الأربعاء 21 إبريل 2021
سياسة

حميد النهري: بمشروع قانون 22/20، الحكومة تفقد البوصلة مستغلة نشوة صمود المغاربة أمام جائحة كورونا

حميد النهري: بمشروع قانون 22/20، الحكومة تفقد البوصلة مستغلة نشوة صمود المغاربة أمام جائحة كورونا حميد النهري مع كاريكاتير تعبيري عن مشروع قانون 22.20

ما زال مشروع أو مسودة قانون 22/20 المسرب، والذي بات معروفا بقانون تكميم الأفواه، يثير الجدل ويطرح تساؤلات حول المشهد السياسي بالمغرب ومساره المتناقض زمن الطوارئ الصحية.

"أنفاس بريس" حاورت حميد النهري، أستاذ ورئيس شعبة القانون العام بكلية الحقوق جامعة عبد المالك السعدي بطنجة، الذي كشف بعض الحقائق المرتبطة بالموضوع، وخاصة أن تسريب النصوص حدث حتى في ولاية بنكيران، في واقعة صندوق التنمية القروية سنة 2016...

 

+ كيف تقرأ، في نظرك، هذا الاستعجال في إخراج هذا النص الذي وصف بـ "الكمامة في زمن الحجر الصحي"؟

- الطريقة التي تريد بها الحكومة استصدار مشروع قانون 20|22 لتؤكد على نفس السلوكيات المعتادة التي تنهجها الحكومة في تمرير بعض القوانين، خصوصا تلك التي تكون على المقاس ومعروف لصالح من. لذلك أقول بخصوص قانون 20|22، الحكومة مرة أخرى تفقد البوصلة في تدبير السياسات العمومية، وتأبى إلا أن تتشبث بسلوكياتها الشاردة التي تزيد المشهد السياسي رداءة. للأسف افتقاد الحكومة لبُعد النظر جعلها تسرق، وبدون مقدمات، نشوة المكتسبات الإيجابية التي كسبها الشعب المغربي من خلال صموده في مواجهة الوباء اللعين كورونا.

هذا الصمود الذي أشادت به وسائل الإعلام الوطنية والدولية وقدمته كإنجاز كبير للمغاربة في مواجهة انتشار الداء؛ في المقابل نجد الحكومة بهذا المشروع تقدم هدية مسمومة وتصدم المواطنين الذين ما زالوا لم يستوعبوا بعد خسائرهم المادية والبشرية جراء الحجر الصحي.

لقد تم إعداد النص من طرف وزير العدل، وهو من حزب الوردة، فلماذا تحفظ من تحمل المسؤولية فيه،   كما تحفظ على هذا القانون الوزراء الآخرون، بل وحتى رئيس الحكومة؛ فأين هي المسؤولية التضامنية إذن؟

عند تقديم مشاريع القوانين نتكلم دائما عن الحكومة. أما بالنسبة لهذه التجاذبات التي نسجلها نتيجة تسريب معلومات عن هذا القانون وتصريحات بعض أعضاء الحكومة والتصريحات المضادة من طرف أعضاء آخرين، فهي ليست جديدة.. فقد اعتدنا من الحكومة مثل هذه الممارسات. وكأننا أمام حكومات مختلفة وليست حكومة واحدة، بل إن الصورة مع مشروع قانون 22|20 تعتبر أكثر كاريكاتورية!! ذلك أن القانون صادقت عليه الحكومة خلسة وتم تسريبه خلسة من طرف حكومة الفريق الأول لتصفية الحسابات مع حكومة الفريق الثاني الذي يعمل ضدا على حكومة الفريق الثالث، والذي بدوره يتفاوض مع حكومة الفريق الرابع.... وهكذا. والهدف من كل هذا هو الوصول إلى المكاسب الانتخابية، وكأننا في حملة انتخابية مفتوحة منذ إبان استحقاقات 2012. بل تبرز من خلال هذه الممارسات مسالة انعدام المسؤولية السياسية لدى بعض الوزراء الذين لا يهمهم سوى خدمة أجنداتهم الخاصة.

وهنا في الحقيقة لا بد من الإشارة إلى مرحلة رئيس الحكومة السابق بنكيران والجدل والنقاش الذي كان  إثير بخصوص المادة 30 من مشروع قانون المالية لسنة 2016، وبالخصوص عندما كانت قد "تسربت" معلومات بشأن مقتضيات هذه المادة أيضا خلال انعقاد مجلس الحكومة، والتي تنص على أن يكون الوزير المكلف بالفلاحة هو الآمر بالصرف لصندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية، كما يمكن له أن يعين الولاة والعمال، وكذا رؤساء المصالح الخارجية التابعين للوزارات المعنية، كآمرين مساعدين بالصرف .

هذا مع العلم أن رئيس الحكومة كان دائما قبل هذا القانون هو الآمر بالصرف لهذا الحساب؛ وعندما سئل بنكيران حول هذا الأمر أنكر في الأول معرفته بذلك، مع أن خلافا كبيرا قد نشب بينه وبين أخنوش وزير الفلاحة! ثم عاد بنكيران في تصريح آخر ذهب فيه إلى حد الاعتراف بأن وزير المالية محمد بوسعيد، وفوزي لقجع مدير الميزانية، قد "دبرا له مقلبا" لتفويت صلاحيات الآمر بالصرف في صندوق تنمية العالم القروي لصالح أخنوش وسحب البساط من تحت أقدامه! الشيء الذي جعل وزير المالية آنذاك بوسعيد يخرج بتصريح يؤكد من خلاله على أن "جميع مقتضيات قانون المالية مرت بعلم رئيس الحكومة، وتحت إشرافه."

إذن نحن اليوم أمام نفس السيناريو تضارب في التصريحات بين بعض أعضاء الحكومة تظهر من خلاله انعدام المسؤولية السياسية والأخلاقية المطلوبة في هذا المستوى.

 

+ كيف تقرأ في هذا السياق ورود مصطلحات مثل "تسريب" و"مسودة"، ألم يتم ذلك بشكل متعمد ومقصود لجس نبض الرأي العام؟

- السياق العام الأساسي هو أن المجتمع يعيش ظروفا صعبة نتيجة جائحة كورونا؛ والتي عوض استغلالها بشكل إيجابي نجد الحكومة تتعامل بسلبية وتريد أن تمرر قانونا مفصلا لصالح لوبيات جميع المغاربة ينددون بأنشطتهم!! بل أصبح ابتزازهم للدولة معروفا. اختيار هذا التوقيت للتجاوب مع ضغط اللوبيات يعتبر رغم المسميات الواردة  مغامرة لا تحتاج لاختبار رد فعل المواطن.

 

+ ما هي الجهات المستفيدة من هذا النص؟

- العديد من الجهات، كل من منظوره؛ لكن المغاربة يعلمون جيدا ما هي الجهة الأكثر استفادة من هذا القانون. فنحن أمام اقتصاد الريع، والذي يختلط فيه السياسي بالاقتصادي وتتداخل فيه المصالح. الشيء الذي يجعل من الاقتصاد المغربي في الواقع اقتصادا ريعيا يعتمد ليبرالية ذات خاصية مغربية مفرغة من محتواها؛ ليبرالية تغيب فيها المنافسة ومنطق السوق وتجعل القطاع الخاص يعتمد فيها على الدولة، بل وتُسَخر السياسات العمومية لحمايته وتكديس أرباحه. كما أن بعض هؤلاء الفاعلين من القطاع الخاص يمثلون الترابط والتشابك بين الاقتصادي والسياسي ويعتبرون فاعلين من درجة عليا، وليسوا كبقية الفاعلين الآخرين في النشاط الاقتصادي

 

+ أمام رفض الرأي العام، هل يمكن التراجع عن هذا النص المثير، وكيف؟

- اسمح لي أن أشير إلى أن العبارة الأصح التي يجب استعمالها هي عبارة ضرورة التراجع! وسحب هذا القانون واعتباره كأن لم يكن. وعلى الجميع أن يتحمل مسؤوليته وضرورة وقف هذا العبث. والاستفادة من دروس جائحة كورونا باعتماد مقاربة اجتماعية. صحيح أن هناك مطالب بتجويد مضامين شبكات التواصل الاجتماعي والشبكات المماثلة، ومحاربة استعمالها في نشر الأخبار الزائفة وافتعال الوقائع والسب والقذف وتصفية الحسابات. لكن مع ذلك فهذا لا يسمح للحكومة بالتضحية بمبدأ حرية التعبير والتضييق عليها. فهذا المشروع هو قانون سيعود بنا إلى زمن كنا نظن أننا قطعنا أشواطا في تجاوزه.. لذلك فقانون 20/22 مرفوض على جميع المستويات.