الخميس 9 إبريل 2020
سياسة

دبيش: الطاعون الأسود الذي عانى منه المغاربة كانت له آثار مدمرة على البنية الديمغرافية

دبيش: الطاعون الأسود الذي عانى منه المغاربة كانت له آثار مدمرة على البنية الديمغرافية الأستاذ عبد الوهاب دبيش وفي الخلفية صورة توثيقية لوباء الطاعون

يرى د. عبد الوهاب دبيش، أستاذ التاريخ، أن وباء كورونا الذي نعاني منه اليوم شبيه بوباء الطاعون الأسود أو الطاعون الجارف الذي عانى منه المغاربة خلال القرون السابقة، على غرار بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط؛ مشيرا إلى أن المؤرخين أعطوا صورة قاتمة عن وضع المغاربة خلال هذه الفترات التي لم يجدوا فيها من خلاص سوى استحضار أدعية في عالم يؤمن بالروحانيات.

 

+ استحضارا لما نعيشه بشأن تفشي وباء "كورونا"، ما هي أبرز الأوبئة التي عانى منها المغاربة على مر التاريخ؟

- وباء كورونا الذي نعيشه اليوم شبيه بوباء الطاعون الأسود أو الطاعون الجارف أو الوباء الجارف، عامي 1449 و1450 والذي شمل حوض البحر الأبيض المتوسط برمته، وقد ذكره ابن خلدون ووصفه بكونه قد أهلك العمران والسكان، وقد عانى منه المغرب مثل ما عانت منه بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط، وهو وباء معد مثله مثل الجدري، والحمى الصفراء، والملاريا، وباقي الأوبئة التي كانت تضرب الإنسان المغربي بصفة عامة.

 

+ هل شمل وباء الطاعون الأسود مجمل الخريطة المغربية آنذاك؟

- طبعا.. لقد ضرب خريطة المغرب في العهد المريني، بما فيها تخوم الصحراء إلى الشاطئ المتوسطي.

 

+ كيف وصف المؤرخون حجم المعاناة والمأساة التي عانى منها المغاربة بسبب الأوبئة؟

- هو وصف سوداوي بالمطلق، يعطي صورة قاتمة عن المأساة التي عاشتها البشرية في تلك اللحظة، ولم يجد معه الناس من خلاص سوى استحضار أدعية تقيهم شر هذه الأوبئة في عالم يؤمن بالروحانيات والغيبيات، حيث كان من الضروري على الإنسان أن يستحضر كل الأدعية والصلوات من أجل دفع هذا البلاء أو الابتلاء كما سماه بعض المؤرخين. وفي الواقع فإن الطاعون كان مرتبطا بتفشي الجرذان وضعف النظافة، وازدحام السكان، فلذلك كان الطاعون أبرز مرض شائع في العصر الوسيط.

 

+ وماذا عن باقي الأوبئة التي عانى منها المغاربة بالإضافة إلى الطاعون؟

- الطاعون هو الوباء الذي ظل يعاني منه المغاربة من حين لآخر إلى حدود بداية القرن العشرين، حيث كان هذا الوباء يتسبب في مقتل ربع إلى نصف المغاربة، ويعيد النمو الديمغرافي إلى بداياته، ناهيك عن وفيات الأطفال، علما أن متوسط عمر الإنسان المغربي في العصر الوسيط كان لا يتعدى 30 أو 40 سنة على أكثر تقدير، حيث كان متوسط العمر ضعيفا جدا في غياب وسائل الوقاية من الأمراض التي كانت تصيب الإنسان في ذلك العصر، وكانت نسبة الوفيات تعادل أو تفوق نسبة المواليد، وكانت المدن هي الأكثر تعرض لما يسميه المؤرخون بالجوائح، لدرجة أن الناس كانوا يألفونها، وكانت بالنسبة لهم شيئا عاديا جدا.

 

+ هل كانوا يسعون إلى تخفيف آثار هذه الأوبئة من خلال اتخاذ بعض التدابير من قبيل تخزين المواد الغذائية، كما نشهده حاليا؟

- أبدا.. في مجتمع يؤمن بالقضاء والقدر، لا شيء يمكنه أن يكون متوقعا، فكانوا لا ينظرون إلى مسببات هذه الأوبئة ولا إلى كيفية التعاطي معها، كانوا يأخذونها على علاتها ويعانون منها.. يموت من يموت ويبقى من يبقى، في غياب أي سياسة وقائية للدولة، أي اتخاذ تدابير استباقية لمواجهة الوباء، وفي غياب علاجات متاحة للإنسان، سوى أن الإنسان لما يستشعر بوجود المرض فإنه يغادر إلى بقعة سليمة تقيه من عدوى الوباء.

 

+ هل عرف المغرب أوبئة أخرى بعد نهاية القرن 14 الميلادي؟

- بطبيعة الحال، لم يكن يمر قرن إلا وتسجل 5 أو 6 حالات من الطاعون.

 

+ كيف كانت تتعاطى السلطات الاستعمارية بالمغرب مع هذه الأوبئة؟

- السلطات الاستعمارية كان لها دور في القضاء على العديد من الأوبئة، حيث كانت هناك سياسة صحية لحماية الإنسان، بغاية توظيفه في خدمة الاستعمار، وليس بغاية حمايته بحد ذاته. ولابد من الإشارة إلى أن الأوروبيين اهتموا قبل فترة الحماية بالحجر الصحي وقد كرسته سلطات الحماية في المغرب، كما اهتمت سلطات الحماية بتوفير وسائل الوقاية مثل الاهتمام بالمجالات التي تتفشى فيها الدعارة والمومسات. ولا ننسى كما قلت في إحدى الندوات أن الواقع الصحي في فترة الحماية كان أرقى بكثير من واقع ما بعد الاستقلال، حيث أن المعمر الفرنسي اهتم كثيرا بالمجالات الهامشية، ومجالات الهشاشة، نظرا لكونها كانت مجالات للعمال الذين استخدموا في مصانع تنتج لصالح المستعمر بالدرجة الأولى.

 

+ هل كانت لهذه الأوبئة آثار على المجتمع المغربي؟

- الأوبئة التي عانى منها المغرب كانت لها آثار نفسية واجتماعية على المصاب، نتيجة الإصابة بتشوهات أو عاهات مستديمة، كما أنها كانت مدمرة للبنية الديمغرافية المجتمعية، أهمها تقلص عدد الساكنة وانحباسها في مستويات محددة، لا تسمح بتطور عدد السكان. وكانت هناك في العصر الوسيط سياسة استباقية لمواجهة الأوبئة، مثل عزل بعض الفئات الاجتماعية التي كانت مصابة بداء الجدري في مناطق معينة، كما كانت الدولة تتوفر على "مارستانات"، أي مستشفيات علاجية يسود فيها الطب التقليدي، والتي كانت مهمتها معالجة المصابين في فترات المجاعات والأوبئة، كما كانت هناك سياسة لبناء "مارستانات" تهتم بالمجانين والحمقى، لكن هذه البنيات لم تكن كافية لمعالجة كل الحالات، خصوصا في أزمنة المسغبة وفي أزمنة الوباء.

 

+ بعض المؤرخين يشيرون إلى أن الجثث كانت مرمية في الشوارع في فترات الأوبئة تنبعث منها الروائح الكريهة، وكانت عرضة للنهش من الكلاب والحيوانات، ما رأيك؟

- صحيح.. الجثث كانت مرمية، وكان الناس يدفنون بملابسهم في بعض الحالات، ولم يكن هناك وقت لدفن كل الموتى في يوم واحد، وهو ما كان يؤدي في بعض الحالات إلى تعفن الجثث وإلى فساد الهواء وتفشي الأمراض، لذلك كان الناس حريصون على البناء في مناطق ليس فيها هواء فاسد، حيث كان من الشروط الصحية لبناء مدينة هو توفر الهواء النقي والماء العذب، والمحرث الطيب، وأيضا تواجد السلطة الذي كان يشكل ضمانة لحماية الناس من الآفات ومن المجاعات والأوبئة، حيث كان الناس ينظرون للدولة باعتبارها منظما ومسيرا لشؤون رعيتها في مجالات لم تكن الصحة بعيدة عنها.