السبت 30 مايو 2020
كتاب الرأي

عبد الغني السلماني : كورونا في أمسياته التائهة !

عبد الغني السلماني : كورونا في أمسياته التائهة ! عبد الغني السلماني
العالم يوميا يموت، ثم يحيى ويموت ....
كورونا يقتل ثم ينام ، يقتل ثم ينتظر . الأطباء في الصفوف الأمامية لإنقاذ الجثث والأرواح التي لا تريد الذهاب .
الكرة الأرضية مرشحة للهلاك، لا وقت ولا مكان لأخذ طائرة خاصة والفرار بعيدا للاستشفاء.
هنا المصير مشترك . لابد من الاحتياط والاحتراز والحجر بكل أشكاله .
الشوارع تتعرى من المارة، والطيور تعود لأغصانها وأوكارها سالمة، حتى الحيوانات تحررت من ملاحقة البشر في مدخل الغابة القريبة من المدينة .
الناس يتدحرجون في أعصابهم ومشاعرهم الداخلية ، خوفا من فقدان حبيب أو نقل العدوى الفيروس إِسْتَوْطَنَ ويريد الإقامة ، ولا أحد يعرف النهاية ...
الشوارع تتعرى من العشاق وتنزع من ألفتها مرايا الفَقْدِ..
شوارع أصبحت عاشقة للعربات و ضجيج الناس ، المطاعم اشتاقت لروادها ، المسارح والسينما امتنعت عن الركد والركح ...
سمفونية القيامة؛ يوم لا أحد تنفعه حِيلته أو حبيبته التي تأويه. سوى عظمة العلم وصبر الأطباء وعنايتهم ، وصِدْقِيَة الدعاء من أجل رفع الجائحة .
الكارثة تهدد الجميع ... والمسافة أصبحت ضرورية لكي نحس بالعالم و المرضى والمهددين في البؤر العائلية ..
الإحساس يتعمق ولم يعد قابلا للصياغة والتأمل من جديد ... الأسئلة ليست بسيطة كي نجيب عن قَدَر لا نعرف مستقبله، فلنترك المشهد ونتخيل الصورة التي ينتهي إليها العالم بعد الجائحة.
الجائحة علمتنا درسا أن الكائن هش، وأن الحضارة الإنسانية، هُزّت أوصالها، وصُدم وجدانها الأخلاقي والسياسي والقيمي.
إنها فرصة الكائن كي يفتح منافذ جديدة للوعي المتعدد الأبعاد الأعمق في مختلف مجالات الفكر والسياسة والفلسفة والاقتصاد .
جاء "كورونا"، ليهزّ العديد من المسلمات المعرفية الجديدة والأساطير الفكرية الموروثة ، فأيقظ الإنسانية من غفوتها العنيفة الضاربة في الاستسلام للطمأنينة الحضارية القاسية..
جاءت صدمة "كورونا "، لتسقط الطروحات الأسطورية لنزعة ما بعد الحداثة التي ترى في عالم الإنسان المستقبلي قادر على ترويض الفضاء والمكان بكل الصيغ بما فيها الخيال العلمي..
لم تعد سيطرة الإنسان الحافل بالمعجزات الحضارية والمدهشات التكنولوجية والثورة الرقمية المعاصرة .
قادرة على فهم "فيروس "ينهش ببطء الجهاز التنفسي في زمن تطور الجراحة وتفكيك الجسم و أعضائه إلى قطع غيار بشكل مدهش.
"كورونا" شكل صدمة أيقظت الإنسان من غفلته الوثوقية وانتصاره المغشوش على الطبيعة والبسطاء والضعفاء فوق الأرض.
ذكر الجميع بالقاعدة البسيطة في الوجود، "كلما تعلمنا شيئا إلا اكتشفنا عظمة الجهل القابع في نفوسنا".
نعم، الكائن البشري عاجز أن يحدد مصيره المستقبلي الغامض.
"كورونا" صعق رجال الدين وهزّ قداستهم، لم تستطع سلطة البابا أن تخفف من مأساة روما .. ولا المؤسسات الدينية الأخرى قادرة على تجاوز رمزيتها المطلقة ،
"كورونا" فضح رجال السياسة والأحزاب، فاقتحم مخادعهم وهزّ أسوار حصانتهم الواهمة ، هناك من ابتلى بوبائه وذاق عذابه.... إنها الكارثة الديمقراطية التي لا تميز من الناس.
"كورونا" صدم رجال المال والأعمال، وكم من شركات اقتصادية عبر عالمية في طريقها إلى الإفلاس، وميزانيات الدول في سبيلها إلى الانهيار، وما قد يأتي أو لا يأتي ، قد يكون أشد وقعا وأعظم هولا على الناس والتاريخ .
في زمن "كورونا" لم ينفع الأغنياء مالهم وجاههم، ولا الساسة حنكتهم و مناوراتهم، ولا الجيوش قوتهم وخططهم، وما زال العلم - وهو الأمل الوحيد المتبقي - القادر على مواجهة هذا الرعب الكبير، لوضع نهاية لمصير فيروس قاهر متناهي الصغر لا يُرى بالعين المجردة.
"كورونا" يثير اليوم جدلا كبير ، يستفز العقل والمختبرات، ولم يعد للعامة سوى الإلتجاء إلى السماء لأنها مجبرة على ذلك ...يستدعي قضايا الفكر في العديد من المجالات والميادين: في الأدب والفن والفلسفة والموسيقى وعلم الاجتماع والدين المقارن ...
"كورونا" أعاد للإنسان وضعه الطبيعي بعدما صدم وعيه الثقافي من جديد، جعله يفكر في وزن مكانته المزعومة في هذا الكون بوصفه مركز الثقل. وأنه قادر على بناء الحضارة والقوة والمجد. لابد من سؤال أن وراء كل قوة؛ قوة أخرى أكبر منها ! .
السؤال الوجودي الذي يستفزنا الآن . كم هو عدد الجائحات التي تنتظر الإنسانية في مستقبلها القريب والبعيد؟ وكم هي عدد الفايروسات الخفية والساكنة في تضاريس الزمن القاسي حيث لم تستيقظ بعد؟؟
إنها الأسئلة العنيدة التي تجعلنا نفكر في الإنسان وقيمه وتفضيله على سائر المخلوقات ...
السؤال المحير هل يستيقظ الضمير العالمي من هذا الدرس العظيم؟ كيف سيكون المستقبل بعدما أصبحت الحضارة الإنسانية قاسية على التراكم والتأثير؟ كيف ستستمر مركزية الإنسان في هذا الزمن الرهيب مع تنامي و تكاثف الأزمات الاقتصادية وتضافرها مع اندلاع الحروب المدمرة والقاتلة ، وزيادة وتيرة التطرف والتعصب والكراهية والحقد . بالإضافة إلى تفاقم أزمات البيئة، وتعاظم التلوث والفساد بكل أشكاله على المجتمعات الإنسانية، الوقاية الوحيدة هي العودة إلى الذات، كي ينتصر الإنسان على القبح والظلم بالحب والقيم .
ورغم ذلك أملنا في العلم والعلماء كبير، وأن حتمية العلم واجتهاد الإنسان لا محالة ستجد الدواء لهذه الجائحة عاجلا أم آجلا، وأن الأمل والصمود والإيمان هو من ينقذ الإنسانية من هذا المصير المخيف.
                                                                      عبد الغني السلماني، كاتب وباحث