الثلاثاء 11 مايو 2021
كورونا

عالم الأنثربولوجيا حسن رشيق: كيف تغير جائحة كورونا نمط الحياة وعادات المغاربة؟

عالم الأنثربولوجيا حسن رشيق: كيف تغير جائحة كورونا نمط الحياة وعادات المغاربة؟ حسن رشيق
في هذا الحوار، يجيب حسن رشيق، عالم الأنثروبولوجيا، عن سؤال تداعيات فيروس كورونا على الحياة اليومية للمغاربة، وكيف تفاعل المتدينون المغاربة معه؟ وهل تتوافق الإجراءات الصحية، التي دعت إليها منظمة الصحة العالمية مع الثقافة الشعبية المغربية؟ 
 
الأستاذ حسن رشيق، كأنثربولوجي وعالم في هذا المجال. كيف يقرأ حسن رشيق هذا الوباء؟ أو دعني أسأل بطريقة أخرى، ما هي الأسئلة الأساسية التي تشغل الأنثربولوجيين عند دراستهم لوباء ما؟
لا أعتقد أن هناك أسئلة أساسية مشتركة بين الأنثروبولوجيين الذين يدرسون الأوبئة. في الغالب، ينطلق الأنثروبولوجي من تجاربه، من ما يعرفه، من أسئلته التي يمكن أن تطال تمثلاث الوباء، تأثيراته على الحياة الاجتماعية والحياة اليومية للناس، أنماط التفكير (ديني، تقليدي، وضعي، عقلاني، لاعقلاني). يمكن أن يكون المعنيون بالدراسة ناس عاديون، سياسيون، أطباء.
قبل أن أعبر عن أفكاري حول الوباء الذي يحاصرنا، أود أن أوضح أن هذه الأفكار مؤقتة وجزئية. أنا أعبر عنها هنا كمواطن يتابع (ولا يلاحظ بالمعنى الأنثروبولوجي) ما يحدث، منتبه لما يحيط به بحساسية وتجربة أنثروبولوجي. والمقابلة الصحفية اطار يناسب هذا النوع من التعبير المباشر والمتردد والمفتقر لتباعد تاريخي واجتماعي.
لنأخذ الحياة اليومية للناس بما في ذلك حياتي اليومية. تحدد الأدوار الاجتماعية عادةً التوقعات الاجتماعية للناس. ويُفهم الدور الاجتماعي على أنه نظام من التوقعات والحقوق والالتزامات. إنه يشير إلى ما نتوقعه من الآخرين وما يتوقعه الآخرون منا بصفة عادية. إنه يساعدنا على عدم طرح أسئلة على أنفسنا طوال الوقت لمعرفة كيف نتصرف.
وترتبط بعض الأدوار نسبيًا بالعلاقات المنتظمة (الأم، الأب، المعلم، الطالب)، والبعض الآخر بالعلاقات العابرة (سائق التاكسي، الزبون). إنها مرتبطة بمفاهيم مختلفة، تقليدية، حديثة، ليبرالية، استبدادية. باختصار، في الأوقات العادية، نعرف مقدماً التوقعات والمعايير ونحاول احترامها. بدونها، ستكون الحياة سلسلة من سوء التفاهم.
في أوقات الأزمات والتغيير المفاجئ، كما هو الحال حاليًا، هناك قطيعة مع عديد من التوقعات المعتادة، قطيعة تتقوى مع تفاقم الأزمة الصحية. بعد تفشي الوباء، تنقلب حياتنا اليومية رأساً على عقب، ويتم وضع قواعد جديدة. هناك مرحلة انتقالية يجب أن تؤخذ في الاعتبار. مرحلة مليئة بالتردد وسوء الفهم وحتى رفض هذه القواعد الجديدة، أو على الأقل التحايل عليها.
كانت هناك مرحلة (عشرة أيام منذ بداية مارس) تردد خلالها الناس: مصافحة أم لا، عناق أم لا؟ أتذكر في اجتماع عمل كيف أن زميلة قاطنة خارج البلد لم تصافحنا كما اعتدنا، واكتفت بابتسامة معبرة عن حرجها. كما اقترح زميل شاب مقارعة مرفقينا اليمنى. مصافحة مستجدة ومحتِرمة في نفس الآن لتفضيل اليمين! زميل آخر مد يده لي، وآخر عانقني قائلاً: "أنا مغربى". بالطبع تلاشت لحظة التردد هذه بعد أسبوع حيث طلب من الجميع تطبيق قاعدتي عدم المصافحة وعدم الاختلاط أو التباعد الاجتماعي. كان يجب أن تقال وتكتب وتكرر بشكل صريح لتجنب كل سوء تفاهم.
ما يصعب على الناس اجتماعيا هو تعليق القواعد المعتادة، التي كانت حتى حين معالم اجتماعية. ما لا يطاق هو تعليق اللحظات التي تضبط إيقاع حياتهم، دراسة، عمل، مسجد، مقهى، زيارة الأقارب والأصدقاء، تمارين بدنية، مشاهدة مباراة كرة قدم... لم تعد الجمعة يوم جمعة، و لا الأحد يوم أحد، ولم يعد أي معنى لـ "عطلة نهاية أسبوع سعيدة". لم يعد للزمن إيقاع، الأيام ُتتداول بدون رأس ولا عقب بالنسبة لغالب الناس.
أن لا تفعل صعب ولكنه أسهل. الأصعب هو تبني معتقدات وسلوكات جديدة في وقت وجير. نحن نعلم أن المعتقدات تستغرق وقتًا كي تقبل وتعمم وتختفي. وفي هذا الصدد، يجب القول إن التدابير المتخذة من طرف الدولة والتي هزت المعتاد، كانت تدريجية ولو أنها تمت في ظرف جد وجيز: تعليق الدراسة، مباريات بدون جمهور، حظر الاجتماعات، التي تتجاوز 50 شخصًا، تعليق التظاهرات الرياضية والثقافية، تعليق الصلاة في المساجد، تقييد الحركة، الحجر الصحي، تعليق المواصلات بين المدن.
تجدر الإشارة إلى أن القطائع لا تنفي قطعا الاستمرارية، وإلا فإن المجتمع سينهار. يمكننا أن نقول أن بعض القيم اكتسبت زخماً: التضامن الذي لوحظ على عدة مستويات. لا نخفي ايضا أنانية بعض من أرادوا شراء أوتخزين أكبر قدر ممكن من البضائع.
 
كيف أثرت جائحة كورونا على علاقة المغاربة مع الدولة وعلى الثقافة السياسية السائدة في المملكة؟
السؤال الذي يجب طرحه هو كيفية التواصل مع الناس لتأسيس معايير جديدة ومؤقتة في أسرع وقت ممكن وبفعالية: غسل اليدين بالصابون بشكل متكرر ، والتباعد الاجتماعي في بلد طرف كبير من آداب سلوكه وتحياته يمر عبر اليدين والخدين والعناق. تبرز محتويات قنوات التواصل أن المعايير الجديدة لا تستمد شرعيتها من أقدميتها ولكن من أساسها البراغماتي. يجب ان نركز على هاته الخاصية لأننا نعرف أنه تاريخيا، كان الرمزي، المستوحى من المعتقدات الدينية أو من العادات، يسود على البراغماتي في مقاومة الأوبئة والنكبات بصفة عامة.
لقد تغيرت بعض أوجه الثقافة السياسية أيضًا. تتطلب التعبئة الجماعية الآن الثقة في الدولة، التي كانت تفتقر إليها في بعض النواحي. في وقت الأزمة، سيكون انعدام الثقة بالدولة ومؤسساتها سلبياً.
المستشفيات التي عانت من انعدام الثقة تقع الآن على الخط الأمامي. وقد وجه لهم السكان تحايا جماعية عدة مرات. هذا يدل على أن الثقة هي موقف قائم أيضًا على اعتبارات واقعية وبراغماتية. الدولة وأجهزتها في قلب الساحة، مرئية في الشوارع، في وسائل الإعلام. إن الدولة في قلب الحدث كفاعل اجتماعي أولاً. بشكل عام تم الحصول على الانخراط الجماعي لتعليمات الدولة. من النادر في تاريخ أمة، أن تُترجم الأعمال الفردية والجماعية إلى أفعال جماعية على نطاق بلد بأكمله.
ومن النادر أن تكون المصلحة المشتركة ذات معنى ملموس وقابل للتحقيق على الرغم من كل الاكراهات. آمل أن نستخلص الكثير من العبر ونتعلم الكثير من الدروس من هذه الأزمة.
منذ سنوات دعوت الاثنوغرافي المحلي المغربي بضرورة الاهتمام بأحوال المدن بدل التركيز فحسب على دراسة القبيلة أو الطقوس التي وصفتها ليلى أبي لغد بـ "المفاهيم التقليدية الحارسة".
 
مع قدوم هذا الوباء، هل الباحث المغربي مؤهل على صعيد أدواته للتعامل وتفسير ردة المجتمع حياله؟ أم تكون فرصة مناسبة للخروج من موضوعاته التقليدية؟
بعد الإدلاء بهذه الملاحظات، يجب أن أقول إن بعض جوانب الوباء هي موضوع ما يسمى بالأنثروبولوجيا التقليدية التي لا ينبغي رفضها مبدئيا، خاصة تلك المتعلقة بتمثلاث الامراض وتفسير المصائب. في هذا الصدد، يعد عمل إيفانز بريتشارد حول السحر مثالا كلاسيكياً. أعني أنه يمكننا العمل على مواضيع جديدة في مجالات حضرية ونقوم بتعبئة مقتربات "تقليدية": دراسة التضامن في مدينة ما لكن في مجال يسمح بوصف اثنوغرافي كالحي أو الحارة ، كمثال دراسة حفلة تنكرية في لندن (ألبرت كوهين).
ويمكن أيضًا القيام بدراسة إثنوغرافيا لبرلمان (مارك ابليس)، الاستعمالات الرمزية للحزب الشيوعي الإيطالي (داڢيد كيرتزير)، تمثلات جنون البقر في سويسرا (منذر كيلاني).
من جهتي، درست القومية مع التركيز على الطريقة التي تم بها ترميز الأمة (عيد العرش، الزي الوطني). أعني ، من خلال هذه الأمثلة، أن الفواصل أو القطائع، بين الجديد والقديم، في تاريخ علم ما ليست مطلقة.
 
لا تزال هناك اكراهات تتعلق بحجم و بنية جماعة الأنثروبولوجيين. كيف لنا أن نقرر أجندة الموضوعات التي سيتم علاجها و نحن قلة بالرغم من التقدم الحاصل في العقدين الأخيرين؟
لكنك على حق: في جوانب أخرى ، يمكن أن تكون دراسة الوباء فرصة لتنويع مواضيع دراستنا وطرق أبحاثنا الميدانية. لقد ناقشت هذا بالفعل مع زملاء. أخطط لبدء دراسة جماعية مواكبة لهذه الأزمة. تكمن الصعوبة الكبرى في كيفية وصف موضوع يهم الجميع و يتحدث فيه الجميع: السياسيون، الأطباء، وسائل الإعلام، وسائل التواصل الاجتماعي. إنها واقعة غير مسبوقة. ربما علينا أنا نفكر في إثنوغرافيا متشظية تلائم تشظي الموضوع نفسه.
شاركت مع عدد من الباحثين الأوروبيين والمغاربة في كتاب حول الشباب في الشرق الأوسط وشمال افريقيا، صدر عن مؤسسة فريدريش ايبرت الألمانية سنة 2017. من بين الخلاصات التي نشرت في التقرير يومها أن 74% من الشباب المتدين متفائلون، في حين أن درجة التشاؤم أكبر في أوساط الأشخاص ذوي التدين المتدني.
 
كيف يقرأ المغاربة اليوم فيروس كورونا وتداعياته من منظور ديني؟ هل يبدو خطاب المتدينين في المغرب أكثر تفاؤلاً أو قدرة على التأقلم مع تداعياته؟
سأضع السؤال في إطار أوسع يتعلق بأنماط التفكير وتفسير المصائب التي ذكرتها للتو. هناك تفسيرات ترد مصائب معينة، سواء كانت فردية أو جماعية، لأسباب خارجة عن المجتمع. أترك جانبا هنا الأمراض المنسوبة إلى الجن. فيما يتعلق بالمصائب المنسوبة إلى الله، لدينا نوعان:
في الحالة الأولى، البشر متدينون، ورعون، وما يصيبهم ليس سوى ابتلاء لهم كمؤمنين. في الحالة المعاكسة، البشر مسؤولون عن سلوكهم المنحرف، الذي يفسر النكبات، التي تصيبهم.
لقد استمعنا إلى هذا النوع من التفسير المدعوم من بعض العلماء (بالمعنى الديني)، هنا في المغرب، عندما ضربت كارثة تسونامي الدول الآسيوية المتهمين بالانحراف الجنسي والولع الجنسي بالأطفال إلخ. حاليًا، حسب علمي، هذا النوع من التفسير غير موجود تقريبًا: مقطع فيديو يظهر رجالًا يرتدون زي نساء يغنون ويرقصون مصحوبًا بتعليق يتهمهم بأنهم سبب الوباء.
يبدو أن النمط السائد للتفكير، على الأقل في المجال العام، هو التفسير التجريبي للوباء ووسائل الوقاية منه: العدوى، النظافة والتباعد الاجتماعي والحجر الصحي. ويمكن أن يتعايش نمط التفكير هذا مع نمط تفكير ديني غير حصري: هناك من حث المسلمين بالاستغفار كي يرفع الله هذا البلاء، وهناك من دعا بعض الواعظين القيام بأدعية داخل منازلهم ودون إهمال الاحتياطات الصحية التي توصي بها الدول.
 
كما لاحظنا في الأيام الأخيرة كان هناك نقاش واسع حول وجوب وقف الصلاة في الجوامع من عدمه؟ ما رأيك بمن يقول بأن هذه الحادثة كشفت أن المغاربة باتوا أكثر دنيوية؟ أم أن هذه المرونة حيال الطقوس وأدائها تعكس ما فسره رشيد اوعيسى في الكتاب السابق (مأزق الشباب في الشرق الأوسط وشمال افريقيا) بكون الدين بات مسألة أكثر شخصية من السابق، وربما لذلك لا نرى ردات فعل سلبية واسعة تجاه اغلاق الجوامع؟
 لا أستطيع الإجابة عن سؤال حول السلوك الحالي للمغاربة. كل ما يمكنني قوله هو أن قرار تعليق الأنشطة التعليمية والرياضية والثقافية هي من اختصاص الوزارات المعنية.
أما تعليق الصلاة في المساجد فهو من اختصاص الملك بصفته أمير المؤمنين. وقد طلب الملك محمد السادس، في هذا الصدد، من المجلس الأعلى للعلماء إصدار فتوى. وقد بررت هذه الفتوى تعليق الصلاة في المساجد بـ "الضرر الفادح الناجم عن الوباء". وهذا يتماشى مع مبادىء ومقاصد معروفة عند الفقهاء مثل الحفاظ على الابدان. هنا أيضا يسود البعد البراغماتي، الذي يضع مصلحة المجتمع فوق أي اعتبار.
 
في عام 1995 وبعد انتشار وباء ايبولا في وسط افريقيا الغربية، دعا بعض الأنثربولوجيين منظمة الصحة العالمية الى وضع الثقافة المحلية بالحسبان أثناء التعامل مع الأوبئة؟ برأيك، هل الإجراءات المتبعة من قبل وزارة الصحة المغربية قادرة على الاستفادة من الثقافة والمعتقدات المحلية المغربية (الوضوء مثلا/ أو الخطاب الديني عموماً) لتوظيفها في خطتها الوقائية؟ أم انها تتعامل مع الموضوع بأسلوب سريري؟
من الأفضل التواصل مع الناس واختيار الوسائل الأكثر فعالية انطلاقاً من ثقافتهم. كان من الممكن قراءة اللطيف (الأدعية/ المحاور) في المساجد لو سمح السياق. وقد لجأ إليها الوطنيون الشباب بعد إصدار الحماية الفرنسية لما سمى الظهير البربري (قوانين تخص تنظيم حياة البربر/ المحاور) عام 1930. في حالة الجفاف، يتم الاحتفال بطقوس محلية لجلب المطر. دعت الدولة مراراً إلى صلاة الاستسقاء الجماعية. والمعروف أن معظم الطقوس التي تروم غاية مادية مباشرة وصريحة لها أبعاد اجتماعية ونفسية كتعزيز التماسك الاجتماعي والحد من قلق الناس.
ولكن توظيف التراث الثقافي لا يجب أن يكون مقدسا، ففي بعض الأحيان هناك معتقدات لها آثار ضارة بشكل واضح. في وقت تفشي وباء الإيبولا، رفضت قرى في غينيا أمر الأطباء والكهنة بالتخلي عن طقوسهم الجنائزية التي تتمثل في تقبيل المتوفى وتناول الطعام بجانبه. في وقت سابق، طلب البابا غريغوري تنظيم موكب ديني لوقف الطاعون. في المغرب، قبل أيام، كانت محاولات نادرة لمظاهرات جماعية قام فيها المشاركون بتلاوة التكبير أو أدعية، مهملين مبدأ عدم الاختلاط. وقد تم حظرها فوراُ من قبل السلطات المحلية. لا أدري إن كانت هناك حالات مماثلة.
 
ربما فيروس كورونا هو شاغل هذا العالم، ولكن دعني أسألك عن ما قبل كورونا، ما الذي كان يشغل بال الباحث حسن رشيق على صعيد الميدان البحثي؟
أنا عضو في اللجنة الخاصة لأعداد النموذج التنموي (ديسمبر 2019/ نهاية يونيو 2020). حاليا، هدفي هو المساهمة بفعالية في عمل هذه اللجنة. لهذا الغرض، قد علقت العديد من مشاريعي.
لكنني أود ذكر اثنين هما الأقرب من الإنجاز: دراسة على المدى الطويل حول أدلجة الإسلام (منذ منتصف القرن التاسع عشر)، وإعداد كتاب موجه بالخصوص للطلبة والباحثين الشباب حول الكتابة في العلوم الاجتماعية والبحث الميداني.
أختتم بالقول إنني حزين لما يحدث لبلدي وللعالم، لكنني ما زلت واثقًا ومتفائلًا بشأن المستقبل.
 
عن موقع: قنطرة