الخميس 9 إبريل 2020
سياسة

من وحي كورونا.. الطاعون الذي دفع المغاربة إلى أكل الجراد ونبش القبور

من وحي كورونا.. الطاعون الذي دفع المغاربة إلى أكل الجراد ونبش القبور صورة مركبة

وباء كورونا "كوفيد-19" سجل اسمه بقوة في سجل الأوبئة الأكثر فتكا في التاريخ.. عاش العالم، ومن بينه المغرب، فيروسات كانت تظهر وتختفي مثل: جنون البقر والخنازير وإيبولا وسارس... وغيرها من أسماء الفيروسات التي كانت تنتشر في رقعة جغرافية محدودة. إلا كورونا استطاع أن ينتزع اسم "وباء"، حسب بلاغ منظمة الصحة العالمية التي دقت الناقوس الأخضر، بعد ارتفاع حصاد القتلى وسرعة انتشاره. المغرب معني بهذا الوباء، ويحيلنا إلى سنوات دموية وسوداء عاشها تاريخ المغرب مع أوبئة فتاكة نستعيدها في هذا الملف.

 

فحسب المؤرخين، وباء الطاعون كان الأكثر شيوعا في المغرب، حيث يتردد كثيرا على ألسنة المغاربة عبر مختلف الحقب، بالنظر إلى أنه ظهر في سنوات 1521-1523، وكذلك ما بين 1557-1558، ومن 1596 إلى 1610، ثم خلال فترة 1626-1631.

 

وحسب المصادر التاريخية فقد انتقل الطاعون إلى المغرب عبر البلدان الأوروبية من خلال النشاط التجاري، كما سهمت في تفشي عدوى الوباء البراغيث التي قد تختبئ في البضائع والملابس.

 

وقد أشار محمد الأمين البزاز، من خلال كتابه "تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر"، إلى أن وباء الطاعون كان الأكثر انتشارا في المغرب، حيث تطرّق إلى ما أسماه بـ"طاعوني منتصف القرن الـ18"؛ الأول برز سنة 1742 وامتد إلى غاية 1744، والطاعون الثاني اجتاح المملكة ما بين 1747 و1751، مخلّفان مئات الضحايا نتيجة انتشاره الجغرافي الأوسع.

 

وفي عام 1834 عانى المغرب من وباء جديد عرف آنذاك بوباء "بوكَليب"، أي وباء الكوليرا، ثم تجدد ظهوره في فترات لاحقة من القرن التاسع عشر ضمن الموجات العالمية لهذا الفيروس، وفق الكاتب البزاز، حيث توغل من جديد في التراب الوطني خلال سنوات 1854-1855، و1859-1860، و1895-1896.

 

قبل أن يعاني المغاربة من جديد مع وباء "التيفويد" الذي ظهر بمراكش عام 1878، مخلفا عددا كبيرا من الضحايا وصل إلى 300 ضحية في اليوم، ثم اكتسح مجموع البلاد مخلفا خسائر كبيرة.

 

وفي عام 1890 ونتيجة الجفاف، اجتاح الجراد البلاد، وهو ما أدى حسب البزاز إلى تفشي وباء الجدري الذي ظهر لأول مرة بمدينة الصويرة، مخلفا عددا هاما من الضحايا في الأرواح يقدر بالمئات في مختلف المدن المغربية.

 

كما عانى المغاربة خلال فترة الحماية الفرنسية والإسبانية، من العديد من الأمراض والأوبئة على خلفية عام الجوع عام 1945 ويأتي في مقدمتها حمى التيفويد والطاعون والجدري والسل والحصبة، حيث اضطر السكان إلى تناول النباتات البرية ومطاردة اللقالق والقنافذ لمقاومة الجوع الشديد من قبيل نبتة "ايرني" التي كانت لا تخلو من مضاعفات صحية، كما أقبل المغاربة على نباتات برية أخرى مثل "الكَرنينة" و"البقولة" و"الحميضة" لمقاومة سطوة الجوع الفتاك وأكلوا من خشاش الأرض، كما أقبلوا على بلوط الغابات وفصوص الخروب. وبمنطقة الأطلس المتوسط أصبح الجراد المقلي والمشوي وجبة رئيسية وذات أهمية كبرى.

 

وبالمعمورة أصبحت نبتة "الترفاس" الشبيهة بحبات البطاطس الصغيرة ذات قيمة كبيرة رغم العقوبات التي أقرتها سلطات الحماية بحق ملتقطها، كما رتع الناس بنهم في جماميخ الدوم وفي الإجاص البري وانتشروا في الأرض بحثا عن عساقيل أخرى مثل "تلغودة" و"كتارة"، بالرغم من أن التمادي في استهلاكها كان يسبب تقرحات معدية قد تؤدي بصاحبها إلى الموت.

 

كما بحثوا -حسب الوثائق التاريخية- عن القنافذ والطيور، ورغم غياب معطيات تاريخية تهم هذا الجانب، فإن الباحثين لا يستبعدون إفلات اللقالق مثلا من قبضة المغاربة، علما أن الحيوانات مثل الثعالب والقطط والكلاب كانت تؤكل في مجاعات القرن 16 والقرن 17.

 

وباء كورونا يفتح صفحة دموية من كتاب ذاكرة الألم والأوبئة الفتاكة والموت الجماعي وإعلان الحرب ضد أعداء لا مرئيين ينشرون الموت. لكن مثلما واجهه أسلافنا بصبر وتحد وصمود وثبات، يواجهه اليوم المغاربة بتضامن ووعي بأن غريزة البقاء لدى الإنسان أقوى من أي وباء قاتل.