الثلاثاء 26 مايو 2020
كتاب الرأي

حسن حبيبي: بمناسبة اليوم العالمي للمسرح.. ضوء العتمات

حسن حبيبي: بمناسبة اليوم العالمي للمسرح.. ضوء العتمات حسن حبيبي

يتم الاحتفال باليوم العالمي للمسرح في 27 مارس من كل سنة، منذ انطلاق الفكرة من فيينا سنة 1961 أثناء المؤتمر العالمي التاسع للمعهد الدولي للمسرح. لتستقر في كل بقاع العالم. ولأول مرة منذ إحداثه لم يحتفل المسرحيون في العالم بهذا اليوم كعادتهم على خشبات المسارح التي أقعدها اليوم وباء سيء الذكر، ذميم الخلق والصفات يسمى كورونا كوفيد 19، بل وشل حركتها مثلها في ذلك مثل جميع المرافق الثقافية والفنية.

 

لأول مرة، ومنذ أن كتب جان كوكتو الرسالة الأولى لهذا اليوم، الذي اعتبر عيدا للمسرح في كافة دول العالم, يحدث أن تقفل المسارح في وجه المسرح، وتظل الستائر مسدلة في تخفي الفراغ والمجهول في تلك الأمكنة السحرية التي عودتنا على لعبة الضوء والظلام.. ترى هل يعلم جان كوكتو، وآرثر ميللر، ولورانس أوليفيه وسعد الله ونوس، وكل من كتب رسالة المسرح في يومه العالمي أن لا مجال للضوء اليوم، وأن قاعات العرض وأماكن التعبير المسرحي والثقافي تسبح في الظلام وتستحيل باردة مثل قبور منسية؟ ولكن، ورغم أنف الظلام، فقد بادر المعهد الدولي للمسرح بإصدار بيان اليوم العالمي لأبي الفنون والذي كتبه هذه السنة الباكستاني هاشم نديم. رجل مسرح يأتي من دولةٍ "تعاقبتْ عليها الدكتاتوريات العسكرية وشهدتْ هجوماً مروّعاً من قِبل الجماعات الدينية المتطرفة، بالإضافة إلى ثلاث حروبٍ مع جمهورية الهند المجاورة" كما جاء في رسالته لهذه السنة، ثم يضيف "واليوم ما زلنا نعيش في خوفٍ من حربٍ شاملةٍ مع جارتنا وتوأمنا، قد تتطور لتصبح حرباً نوويةً نظراً لامتلاك الدولتين للأسلحة النووية في الوقت الحالي".

 

كل شيء يوقعه الدم والخوف والدمار.. ولا يسع المسرحيين في جل بقاع المعمور إلا محاولة ابتلاع أزمة بأقل الأضرار، وخصوصا من غير انكسار. لقد تمت قراءة الرسالة بغير قليل من الأسى وخلد المسرحيون هذا اليوم كل بطريقته، وكان الهدف الأسمى هو جلب الفرح والضوء في هذه الأوقات الصعبة التي انكمش فيها العالم على نفسه واستحالت المسارح "أضرحة مهجورة".

 

أوليس من أدوار المسرح مرافقة المصير الإنساني في لحظات الظلام الكبرى؟

 

سيذكر التاريخ هذه النسخة من اليوم العالمي للمسرح لفترة طويلة وسيتذكره الناس بغير قليل من الأسى، حيث يقبع أكثر من ملياري شخص في بيوتهم من خلال حجر صحي فرض على العالم، امتثالا لقواعد صارمة وتفاديا للوقوع في شرك فايروس لعين حاصر الجميع ووضع العالم في حالة عطالة. سيذكر التاريخ هذا اليوم وسيتذكر الناس أن الأخبار الطاغية على العالم لا تتجاوز رقعة إحصاء للموت والعالم كئيب والناس حزينون ومتضررون.

 

سيذكر التاريخ يوما عالميا للمسرح تمت فيه  قراءة رسالة واحدة كانت عناوينها الكبرى "شكرا لمهنيي الطب والدفاع و الأمن الساهرون على إنقاذ الأرواح، والبقاء في في المنزل واحترام التدابير المتخذة.. سنهزم كوفيد 19 فالمعركة ليست فردية بل جماعية. عاش المسرح!".

 

سيظل المسرح متمسكا بالبقاء. مصرا أن يجعل من الفراغ امتلاءه ومن الظلام إضاءته. حريصا على عودة الإنسان إلى إنسانيته في ظل صراعات وحروب حولت بلداننا ومدننا الى ثكنات عسكرية يسودها الخراب والدمار وتتلاشى فيها مواسم الحب والجمال.

 

عاش المسرح بالإنسان وللإنسان ولم يتخل قط عن أداء رسالته النبيلة.

وقد أزعم وأقول إن المسرح ازدهر في الظروف العصيبة والأزمات الكبرى، بل وظل المسرح ذاك المصل الأبدي ضد كل الأوبئة، القديم منها والمستجد.. إنه الأمل الذي يعيد الروح للناس ويبث الأمل في النفوس. في رسالتها المسرحية لسنة 2011 قالت المسرحية الأوغندية جيسكا أ. كاهو إن "المسرح وجد بالفعل في المناطق التي مزقتها الحرب، وبين السكان الذين يعانون من الفقر المزمن أو المرض. وهناك عدد متنامي من قصص النجاح، حيث تمكن المسرح من حشد الجماهير لبناء الوعي ومساعدة ضحايا الصدمات النفسية بعد الحروب"... المسرح هو خيار السلام العالمي.

 

صحيح أن المسرح ولد  في زمن الديمقراطية اليونانية،  لكنه ظل شاهدا على أزمنة كثيرة من العنف والحروب والتطرف وبروز تيارات دينية متطرفة وطائفية مقيتة في عالم يموج بالاضطرابات والفوضى.  وفي كل مرة كانت للمسرح كلمته  وللخشبة دقاتها الصارمة  للرد على مظاهر الجمود والتخلف والمساهمة في خلق رؤية جديدة للكون والعالم، وفي كل مرة كانت تبرز تيارات مسرحية، من مسرح ملحمي وآخر سياسي لتعطيل الافكار النازية والعنصرية والفاشيةـ

 

ويحدث أنه كلما تأججت الحروب نارا إلا وأضاءت الخشبات عتمة الوجود الإنساني، ففي صلب الحروب ولد المسرح الطليعي أو ما يسمى بمسرح العبث أو اللامعقول، كما ظهر مسرح المقهورين ومسرح الخبز ومسرح الغضب ضد  كل مظاهر التهميش والتمييز، مثله في ذلك مثل كل  المسارح التي لا تنفصل عن جمهورها، تحركه وتؤجج وجدانه وتحاكي همومه، وتحوله من متلق ساكن وساكت الى متلق فاعل.

 

سيذكر التاريخ يوما عالميا أغلقت فيه المسارح، ليعود المسرح عميقا إلى ذاته، ليختبر ظلمته ويتحسس أنفاسه الأولى. أوليس الظلام هو الأصل؟ لقد أغلقت المسارح، كغيرها من المرافق العمومية لأجل سلامة الإنسان.. نعم الأنسان سر وجود المسرح وإحدى غاياته النبيلة. ولعل تآزر الأسرة المسرحية  هذا العام، بالاحتفال عبر تحسيس  المواطنين بالامتثال الصارم للتدابير الصحية المفروضة كان تعبيرا على انخراط المسرح مرة أخرى في رسالته التي يظل جوهرها هو تأجيج روح المسؤولية الجماعية كضرورة  لكسب الحرب ضد الفيروس اللعين  كورونا وما صاحبه من إحباط وتذمر وهزات نفسية؟

 

قد يقول متذمر ما: تبا لكل هذا الغياب، لكن، لكن هنالك ما هو أقسى من هذا الغياب كما يقول محمود درويش: ألا تكون معبرا عن النصر، وألا تكون معبرا عن الهزيمة، أن تكون خارج المسرح ولا تحضر عليه إلا بوصفك موضوعا يقوم الآخرون بالتعبير عنه كما يريدون.