو استراتيجيا ثانيا، فقد ارتفعت أصوات حول العالم مطالبة بنظام عالمي جديد يكون غير مسير من طرف قطب واحد أو حتى قطبين كما يقال، داعية إلى خلق نظام عالمي أكثر دمقرطة وتسيره أطراف متعددة بدل القطبية الضيقة والمتصارعة. هذا الحلم غالبا لن يتحقق قريبا، بل وقد يخشى أن يكون العالم معرضا لاضطرابات متنوعة على المدى المتوسط، منها التجاري والمالي والتكنولوجي والعلمي، بل وحتى العسكري، قبل أن تصل الأطراف الفاعلة إلى اتزان في الافكار قصد هندسة هذا النظام العالمي الجديد المتزن المنشود.

 

اقتصاديا واجتماعيا ثالثا، فإن الكلفة التي تدفعها ساكنة العالم كبيرة جدا. حيث أن نصف ساكنة العالم بأكثر من 200 دولة عانت وما زالت من الحجر الصحي ومخلفاته النفسية والإنسانية، كما أن هناك أفدح من هذا عشرات الآلاف من البشر الذين فقدوا حياتهم، أضف إلى ذلك  الخسائر المادية والاجتماعية التي لا تحصى من تدني النماء وارتفاع مهول في البطالة والمديونية.

 

لذا فإن كانت الدول الغنية قد أعملت مخططات مالية ضخمة جدا لكي تحد من مفعول هذه الأزمة، فإنها قد تعاملت بنفس المنطق الذي تعاملت به مع الأزمات السابقة، مثل الأزمة المالية 2008-2009، وذلك رغم أن الأزمة الحالية هي أزمة مختلفة تماما، ومن نوع هيكلي جديد.

 

زيادة على هذا نرى الدول، بل وحتى المجموعات تتعامل بانفراد ودون تعاون كبير. في الوقت الذي كان من الواجب أن يكون التفكير مجددا وجماعيا على صعيد العالم ككل، دول متقدمة ودول صاعدة ونامية. لأن دول الجنوب عموما أبانت خلال هذه الأزمة عن أفكار مهمة وتعاملات ذكية قد تكون صالحة عالميا لمجابهة الأزمة ولبناء نظام تعايش اقتصادي واجتماعي عالمي من نوع جديد.

 

على أي فإن جميع الدول لا يمكنها أن تنتظر هذا النظام الجديد الذي قد يطول تركيبه. المستعجلات المختلفة تحتم على جميع الدول إيجاد منافذ للخروج من الأزمة الهيكلية الجديدة وذات الأبعاد المتنوعة. هناك الآن استراتيجيات للخروج من الازمة قيد التطبيق في أوروبا وأمريكا وإفريقيا. أما آسيا التي سبقت إلى هذه الأزمة فهي الآن في مرحلة متقدمة للخروج ولإعادة تسيير دواليب اقتصاداتها. قد تكون تجاربها ذات منفعة لباقي الدول قصد الاستئناس بها لإعمال حلول خاصة بكل دولة حسب متطلباتها. والمغرب بالطبع لن يخرج عن هذا النسق.

 

أما على الصعيد الاقتصادي، وبالنسبة لبلادنا، فإنه أمام الدولة ما يجب معالجته على المدى القصير من مشاكل اجتماعية وإعادة تشغيل دواليب الاقتصاد بتدرج وفعالية. لهذا الغرض أعلن عن قانون مالية معدل سوف يقدم قريبا. أما على المدى المتوسط والبعيد، فقد أعلن كذلك عن مخطط لإذكاء إقلاع جديد وقوي للاقتصاد وللبلد ككل، وهذا ما أعلن عنه من طرف لجنة اليقظة الاقتصادية.

 

بالطبع كان مبدئيا يتوقع الجميع على أن التكلفة الاقتصادية لهذه الأزمة ستكون ثقيلة بالنسبة للمغرب. لأنه، وهذا يحسب لصالح الدولة المغربية، أنها اختارت منذ بداية الأزمة، تفضيل الإنسان على الاقتصاد. لذا ستكون الكلفة غاليةـ خصوصا وأن نسبة كبيرة من الاقتصاد المغربي مرتبطة بالخارج، كما أن بعض القطاعات الداخلية والقطاع الغير المهيكل في عطالة كبيرة.

 

لا يجب أن ننسى بالطبع أن أول التكلفات الثقيلة هي الأرواح البشرية، كيفما كان عددها داخل وخارج المغرب، التي تم فقدانها جراء هذا الوباء. لا يسعنا إلا أن ندعو الله أن يتغمد الجميع برحمته الواسعة وأن يلهم ذويهم الصبر.

 

اقتصاديا، على المدى القصير أقول إن هناك أمورا مستعجلة يجب معالجتها، وعلى رأسها التشغيل العمالة والمقاولين المستقلين والعاملين في القطاع الغير المهيكل لاستئناف إيجاد وسائل عيشهم، وهذا مرتبط بإعادة تسيير دواليب الشركات المنتجة والأسواق الثلاثة، سوق الإنتاج وسوق المال وسوق العمل.

 

كما تعلمون فإن أكثر من 800 ألف أجير مغربي قد فقدوا العمل، زيادة على مئات الآلاف الذين يشتغلون لحسابهم الخاص أو في القطاع الغير المهيكل الذين توقفوا بموجب الحجر. إذن يجب سريعا إعادة تشغيل القطاعات الاقتصادية المتعددة التي هي الآن معطلة. قد تتجاوز نسبتها 57 في المائة كما جاء في أرقام المندوبية السامية للتخطيط. هناك كما هو معلوم ولحسن الحظ شركات متعددة لم تنقطع عن العمل، سواء كليا أو نسبيا رغم الحجر .

 

وتشير تقديرات وزارة المالية على أن 53 في المائة من قيمة المضافة الوطنية توفر دون انقطاع، وهذا محمود وجميل، لاحظنا أن الأسواق والتموين استمرت رغم الحجر، مما خلق الطمأنينة في نفوس المستهلكين بعد هلع طفيف في بداية الازمة، هلع بدون موجب أصلا.

 

كذلك من الوقائع الجميلة أن شركات متعددة قد سارعت إلى الخروج من تخصصها بسرعة وتعاطت لإنتاجات جديدة، خصوصا تلك الضرورية للوقاية، والتي عليها طلب كبير مثل الكمامات وأجهزة التنفس الاصطناعي وعدة منتجات وقائية أخرى. رأينا كيف أن شركات مغربية تنتج يوميا أكثر من 7 مليون كمامات عرضت للبيع بثمن زهيد مدعوم من طرف الصندوق الذي أحدثته الدولة لتمويل نفقات الجائحة والذي زاد عن 30 مليار درهم. بالإضافة إلى إنتاج وافر لكمامات ذات اثمنة أعلى معدة للتصدير إلى مختلف دول العالم.

 

أما في ما يخص المدى المتوسط والطويل، فإنه من المعول على المتخصصين في الاستراتيجيات المستقبلية أن يمدوا المملكة، كل في نطاق اختصاصه، بالأفكار الضرورية الناجعة لإيجاد الجواب عن السؤال المحوري المطروح الذي هو كيف يمكن أن نستفيد من الدروس التي أعطتنا إياها أزمة كورونا، ونستغلها لنترجمها إلى سياسات عمومية للنهوض سريعا بالمغرب طبق نموذج جديد للتنمية الاقتصادية والاجتماعية مساير للعالم الجديد وصالح للمرحلة المقبلة.

 

إن الظرفية تتطلب الشجاعة والابتكار والابتعاد عن بعض التباطؤ النسبي الذي كنا نعاني منه، والذي خلق مشاكل للاقتصاد والمجتمع المغربي. في هذا النطاق، يجب تجديد النظرة الشمولية للتنمية المقبلة بحيث أن مستقبلنا لا يمكن أن يتماشى لا مع الليبيرالية المتوحشة ولا مع الانفتاح العشوائي. يجب أن نتعامل بطريقة عقلانية مع هاذين الاختيارين طبقا لما هو في صالح الوطن ولا غير. لا إفراط ولا تفريط.

 

كذلك يجب أن نعود إلى صلب المبتغى من الدولة، ألا وهو أولا ضمان العيش الكريم للساكنة وضمان دخل الكرامة لأفراد المجتمع مع العلم أن دخل الكرامة هذا يضمنه أولا الشغل والكد من طرف كل المواطنين السليمين بدنيا وذهنيا. الدعم يجب ان يذهب لمن يستحقه فعلا.

 

يجب كذلك إعادة النظر في الانتاج  للسوق الداخلي. إذ لا يجب أن نفقد أمننا الغذائي والصحي على الخصوص والعمل على توفير المنتوجات الضرورية لاستهلاكنا اليومي. من دروس الأزمة المالية ضرورة العودة إلى كامل استقلاليتنا وسيادتنا الإنتاجية دون إغفال التعامل مع الأسواق العالمية لكي نصدر ما يزيد عن حاجياتنا الوطنية وما ننتجه أصلا قصد تصديره. في هذا الاتجاه هناك كثير من مناحي الإنتاج مثل الفلاحة والصناعة الغذائية وقطاعات الأدوية والنسيج... يمكن أن ترفع بسرعة من إنتاجيتها لتزويد السوق الداخلية وكذلك للرقي في شبكات الانتاج العالمية.

 

سياستنا في مجال التجارة الخارجية تستوجب تفكيرا متزنا كذلك. لأن حرية المبادلات سياسة قبل أن تكون علما قائم الذات. لذا يجب أن نتعامل في هذا المجال ببراغماتية ومصلحية. نستعمل الليبيرالية إن كان لنا فيها مصلحة ونوصد الأبواب لحماية الإنتاج الوطني إن اقتضى الحال. تماما كما تتعامل الدول الصناعية الكبرى. يجب أن نعيد النظر في علاقاتنا مع شركائنا وفق منظور رابح رابح، ونبحث مع أوروبا وأطراف أخرى تطوير علاقات أفقية نحو الجنوب يمكن للمغرب أن يكون قطبا محوريا فيها. التعاون شمال جنوب كما هو سائر الآن غير كاف ولا يوفي للجنوب حقوقه. يجب أن نعمل على أن نعمق هذا التعاون الجديد ونناقش مع شركائنا بالخصوص في أوروبا وإفريقيا هذا الموضوع.

 

كذلك من المشاكل التي يجب أن نحلها، التعامل الوثيق بين القطاعين العام والخاص. نريد قطاعا عاما مسيرا أحسن تسيير، مجددا وذي فعالية أكبر، كما نحن في نفس الوقت في حاجة إلى  قطاع خاص قوي، فاعل و مسؤول اجتماعيا واقتصاديا.

 

الحقبة الجديدة للتنمية الوطنية، سوف تنبني على القطاعات التقليدية بالطبع، ولكن أكثر على تلك المجددة والرقمية، تلك القطاعات التي يصطلح عليها بالصناعات 4.0 التي يمكن أن تبنى بنجاعة بشراكات بين القطاع العام والخاص الوطني أولا. الأمر الذي يحتم علينا بأن ننمي إمكاناتنا التكنولوجية وقدراتنا العلمية والمخبرية وتعبئة جامعاتنا وباحثينا لذلك. الصعود في شبكات الانتاج العالمية يبتغي قيمة مضافة علمية أكبر وذكاء تسويقي واقتصاد تنافسي صلب.

 

أما في ما يخص التصدير، فمن المعلوم أن للمغرب قطاعات تنافسية متعددة من ضمنها صناعات جديدة كالسيارات والطائرات، وأخرى قديمة  كالنسيج والألبسة والجلد مطلوب منها أن تنمي مردودها الوطني في شبكات الإنتاج العالمية.

 

كما يعلم الجميع فالتصدير مرتبط بقدرة المقاولة على إذكاء تنافسية منتوجها، سواء من ناحية الثمن أو من ناحية التجديد والجودة. لذا يجب تحسين نمط تسيير مقاولاتنا وتقوية قدراتها المالية والتنظيمية التي هي أساس النجاح في الأسواق العالمية. ولذلك للأبناك والجهات والدولة أدوار لكل من هذه الأطراف. مع العلم أن هذه الأسواق العالمية سوف تتغير رأسا على عقب وأن المنافسة ستزيد حدة. ما نلاحظه منذ الآن أن المستهلكين العالميين وخصوصا في الغرب، يريدون استهلاك مواد محلية أو على الأقل مواد تأتي من أسواق قريبة، يريدون مواد بيولوجية وسليمة صحيا وتساهم في الحفاظ على المجال والمناخ. وهؤلاء المستهلكين يقولون إنهم على استعداد لدفع ثمن أكبر من أجل الحصول عل منتوجات تلائم أذواقهم وحاجياتهم الجديدة هذه.

 

ما نلاحظه أعمق من ذلك أن الجميع يريد العودة إلى سيادته الوطنية. لا يريد أحد البقاء في عولمة متوحشة، كما أن الجميع يريد رقمنة إنسانية، رقمنة متحكم فيها وطنيا، لا تلغي الديمقراطية ولا تستلب المعلومات الشخصية.

 

خلاصة القول، أمام المغرب ثلاث فرضيات بالنسبة لما هو في تغير في سلاسل القيمة العالمية:

الحالة الأولى، هي حالة سلاسل القيمة التي ستمضي قدما بنفس نهجها الحالي أو تقريبا، على الأقل في المدى القصير والمتوسط. يجب أن نتعامل معها بذكاء ونستغل هذه الظرفية لننمي إمكاناتنا التكنولوجية وقدراتنا العلمية والمخبرية مع تعبئة جامعاتنا لكي نطور مشاركتنا في سلاسل الإنتاج هذه. للعامل البشري المكون أحسن تكوين الدور الأول هنا.

الحالة الثانية، من سلاسل الإنتاج العالمية التي سوف يقصر طولها بحيث أن مجموعة من روافدها ستعود إلى الإنتاج المحلي، وهنا يجب أن نستغل إمكاناتنا لجلب هذه الإنتاجات الى المغرب لكي ننجزها سواء برؤوس أموال مغربية أو بشراكة مع رؤوس أموال أجنبية.

الحالة الثالثة، تلك السلاسل التي سيطال نسبة عالية منها إعادة الاستيطان والتأميم. أحسن مثال هو قطاع الأدوية الذي تريد كثير من الدول أن تعيد إنتاجها إلى مواطنها الأصلية.

 

إذن لدينا ثلاث استراتيجيات، مطروحة على الدولة والمنتجين والمحللين والسياسيين والمجتمع المدني، مطلوب التعامل معها بانضباط لكي نبني إقلاعنا قويا وبدون طول انتظار.

 

- أحمد أزيرار، مؤسس الجمعية المغربية لاقتصاديي المقاولة