الأربعاء 27 مايو 2020
كورونا

اليوسفية : هذه هي قصة الرضيعة التي انتشلتها قائدة من بين أنياب الضياع في زمن كورونا

اليوسفية : هذه هي قصة الرضيعة التي انتشلتها قائدة من بين أنياب الضياع في زمن كورونا قائدة الملحقة الإدارية الثالثة(وسطا) تلج عبر السرداب الحجري لانتشال الرضيعة من غرفة التعذيب

ارتفاع منسوب رنين الهاتف في زمن كورونا يجعلك تضع يدك على قلبك قبل الاستجابة للنداء، خصوصا إن كان الرقم المتصل مجهولا ولا يوجد ضمن قائمة الأصدقاء، في انتظار أن تطمئنك مكالمة هاتفية من الجهة الأخرى عن سير حالة الطوارئ الصحية بسلاسة وانضباط، أو تتوصل بنبأ أو حدث جدير بالمتابعة ونقله في صيغة خبر صحفي .

في هذا السياق توصلت جريدة "أنفاس بريس" بمكالمة هاتفية ليلة الخميس 26 مارس 2020 ، من أحد فعاليات المجتمع المدني والذي يتابع مجريات تطبيق حالة الطوارئ الصحية عن كثب، ويتحرك بحس وطني و بشكل تطوعي لتحسيس الساكنة بالملحقة الإدارية الثالثة بمدينة اليوسفية بأهمية المكوث في المنازل وعدم منح الفرصة للجائحة للانتشار ومحاصرة الفيروس فضلا عن تقديم الدعم لمن يستحقه دون بهرجة.

لم يكتفي المتصل بسرد وقائع فاجعة القصة المبكية موضوع الحادث، والتي تعكس واقع حال مجتمع متفكك وهش، زاده تهور الحاكمين بقراراتهم العشوائية قساوة، بل أنه أرسل صورا عبر تطبيق منصة الواتساب، ضاجة بالألم والمعاناة النفسية لأم تعاني انهيار عصبيا وذهنيا ونفسيا، وطفلة بالكاد تبلغ 8 أشهر من عمرها وجدت نفسها بدون أب شرعي يحميها عذر الزمان، وبعيدة عن حنو امرأة يعلم الله وحدها من هي ومتى حبلت بها، ومن عمل فيها ذلك، وكيف وجدت نفسها مرمية بين جدران غرفة شبيهة بغرف سجون النازية.

هي قصة اجتماعية مؤلمة أبكت القلوب الدامية بمدينة اليوسفية، التي تتحرك ميدانيا في هذه الفترة العصيبة، قد تكون عشرات القصص الواقعية مثلها مشابهة لها ولا نعلم بزمانها ومكانها وشخوصها الذين يعانون في صمت جراء التفاعل الاجتماعي و النفسي مع من يعيش حياتها بقساوة في زمن الفردانية وانهيار قيم التكافل والتضامن بفعل ما تلقيناه من ضربات موجعة في زمن الردة والتفاهة.

يحكي ذات الفاعل الجمعوي أن بطلة القصة بامتياز، هي قائدة الملحقة الثالثة بمدينة اليوسفية، على اعتبار أنها هي من يرجع لها الفضل في انتشال وإنقاذ حياة طفلة بريئة شاء القدر أن تسقط سهوا من رحم أم ليست كالأمهات اللواتي صغن بقلوبهن المرهفة كناش تحملات الإنجاب بمسؤولية أمام المجتمع بشراكة مع رفيق الحياة.

وأكد نفس المتحدث للجريدة قائلا: " أنه لا يمكن أن أصف لكم الحالة المزرية والصعبة التي وجدت فيها الطفلة الرضيعة ذات ثمانية أشهر بالكاد، وأمها البئيسة في غرفة لا تتوفر على أبسط شروط الحياة، وضعيتهما مؤلمة و تنتفي فيها شروط الكرامة الإنسانية... أوساخ عالقة في كل شيء، و روائح كريهة تحبس الأنفاس، نفايات مرمية هنا وهناك، وأسمال بالية لا تليق بجسد الطفلة والأم، تحس بالغثيان وأنت تلج مدخل سرداب حجري مؤدي لغرفة مظلمة ترفض الإقامة فيها حتى الحيوانات الأليفة فما بالك بالإنسان.

هكذا تحدث الفاعل الجمعوي، وهو يحكي للجريدة عن مأساة أم وطفلة بريئة وجدت نفسها في الجحيم.

وأضاف موضحا بأنه لأول مرة في حياته يجد نفس منهارا أمام مشهد مؤلم، "لحظة إنسانية واجتماعية لم أعشها في حياتي، أحسست فيها في حاجة للبكاء والمرارة تعصر قلبي، الذي تألم وتحسر بوجع إزاء وضعية هامشية تحتاج منا جميعا كمجتمع مدني ومؤسسات منتخبة أن نستنفر كل مجهوداتنا لرتق هذه الثقوب الاجتماعية .

استرسل بحرقة في رسم هذه المشاهد مؤكدا على أن قائدة الملحقة الإدارية الثالثة قد قامت يما يمليه عليها ضميرها المهني حيث سارعت الزمن للقيام بواجبها المهني والإداري والقانوني وكانت أول خطوة إجرائية قامت بها في زمن كورونا، ونجحت فيها هي أن تتسلم الطفلة بأسرع وقت ممكن من أمها التي تعاني من انهيار نفسي دون اعتراض أو مقاومة، لأن الرضيعة قد تكون فعلا تعاني من القهر وتبحث عن حنان صدر يضمها إليه، وثدي سخي يرضعها حليبا نقيا ، ولم لا إخضاعها لفحوصات عادية للتأكد من عدم تعرضها لاعتداء من أمها المنهارة نفسيا و المغلوبة على أمرها.

بسرعة تم نقل الرضيعة إلى مؤسسة الرعاية الاجتماعية المتخصصة في تربية واحتضان الأطفال في حالة صعبة بمدينة اليوسفية تابع ترابيا للملحقة الإدارية الثالثة، وتم استقبالها كنزيلة فوق العادة بالترحيب والاحتضان، مع توفير مستلزمات الحياة، و ما يمكن أن يستر جسدها المنهك والضعيف، والذي رسمت على أطرافه بقع وكدمات ذات لون أخضر تشي بأنها تعرضت للتعنيف والضرب رغم حداثة سنها.

الصور التي توصلت بها جريدة "أنفاس بريس" في ذلك اليوم من طرف الفاعل الجمعوي الذي تتبع عملية الإنقاذ والحضانة، كانت مشاهدها قاسية ومؤملة جدا حد الغثيان، لا يمكن أن نستسيغها كبشر، ولا يمكن إلا أن تهز مشاعرنا وأحاسيسنا كمواطنين في زمن كورونا.

الطفلة الرضيعة المعنفة وضعت بين أياد من المفروض أن تكون أمينة ومؤمنة بدورها الإنساني والاجتماعي وفق أهداف مؤسسة الرعاية الاجتماعية، وتستنفر كل طاقاتها من أجل إرجاع البسمة لضحية زواج أفضى إلى حمل وولادة، ونتج عنه قصة مؤلمة.

علمت الجريدة، أن الإجراءات والمساطر الإدارية والقانونية مازالت في طريقها للتنفيذ ارتباطا بحقوق الطفلة الرضيعة التي تنتظر من يخرجها من مسلسل معاناتها و قساوة ظروف حياتها مع أمها التي تعاني بدورها من مشاكل نفسية وعصبية تستوجب الاهتمام والرعاية الصحية والنفسية قبل إجراءات المساءلة والتحقيق في هذه القصة المحرجة التي تساءل ضمائر من يتحملون مسئولية مؤسسات تدبير شأننا المحلي والوطني.

نداء الضمير : نوجه ندائنا إلى كل الضمائر الحية سواء بمديرية التعاون الوطني أو الأطر العاملة بمركز رعاية لأطفال في حالة صعبة باليوسفية والتي استقبلتها مشكورة، أو فعاليات المجتمع المدني من أجل العمل على توفير مستلزمات الحياة لهذه الطفلة البريئة، واحتضانها بشكل يضمن كرامتها وحقوقها الإنسانية حتى تستعيد صحتها وعافيتها ونشاطها وتستدرك ما ضاع منها من حنان وعطف. وأن تلتفت الجهات المختصة للأم التي تعاني من مشاكل نفسية وعصبية والوقوف معها لتجاوز محنتها الاجتماعية وظروفها القاهرة.