الجمعة 21 فبراير 2020
سياسة

محمد أحداف: متى كان السب والقذف والدعوة لإهانة العلم الوطني حرية تعبير!

محمد أحداف: متى كان السب والقذف والدعوة لإهانة العلم الوطني حرية تعبير! محمد أحداف
يرى د. محمد أحداف، الخبير في العلوم الجنائية أن ما كتب وما نشر من أشرطة فيديو على الشبكات الاجتماعية، والذي أدى إلى متابعة أصحابها، يتخذ إما صيغة التحريض على العنف أو السب والقذف، وإهانة الأشخاص، ونشر صور لأشخاص بدون وجه، مؤكدا وجود خط أحمر فاصل بين حرية التعبير وبين نصوص القانون الجنائي.
وعن مفارقة التعاطي بصرامة من طرف النيابة العامة في علاقة بتدوينات أو فيديوهات لنشطاء على الشبكات الاجتماعية بتهمة المس بالقانون، مقابل «التراخي» في التصدي لناهبي المال العام، أشار أحداف إلى أن هذا النقاش ينبغي أن يوجه إلى البرلمان، داعيا إلى مزيد من الضغط لتعديل القانون كي تكون المتابعة تلقائيا من طرف النيابة العامة، وألا يتم ربطها بموقف رئيس المجلس الأعلى للحسابات على غرار بعض البلدان المتقدمة.
 كيف تتابع من زاويتك كخبير في العلوم الجنائية ما يجري من متابعات قضائية ضد بعض النشطاء والمدونين في الشبكات الاجتماعية؟
 أولا، ينبغي أن نسجل أن القضاء في بلادنا هو سلطة مستقلة، فلا يجب تسويق أفكار خاطئة إلى الرأي العام من قبيل أن هناك توجها لجهة معينة يراد لها أن تتحمل المسؤولية. والنيابة العامة كجهاز مستقل يقوم بما يراه مطابقا للقانون، وللقضاء الكلمة الأخيرة في القول ما إذا كان المتابعون مذنبين أو أبرياء. 
أعتقد بأنه لا يجب الخلط بين المتابعات القضائية والافتراء بأن هناك جهات في الدولة هي من تملي على القضاء ما يجب القيام به.
ثانيا، وباعتباري متخصصا في القانون الجنائي تابعت ما كتب وشاهدت الأشرطة التي توبع بسببها أصحابها، ويمكنني أن أؤكد بضمير مرتاح أن هناك شبهة في وجود صبغة جنائية للأعمال التي قاموا بها، وهي تتخذ إما التحريض على العنف أو السب والقذف، وإهانة الأشخاص، ونشر صور لأشخاص بدون وجه. ويبدو أن البعض لا يستسيغ أن يقوم القضاء بمتابعة أصحابها، وهنا يكمن المشكل، فهناك خط أحمر فاصل بين حرية التعبير وبين نصوص القانون الجنائي.
 إلى أي حد يتم توفير ضمانات المحاكمة العدالة، علما أن البعض يحتج ويتساءل كيف يعقل أن يتم تمتيع دنيا بطما على سبيل المثال بالمتابعة في حالة سراح، مقابل التعاطي بصرامة مع المدونين والنشطاء في الشبكات الاجتماعية ومتابعتهم في حالة اعتقال؟ 
 أولا، يجب التمييز بين الاستنطاق والتحقيق مع متهم في نطاق البحث التمهيدي العادي وهو لا يوجد في حالة تلبس، وبين المتهم الذي يتابع ويستنطق في نطاق مسطرة البحث التلبسي. ومعلوم لممارسي قانون المسطرة الجنائية من قضاة ومحامين أن المتهم في حالة البحث التلبسي غالبا ما يكون عرضة للاعتقال، وهذا ما يبرر لماذا بعض المتهمين لا يتابعون في حالة اعتقال لسبب بسيط وهو أن الإجراءات التي تتخذ في حقهم تتم في نطاق مسطرة البحث التمهيدي العادي، وليس مسطرة البحث التلبسي. ولكن دعني أقول لك شيئا، هو أن التوجه العام للسياسة الجنائية ببلادنا، والذي تؤكده العديد من التعديلات القانونية التي تم إدخالها في مشروع قانون المسطرة الجنائية يسير في اتجاه التقييد ما أمكن من سلطات الاعتقال واللجوء إلى تدابير موازية مثل المنع من السفر وإغلاق الحدود، وإخضاع المتهم للمراقبة القضائية وغيرها من الإجراءات. المشكل لا يكمن هنا، فكلما كانت التهمة ثابتة في حق المعني بالأمر وكان لا يتوفر على ضمانات الحضور، أو من شأنه أن يشكل تهديدا للسلامة البدنية وأمن المواطنين. فالنيابة العامة تلجأ تلقائيا في نطاق سلطتها التقديرية إلى إصدار الأمر بالإيداع بالسجن ومتابعة المتهم في حالة اعتقال.
كيف تنظر إلى المفارقة التي يطرحها عدد من المراقبين والمتعلقة بملاحقة نشطاء في الشبكات الاجتماعية بتهمة انتهاك القانون، في الوقت الذي تصم فيه الآذان وتغظ الأبصار عن ملاحقة كبار ناهبي المفسدين في المؤسسات العمومية وناهبي المال العام؟ 
ما يتداول في وسائل الإعلام ولدى نشطاء حقوق الإنسان ويعتبرونه مفارقة تثير العديد من التساؤلات، وهو كيف يمكن أن نبرر الصرامة والسرعة في متابعة مرتكبي جرائم السب والقذف والتحريض على العنف في الوسائط الاجتماعية، مقابل عدم تبني نفس الخطوات بنفس الصرامة في مواجهة ناهبي المال العام، هذا صحيح تماما.. لكن، كي لا ندافع عن بعض الأفكار غير الصحيحة يستوجب الأمر التفسير الآتي: الجرائم التي ترتكب في الفضاء العام هي من الجرائم الميسور إثباتها، فهي إما تدوينات أو كتابات، أو أشرطة فيديو يسهل على محققي الشرطة القضائية والنيابة العامة الحصول عليها بسرعة وتعتبر كافية لإدانة أصحابها. خلافا لذلك سوف يلاحظ أن الجريمة المالية أو ما يتعلق بالفساد المالي واختلاس المال العام هي من الجرائم التي يصعب إثباتها، إذ لا يكفي القول إن عمدة مدينة معينة مرر صفقات تشتم فيها رائحة الفساد، وأن هناك تلاعبات في هذه الصفقة أو تلك، كي يمكن أن ترقى إلى مصاف الحجج التي يمكن للنيابة العامة أن تلجأ في إطارها إلى فتح تحقيق قضائي ومتابعة المعني بالأمر، فالأمور لا تسير على هذا المنوال. ولابد من الإشارة إلى أن بعض جمعيات حماية المال العام تتقدم بين الفينة والأخرى بملفات متكاملة تتضمن الحجج ووسائل الإثبات إلى النيابة العامة، وقد سجل هذا بمراكش، وبغرفة جرائم الأموال باستئنافية الرباط، وهناك متابعات جارية الآن، وهناك إدانات، بل إن هناك بعض المسؤولين المنتخبين بالهرهورة وبالصخيرات فتحت في حقهم مساطر قضائية. وقد وجه عبد النباوي رئيس النيابة العامة رسالة إلى وكلاء الملك والوكلاء العامين من أجل التعاطي بقدر معين من الجدية مع مثل هذه الشكايات. ومع ايماننا بأنه يجب على النيابة العامة أن تلجأ إلى فتح المتابعات، فإن هذه المتابعات لا يمكن أن تكون هوجاء وبطريقة غير عقلانية، لأنها يمكن أن تلحق ضررا بأشخاص يفترض فيهم أنهم أبرياء وأنهم يذهبون ضحايا لصراعات سياسية بين الفرقاء سواء على الصعيد المحلي أو الوطني. وبالتالي، فلا يكفي أن يتقدم مواطن بمزاعم ضد رئيس مجلس جماعي أو رئيس المجلس الإقليمي باختلاس المال العام كي تقوم النيابة العامة بفتح تحقيق، بل لابد أن يعزز شكايته بالأدلة والحجج التي تثبت الفساد.
 لكن هناك من يرى أن المجالس الجهوية، وكذا المجلس الأعلى للحسابات يتوفرون على ما يكفي من الأدلة والحجج بشأن نهب المال العام في عدد من المؤسسات العمومية، دون أن تسفر عن متابعات قضائية؟ 
هذا نقاش ينبغي أن يوجه إلى البرلمان، لأنه لابد من تعديل بعض المقتضيات القانونية، علما أن بعض المواطنين لا يفهمون كيف يمكن للمجلس الأعلى للحسابات أن يقوم برصد اختلاسات ونهب للمال العام، وألا تتم المتابعة من طرف النيابة العامة، وما يجب على المواطن العادي أن يعلمه هو أن المتابعة مشروطة بالإحالة على النيابة العامة من طرف رئيس المجلس الأعلى للحسابات، لأن النيابة العامة لا تملك صلاحية المتابعة تلقائيا، ومعنى هذا أنه ولو وصل إلى الوكيل العام أن هناك اختلاسا ما، فلا يمكنه تحريك المتابعة، فالأمر يتوقف على الأمر بالإحالة التي يصدرها رئيس المجلس الأعلى للحسابات، وهنا تكمن المشكلة، وما يجب أن نركز عليه هو الضغط من أجل تعديل القانون لكي تكون المتابعة تلقائيا من طرف النيابة العامة وأن لايتم ربطها بموقف رئيس المجلس الأعلى للحسابات، علما أن بعض التجارب في بعض الدول المتقدمة لا تربط بين سلطة النيابة العامة في المتابعة وبين الأمر بالإحالة من رئيس المجلس الأعلى للحسابات.
البعض يربط ما يحصل من متابعات بمحدودية المبادرة التشريعية للفاعل البرلماني في ما يتعلق باستعمال وسائل التواصل الحديثة، والذي جعل البعض يعتقد أن حرية التعبير هي حرية مطلقة؟
صحيح.. لكن دعني أقول لك إن هذا المشكل نعاني منه حتى مع طلبة الجامعات الذين عوض أن يعبروا عن غضبهم أو قلقهم من أستاذ أو مجموعة من الأساتذة عبر الشبكات الاجتماعية يلجؤون إلى عمليات السب والتهديد.. فما أدراك بتلاميذ مستوى الإعدادي والثانوي وعامة الناس. وأعتقد بأن المشكل لا يتعلق بنصوص قانونية ينبغي على البرلمان أن ينكب على إصدارها، فالأمر يتعلق بعمل ميداني يجب أن تنخرط فيه النقابات والمجتمع المدني والأحزاب السياسية والحكومة، ووسائل الإعلام في القطاع الخاص والعام، من أجل تأطير المغاربة كي يعقلنوا حقهم في حرية التعبير في الشبكات الاجتماعية دون أن يصلوا إلى ارتكاب ما من شأنه أن يهددهم بمتابعات جنائية. فعلى المواطنين المغاربة أن يفهموا أن لحرية التعبير حدودا لا ينبغي تجاوزها، لأن هناك أعراضا للناس لا ينبغي انتهاكها. وأنا أطلب من دعاة حقوق الإنسان أن يقنعوني كيف يمكن أن أقبل أن شخصا قام بسبي وتهديدي وقذفي دون أن تتابعه النيابة العامة بعلة أن الأمر يتعلق بحرية التعبير.. هذا أمر مرفوض قطعا، لأن هذا المنطق سوف يقودنا إلى تطبيع المغاربة مع ثقافة السب والقذف، وسوق نتحول إلى ساحة في وسط الشبكة العنكبوتية بدعوى أن الأمر يتعلق بحرية التعبير.
كيف ترد على الرأي القائل إن المغرب وفي فترات السبعينيات والثمانينيات شهد فورة من الانتقادات الموجهة للمسؤولين ولمختلف أجهزة الدولة احتجاجا على القمع والتسلط، والتي وظفت فيها الأغنية الجادة، ومختلف التعبيرات الفنية، دون أن نشهد متابعات قضائية بسبب ذلك، على غرار ما يحدث الآن؟ 
صحيح أن الأغنية الجادة والأعمال الفنية في سبعينيات القرن الماضي كانت شديد القساوة في النقد من الناحية السياسية، ولكن دون أن يسقط أصحابها في الإسفاف، وإهانة الأشخاص، والمساس بالعلم الوطني. فمن الخطير جدا أن تدافع عن شخص يؤمن بأن من حقه أن يدعو الناس إلى عدم احترام العلم الوطني، وعدد من ثوابت هذه الأمة بعلة أنه يمارس حريته في التعبير. فهل استنفذت كل المواضيع كي يصل إلى هذا المستوى؟ المشكل يكمن في قناعة هؤلاء، ودعني أذكر بأن التلميذ الذي توبع بمكناس لم يكتف بنشر مقاطع من أغنية، بل أكثر من ذلك قام بتصوير كلب في مزبلة وأرفقها بجملة من الأغنية تسيء بشكل غير مقبول على الإطلاق برئيس الدولة. وكي نفهم ما يجري، لاحظ معي أن المستوى التعليمي لكل هؤلاء المدونين هو مستوى تعليمي منحط، سواء تعلق الأمر بمدون مدينة خنيفرة أو «مول الحانوت» في مدينة الخميسات، أو «مول الكاسكيطة» في برشيد، أو تلميذ مكناس، أو تلميذ ميدلت الذي توبع بالتحريض والإشادة بالإرهاب.. يعني أن إمكاناتهم المعرفية لا تسمح لهم بالتمييز بين ما يجب وما لا يجب. المشكلة هنا هو أن الشبكة العنكبوتية أضحت مفتوحة في وجه الجميع، سواء من يملك إمكانيات الكتابة، أو من لا يملك إمكانيات الكتابة في الدخول إلى هذه الشبكة العنكبوتية والتعبير عن آرائهم. والمشكل هو أن الأشخاص من ذوي المستويات التعليمية المتدنية هم الأكثر انزلاقا في لغتهم إلى الاحتقار والسب والقذف، والتحريض على ارتكاب الجرائم والسقوط في المتابعات القضائية.