الأحد 12 يوليو 2020
كتاب الرأي

عائشة واسمين: العالم في زمن كورونا.. الصعود إلى الهاوية

عائشة واسمين: العالم في زمن كورونا.. الصعود إلى الهاوية عائشة واسمين

يعيش العالم مند بداية سنة 2020 على إيقاع تفشي فيروس كورونا (Covid19) وتنقله من مكان إلى آخر بسرعة قياسية. إنها فعلا لحظات عصيبة وغير مسبوقة في التاريخ البشري المعاصر أن يشل فيروس غير مرئي حركة العالم بشكل شامل ومتواصل. وتكاد السياسات العمومية للدول تتشابه من حيث اتباعها لنفس طرق التصدي لانتشار الفيروس، وذلك بالرغم من أن كل دولة أغلقت حدودها وعزلت نفسها عن العالم واكتفت بما لديها من إمكانيات ذاتية. إلى جانب ذلك، تكاد شعوب العالم تتفاعل فيما بينها وتشعر بنفس الآلام الإنسانية العابرة للحدود، وكأنها مطالبة بالتعبئة والوقوف في جبهة واحدة في مواجهة عدو مشترك لا ملامح له ولا مطالب له، فاقت قوته كل جيوش العالم مجتمعة بحيث حول مدنا كبيرة إلى مدن أشباح لا حياة فيها. فرض العزلة والإقامة الجبرية على الملايين من البشر ولم يفرق بين غني وفقير أو بين قوي وضعيف إن كان على مستوى البشر أو على  مستوى الدول. الكل انعزل وأغلق الأبواب على نفسه لمدة ربما تطول، لا أحد يتكهن بنهاية الجائجة الفعلية، فالأفراد لزموا بيوتهم إكراها وخوفا من عدوى الفيروس، والدول أغلقت حدودها لمنع دخول الفيروس إليها في البداية، وبعد ولوجه واستقراره، بدأ إحصاء الحالات المصابة يتصاعد يوما عن يوم، فكان لا بد من تسخير كل ما لديها من مقدرات اقتصادية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

 

منعطف جديد في العالم

مع تفشي فيروس كورونا وانتشاره في أوروبا وفي أمريكا معقل الرأسمالية، بدأ كل شيء ينهار ويكاد يعيد عقرب الساعة الى ما قبل زمن العولمة حيث كانت الدولة تتحكم في مجالها الترابي وتمارس سيادتها بشكل فعال وفعلي. مما لا شك فيه أن العولمة جعلت من الدول حارسة لشعوبها ورادعة للتجاوزات والمخالفات التي يرتكبها الأفراد داخلها، إلى جانب أنها قلصت من دورها الريادي في مجال الاقتصاد والتصنيع بحيث أصبحت جهازا لتنفيذ التوجيهات والقرارات الصادرة عن مراكز التحكم الدولي في مسار الاقتصاد العالمي. فهل يمكن للمجتمعات الديمقراطية أن تستعيد السيطرة على الرأسمالية وتتحكم أو تحد نسبيا من الآثار السلبية الناتجة عن التطور المستمر في آلياتها وأساليبها والذي زاد من هشاشة التفاوتات المجتمعية ونال بشكل تعسفي من القيم والحقوق الإنسانية؟

 

ولعل العولمة التي جعلت من دول العالم - خلال ثلاثين سنة - قرية صغيرة وتكاد تتشابه من حيث نمط العيش والتفكير وتلقي الخبر في نفس الوقت، تدخل الآن بسبب جائحة كورونا في منعطف جديد: إما أن تستمر وبشكل مختلف، وإما أن تختفي وتترك مكانها لنموذج جديد. فبقدر ما قربت العولمة افتراضيا بين البشر بفضل وسائل التواصل والتكنولوجيا الحديثة وألغت الحدود أمام مرور السلع والرساميل وكل ما هو مادي، بقدر ما أبعدت المسافات بين الشعوب وأغلقت الحدود في وجه الإنسان وزادت من فجوة الفوارق بين عالم متقدم يسعى بكل الوسائل إلى الاغتناء والاستحواذ على كل الثروات أينما كانت ولو باستعمال القوة وعالم أكثر فقرا ومغلوب على أمره ولا يملك قرار التحكم في تسيير شؤونه بشكل يتعارض مع التوجهات العالمية.

 

بتعبير آخر، يمكن القول أن انتشار فيروس كورونا قد أسهم بشكل كبير في التسريع بكشف الواقع الجديد على مستوى انكماش الاقتصاد العالمي أو على مستوى الاعتماد الذاتي للدول من خلال عودة الدولة الراعية لمصالح مواطنيها التي فضلت في زمن كورونا «العناية بالبشر بدل الاقتصاد»، مما انعكس إيجابيا على البيئة أيضا حيث في لحظة لم تكن بالحسبان ارتاح الفضاء البيئي من كل الأضرار الملوثة بفعل الصناعات الضخمة المحمية من طرف الدول القوية.

 

ظهور فيروس كورنا في الصين

عندما ظهر فيروس كورونا في الصين في شهر ديسمبر 2019، وانتشر أكثر خلال شهر يناير 2020. وقف العالم ينظر كيف تتعامل الصين مع تمدد هذا الوباء، وكان الاعتقاد أن الوضع الوبائي لن يطال مناطق بعيدة عن  حدود الصين. وقتها كثر الحديث حول أسباب نشأة هذا الفيروس وعن توقيته وعن ظهوره في الصين وتحديدا في مدينة ووهان وهي المركز الصناعي الذي تصدر منه  الصين أكثر من ثلثي صادراتها الى العالم. كما تم تداول أخبار عن بداية حرب بيولوجية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين بالرغم من استمرار الحرب الاقتصادية التي سبق أن أعلنها الرئيس الأمريكي ضد الشركات الصينية. ولكن المثير للجدل هو ترابط الاقتصاد العالمي بشكل إذا حدثت آزمة في الصين، فستؤثر بلا شك على باقي دول العالم وليس من مصلحة الولايات المتحدة الامريكية أن يتضرر الاقتصاد الصيني لأنه ببساطة مرتبط باقتصادها وبشركاتها العملاقة التي لا تستطع الاستغناء عن الصين بسبب تمركز إنتاجها هناك، أي ان الصين هي المصنع المزود لكبريات الشركات العالمية. إذن لن تستفيد أمريكا من أي أزمة تضرب الاقتصاد الصيني لأنها تتقاسم مع الصين نصف الناتج القومي العالمي ولن يكون اقتصادها بمعزل عنها لأنه سيتضرر أيضا.

 

فيروس كورونا يوحد العالم

لقد وحد فيروس كورونا جميع الدول حوله وأنساها كل الأولويات والروتينيات التي كانت تضعها في قمة اهتماماتها ولا شيء كان يمكن أن يلهيها أو يدفعها إلى إرجائها على الأقل إلى وقت آخر. كما قسم العالم وأقام جدرانا حدودية محكمة الإغلاق وأحكم الفصل بين مواطني الدول. نعم فيروس صغير غير مرئي يشل حركة العالم: لا طيران ولا سياحة ولا اقتصاد. كل الدول أغلقت حدودها وعادت إلى تبني سياساتها الوطنية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وكأن المسالة أصبحت مسالة حياة أو موت، في لحظة غاب السباق نحو استعراض القوة، وكأن الكل تساوى ولم تعد هناك دول قوية ودول ضعيفة. هكذا، في لحظة لم يخطط لها، ساوت كورونا بين جميع الدول التي اجتاحها الفيروس وأرغمتها على العزلة وإغلاق حدودها والاعتماد على نفسها لمواجهة انتشار الوباء.

 

عادت الدولة تقوم بدورها التقليدي الذي يتجلى في رعاية مواطنيها وخدمة مصالحهم. هذا الدور الفعال للدولة الذي اختفى -ولو نسبيا- في زمن العولمة، وترك مكانه للتكتلات الإقليمية، أي أن الدولة ككيان سياسي أصبحت تنفد السياسات الوطنية التي يتم تطبيقها من تلك التي تدار على مستوى أوسع -إقليمي أو دولي-. لكن في زمن كورونا، لم يستطع الاتحاد الأوربي -كتكتل سياسي- إدارة الأزمة الحالية وتقديم المساعدة إلى أو بين أعضائه. بل الأكثر من ذلك، تم إغلاق الحدود داخل الاتحاد الأوربي لدرجة لم تجد الدول التي اجتاحها الفيروس سندا اتحاديا من دعم ومساعدات مالية ووجدت نفسها وحيدة تتخبط في مواجهة الوباء (إيطاليا كمثال)، معتمدة فقط على نفسها وعلى المساعدات التي أتت من حيث لم تكن تنتظر: من الصين ومن روسيا ومن كوبا...

 

مستقبل الاتحاد الأوروبي بعد جائحة كورونا

لن يخرج الاتحاد الأوروبي سالما من هذه الأزمة، أو لنقل إن لم يتفكك لن يظل متماسكا إذا لم يكن هناك تدارك في معالجة مواطن الخلل التي شابت المنظومة الاوربية لاسيما في إدارة الازمات المفاجئة والتي كشف عنها بوضوح فيروس كورونا. ليس فقط الاتحاد الأوروبي المهدد بالانهيار نتيجة عدم القدرة على تدبير هذه الأزمة الوبائية -إذا لم تكن مفتعلة، وإنما أيضا النظام العالمي ككل الذي قد ينهار وتتحول بوصلة قيادته من الغرب إلى الشرق. ربما ينتهي زمن العولمة وتستعيد الدولة مكانتها كراعية لمصالح مواطنيها ومعتمدة على نفسها في تدبير أمورها الداخلية وهذا لا يتم إلا بإعادة النظر في السياسات الوطنية الداعمة للصناعات المحلية. يمكن القول أن الازمة الحالية هي ازمة الاكتفاء الذاتي بعد إغلاق الدول لحدودها وتوجيه كل مقدراتها الوطنية لمواجهة الوباء. هذا الوضع ليس مؤشرا جيدا لأن التجارب السابقة بينت أن الانغلاق آو السياسات الوطنية التي تلجأ إلى اعتمادها الدول لمواجهة أزمة ما، تترك آثارا جد سلبية قد تؤدي إلى انكماش اقتصادي أو إلى أزمة مالية عالمية أو إلى حروب ثنائية أو متعددة الأطراف.

 

مما لا شك فيه، أن الرأسمالية -في سعيها الدائم إلى الاغتناء والربح بلا حدود- تجدد نفسها وآلياتها من خلال مضاعفة التحكم والمراقبة والنفاد أكثر إلى أعماق المجتمعات الإنسانية لتجعل من هذه الأخيرة -رغم بعد المسافات واختلاف الثقافات- كائنا موحدا يفكر بنفس الطريقة ويستهلك نفس المنتجات ويتعامل مع نفس الوحدات التجارية. وقد أبانت الأزمة الحالية -حسب إدغار موران-  الكثير من نواقص العولمة التي أهملت التضامن والتقارب بين الشعوب واهتمت أساسا بالاعتماد المتبادل أي بكل ما له صلة بالاقتصاد والتكنولوجيا. فقد انشغل العالم -مند بداية تسعينيات القرن الماضي- بالنزاعات المسلحة والتجاذبات التنافسية داخل نفس القطب للظفر بأكبر حصة ممكنة من الربح والاغتناء والهيمنة، وأهمل القضايا الأساسية مثل حماية البيئة والمخاطر المترتبة عن انتشار الأسلحة النووية والاقتصاد غير المنظم وغير المتكافئ. مما سيجعل من الآتي أكثر شراسة في غياب التضامن البشري. أما نعوم تشومسكي، في تحليله لوضع المجتمع الأمريكي بعد تفشي فيروس كورونا فيه بشكل لم يكن متوقعا، فقد أرجع فشل المنظومة الصحية إلى السياسات الليبرالية الجديدة التي تستثني من أولوية اهتماماتها الجوانب الإنسانية، وتدعم اقتصاد السوق وتحقيق الربح والزيادة في الرأسمال.

 

وحسب آلان توران، سيتسبب الوباء في انهيار المجتمعات الصناعية وفي الانتقال إلى عالم لا معنى له ولم يتم الاعداد له أو التفكير له مسبقا. يوجد العالم الآن بين منزلتين، أي بين أمريكا التي تحاول أن تظل مهيمنة والصين -بالرغم من تناقضاتها- التي تريد تدبير العالم الرأسمالي بشمولية. أما هنري كيسنجر فيرى أن الاعتقاد الدي ساد طويلا حول قوة مؤسسات الدولة في التصدي القبلي للكوارث ومواجهة كل ما ينتج عنها من آثار واستعادة الاستقرار في ظرف قياسي، بدأ يتراجع في زمن هيمنة كورونا، تاركا مكانه لانطباع أن هذه المؤسسات قد فشلت. إذن يجتاز العالم حاليا مرحلة جديدة غير مسبوقة ستسفر عن وضع جديد مختلف عن سابقه.

 

مجمل القول هناك حقيقة واحدة يكاد الكل يتفق عليها وهي أن العالم بعد نهاية جائحة كورونا سيتغير ولن يكون كما كان. زد على ذلك ربما ستستفيد أمريكا -مرة أخرى- بعد الخروج من هذه الأزمة الوبائية لتعود أقوى وتحاسب الصين ومنظمة الصحة العالمية على الخسائر الفادحة التي منيت بها جراء عدم السيطرة على فيروس كورونا من البداية. ربما تنقلب موازين القوة في عالم متغير والتي ظلت زمنا محتكرة بيد الغرب، وتنتقل إلى الشرق الاسيوي وتحديدا الصين، فهل سيكون هذا التحول لصالح شعوب العالم من خلال إعادة توازن القوى في العلاقات الدولية والاهتمام بالقضايا الإنسانية والبيئية وكذا العمل على استعادة الدولة لدورها المتمثل في رعاية مواطنيها وحماية ما هو وطني وداخل حدودها.

 

- عائشة واسمين، أستاذة القانون الدولي بجامعة محمد الخامس الرباط