الخميس 2 إبريل 2020
كتاب الرأي

جمال المحافظ: حفريات في السياسة.. الصراع والمواجهة

جمال المحافظ: حفريات في السياسة.. الصراع والمواجهة جمال المحافظ

تذهب الكثير من الدراسات إلى إقالة حكومة عبد الله ابراهيم (2018-2005 ) وتشكيل محلها "حكومة ملكية" في 27 ماي 1960 برئاسة الملك محمد الخامس شخصيا، مع تفويض السلطات التنظيمية لنائب رئيس المجلس الحكومي، ولي العهد  آنذاك الحسن الثاني، الذى فوض سلطاته لمدير ديوانه رضا اكديرة (1922-1995)، الذي كان حينها برتبة وزير، نهاية مرحلة وبداية أخرى في التاريخ السياسي الوطني.

 

فالمعارضة الأساسية ضد سياسة التحرر الاقتصادي لحكومة عبد الله إبراهيم، طوال تسعة أشهر من سنة 1959، كانت فضلا عن حزب الاستقلال، في إطار الصراع السياسي مع "عناصره المنشقة" العمود الفقري للجهاز التنفيذي، ما كانت تقوم به الصحافة خاصة جريدة "ليفار" الأسبوعية التي حققت السبق بنشر خبر إقالة حكومة عبد الله ابراهيم في ماي 1960. فحسب ما نقله موريس بوتان في مؤلفه "الحسن الثاني.. دوغول.. بن بركة ما عرف عنهم" عن المهدي بن بركة، قوله عن إقالة الحكومة، بأن الحركة الوطنية "تعرضت لانقلاب رجعي نموذجي في أبريل 1960، عندما غادرت الحكومة ضد رغبتها".

 

فهناك من يرى أن حزب الاستقلال "ارتكب خطئا تكتيكيا"، بمشاركته في الحكومة بوزيرين فقط بهذه الطريقة (محمد الدويري على رأس وزارة الاقتصاد وامحمد بوستة في الوظيفة)، في الوقت الذى كان اكديرة صاحب نمط الاقتراع الاسمي الأحادي في الانتخابات، اعتبر المخطط  الرئيسي لتكريس هيمنة كتلة المحافظين والمؤيدين للغرب على حساب "القوى الوطنية والتقدمية". غير أن حزب الاستقلال كان في الواقع أمام خيارين، فإما أن يرجع إلى المعارضة وبالتالي التحالف مع الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، أو الاستمرار في المشاركة في الحكومة، رغم وضعه الضعيف داخلها.

 

وهكذا تتوزع الفترة التي قضاها حزب الاستقلال بـ "الحكومة الملكية" التي شكلت في 2  ماي 1961 من النخبة السياسية، باستثناء عناصر الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، إلى مرحلتين، الأولى فترة "التفاهم النسبي والتدابير الإيجابية للحكومة" من ماي 1960 إلى يناير 1962؛ والثانية فترة "انتقاد الأوجه السلبية  للعمل الحكومي" وتمتد من يناير 1962 إلى بداية 1963 تاريخ خروج الحزب من الحكومة.

 

وعبر جريدة "العلم"، اعتبر حزب الاستقلال، أن انفراد الملك الحسن الثاني في 17 أبريل 1963 بالإعلان عن الانتخابات النيابية والجماعية والجهوية، يهدف إلى "جعل القوى الحية، أمام الأمر الواقع"، وذلك بعد أن وصفت جريدة "التحرير" الناطقة باسم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، هذه الانتخابات بـ "المؤامرة الخطيرة".  أما أسبوعية "ليفار" الرسمية،  فقالت إن هذه الانتخابات "لبنة أولى في الصرح الذي ندعم بناءه، وحدثا سيظل محطة مضيئة نادرة، فالملك والشعب يريدان أن يتحول المغرب إلى ديمقراطية حقيقية، مع التصدي للتوجه الاستبدادي لأحد الأحزاب".

 

ورغم ذلك، حققت المعارضة، ممثلة في حزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، في الانتخابات التشريعية التي جرت في 17 ماي  1963، "شبه انتصار" في هذه الاستحقاقات بالحصول على 69 مقعدا رغم انقسامه، في حين نالت "جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية"، على أغلبية ضعيفة، أي 75 مقعدا من أصل 144، وأضحى بذلك حزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، منذ 1963، أهم قوة معارضة  لمسلسل تثبيت الحكم المطلق والفردي.

 

إذا كانت الفترة الأولى من الاستقلال إلى سنة 1960، تميزت  بـ "توازن هش" بين معسكرين انتهت بانقسام حزب الاستقلال، فإن الفترة الثانية ما بين 1960 إلى 1965، أسفرت عن فقدان القوى المنبثقة عن الحركة الوطنية لروح المبادرة، وتكرس تهميش الحركة الوطنية  بصفة نهائية، حيث كان من آثار ذلك، أن الطبقة السياسية لم تنفصل بصورة نهائية عن الماضي، وانعكس هذا الاستمرار في المحافظة على نفس نمط الحياة السياسية، وأن الصراع والعداوة المبالغ فيها بين النخبة، يؤديان منذ القديم إلى تماسك عناصرها، وليس إلى تفتيتها، في الوقت الذي يتوازن انقسام النخبة بفضل الدفاع عن المصالح المشتركة، والعلاقات الاقتصادية توحد ما تفرقه الاختلافات السياسية الآنية، مما يجعل سلوك النخبة، يعكس سلوك المجتمع المغربي، وفق مقاربة واتربوري في كتابه الشهير"أمير المؤمنين والنخبة السياسية المغربية".

 

ومن هذا المنطلق، أصبح ينظر للسلطة، على أنها جهاز دفاعي تؤمنه المجموعة وليس الفرد، ولكن تظل في ذات الوقت جميع الأبواب مفتوحة، لأي تحالف جديد تبرره الظروف أو المصالح أكثر مما تمليه الاختيارات الإيديولوجية، لذلك تبدو التحالفات غير مستقرة ويستطيع الأفراد أن يتنقلوا من جماعة إلى أخرى، وأن تكون لهم بالتالي انتماءات متعددة، وهذا ما جعل المغرب من بين دول العالم الثالث القليلة التي تبنت في وقت مبكر، التعددية الحزبية التي ظلت انعكاسا لضرورات سياسية واجتماعية. فالانشقاقات الأولى للحركة الوطنية، تظهر أنها كانت نابعة من حقيقة تطور المجتمع، ولم تكن انشقاقات مصنوعة. فعلى خلاف العديد من البلدان، لم يفض الكفاح من أجل الاستقلال إلى إقامة الحزب الوحيد وإلى تكريس هيمنة حزب معين، بل على العكس، من ذلك عرف المشهد السياسي، منذ السنوات الأولى للاستقلال، تطورا واضحا نحو التعددية الحزبية، وبالتالي شكل التعدد السياسي، ضمانا ونتاجا للكفاح لنيل الاستقلال وانعكاسا للبنية الاجتماعية وللدستور الذي يمنع قيام حزب وحيد.

 

وإذا كان من المعروف أن التعددية ضرورية للبناء الديمقراطي وللتنمية، إلا أنه يقتضى أن ينطوي على تعددية حقيقية في الاجتهادات والتصورات ويعكس تعددية سياسية أو إيديولوجية أو انتماءات طبقية، عوض ترجمة إرادات احتلال مواقع الصدارة والزعامة، باعتبار أن الديمقراطية "لا يمكن أن تكون يافطة أو واجهة تعرض للسياح، بل يجب أن تكون حقيقية، تفتح في وجه الجميع حظوظ التقدم، وتستلزم نظاما للمجتمع، يقوم على تغيير جذري لأسس بنائه"، حسب ما تضمنه ذات زمان مؤلف "الاختيار الثوري" للمهدي بن بركة.