الاثنين 8 مارس 2021
مجتمع

إبراهيم دنار: نزيف الهجرة من المغرب إلى الخارج يكلف ميزانية الدولة ملايير الدولارات

إبراهيم دنار: نزيف الهجرة من المغرب إلى الخارج يكلف ميزانية الدولة ملايير الدولارات إبراهيم دنار
يسلط إبراهيم دنار، أستاذ الاقتصاد بجامعة الحسن الأول بسطات، كشافات الضوء،في هذا الحوار، حول ظاهرة الهجرة، وأسبابها:
 
ما هي قراءتك لظاهرة الهجرة؟ وكيف يمكن تدبيرها في نظرك من طرف الحكومة؟ 
تُعدُّ الهجرة ظاهرة عالمية ينتقل فيها الأشخاص من بلدهم الأصلي -بشكل دائم أو مؤقَّت- إلى بلد آخر لا يحملون جنسيته، وذلك لأسباب عدَّة، فمنها ما هو اجتماعي أو اقتصادي أو سيكولوجي أو تاريخي أو أمني…، ومنها ما يكون نتيجةً للكوارث الطبيعية، كالزلازل والبراكين والفيضانات، ومنها ما يكون طلبًا للعلم والمعرفة، وتلاقُح الثقافات والحضارات.
ففي إفريقيا، قدَّرت منظَّمة الأمم المتَّحدة عدد المهاجرين خلال سنة 2017 بنحو 24.7 مليون مهاجر، أي ما يمثِّل 2٪ من سكَّان القارَّة. ووَفق بعض المصادر نجد أنَّ عدد المهاجرين في المغرب يصل إلى 101.200 مهاجر، أي ما يمثِّل 0.3٪ من إجمالي السكَّان سنة 2017.
كما أنَّ 70 % من الأشخاص المغاربة غير المهاجرين الذين ينوون الهجرة أرجعوا ذلك أساسا إلى أسباب اقتصادية، تليها الأسباب الاجتماعية بنسبة 24.4%. وتعتبر الأسباب الاقتصادية أعلى لدى الأسر غير المهاجرة (70.2%) مقارنة مع الأسر المهاجرة (64.6%)، في حين تعتبر الأسباب الاجتماعية أعلى لدى الأسر المهاجرة (31.3%) بالمقارنة مع الأسر غير المهاجرة (24.2%).
لذا ينبغي على المغرب مستقبلًا في تدبيره لظاهرة الهجرة استحضار بعض المعطيات المرتبطة بالانتقال الديمُغرافي الذي يتزايد بوتيرة متسارعة، خصوصًا أنَّ المندوبية السامية للتخطيط أكَّدت أنَّ عدد السكَّان سيصل إلى 43.6 مليون بحلول سنة 2050، بدلًا من 33.8 مليون نسمة حاليا، كما سجَّلت خلال إحصاء 2014، علاوةً على ما يجري في سوريا وليبيا، والذي من شأنه أن يُسهِم في ارتفاع معدَّل الهجرة إلى المغرب، ويرفع من حجم تحدِّيات مواجهة هذه الظاهرة.
ومن الواضح أنَّ محاولة الاندماج بين المغرب والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (سيداو) في المجال التجاري، ستكون لها آثار اقتصادية مهمَّة تتمثَّل في التحويلات المالية للأسر. في حين تبقى هجرة اليد العاملة القادمة من بلدان غرب إفريقيا ذاتَ تأثير إيجابي محدود في اقتصاد المغرب، غير أنَّ الإدماج عن طريق التشغيل يُعدُّ عنصرًا أساسيًّا في تسهيل عملية إدماج الأجانب في المجتمع المغربي والأوروبِّي.
من جانب آخر تكلف الهجرة من المغرب إلى الخارج ميزانية الدولة ملايير الدولارات، حيث المهندسون والأطباء والأساتذة الباحثون الذين كلف تكوينهم ميزانية الدولة أموالا باهظة يؤديها المواطن في شكل ضرائب. هذا أعتبره نزيفا اقتصاديا واجتماعيا وكذلك احتراق نفسيا يجب التصدي له عاجلا.
ما هي الآثار المختلفة التي تحدثها ظاهرة الهجرة؟
من الصعب جدا الجزم في ما يتعلق بالآثار الإيجابية أو السلبية للهجرة على الدول المستقبلة أو الدولة التي تتدفق منها الهجرة. فقد أظهرت الدراسات أن هناك آثارا إيجابية وسلبية للهجرة على دول المصدر والعبور. فقد سعت الدول إلى تطوير اقتصاداتها بكفاءات ومعارف جديدة، لتلبية احتياجاتها في بعض القطاعات، واستقطاب الأطبَّاء والمهندسين والأساتذة. ما يدفعنا إلى الحديث عن هجرة الكفاءات التي لم تلقَ ترحيبًا في بلدانها الأصلية النامية، لتستقرَّ في بلدان. الاستقبال المتقدِّمة، التي تقدِّر قيمتها وتوفِّر لها الأجواء الملائمة والمريحة للعمل.
- على سبيل المثال: بين عامي 1970 و2005، تضاعف حجم التحويلات الرسمية (بالقيمة الاسمية) بحوالي 127 مرة، من 320 مليون إلى 40716.9 مليون درهم (1 يورو= حوالي 11.1 درهم). وهي تغطي 23.7 ٪ من الواردات.
 أما في ما يتعلق بالآثار السلبية فنخص بالذكر هجرة الادمغة من أطباء ومهندسين وباحثين وأساتذة، وهذا يؤثر على النمو الاقتصادي وقد يحدث نزيفا في مالية الدولة. 
من بين الأهداف التي سطرتها الاستراتيجية الوطنية للهجرة هو جعل الهجرة فرصة للتنمية ومحركا للتطور الاقتصادي والاجتماعي، ولا يتم ذلك حسب رأينا إلا من خلال اعتماد سياسة شاملة ومندمجة. فعلى سبيل المثال في مجال التشغيل يجب خلق مناخ أمثل للمهاجرين المغاربة لتمكينهم من القيام باستثمارات في قطاعات مختلفة وهذا من شأنه أن يساعد على خلق الثروة والحد من البطالة واستثمار الخبرة التي تم اكتسابها خارج أرض الوطن.  
 لماذا في نظرك تولد انطباع سيء لدى المغاربة حول الهجرة رغم أن الكل يعتبرها هي الحل؟
فعلا تولد خلال السنين الأخيرة انطباع خطير لدى المغاربة، مفاده أن فرص الشغل أصبحت شبه مستحيلة، وبالتالي فالهجرة هي الحل. هذا الانطباع ساهمت فيه عدة جهات وتفسره نوعا ما بعض العادات السيئة المتفشية داخل المجتمع من قبيل المحسوبية والزبونية وإعمال جميع أشكال العلاقات في التشغيل سواء في القطاع العام أو الخاص على حساب الكفاءة والخبرة، وهذا يولد نوعا من التذمر والاحتراق والنفسي وفقدان الأمل لدى المواطن. يزكي هذا كذلك عدم تكافؤ الفرص وتفشي السلوكات الريعية في عدد من القطاعات.
إن المغرب بلد فتي ويحتوي على فرص كبيرة للاستثمار وخلق فرص الشغل، يفسر هذا توافد المستثمرين الأجانب عليه من كل الجنسيات. يقتضي الأمر إذا للحد من هجرة الكفاءات والأدمغة نهج سياسة عمومية شاملة ومندمجة من شأنها خلق ثقافة المبادرة الخاصة وريادة الأعمال وذلك من خلال تحفيزهم جبائيا وتسهيل قنوات التمويل البنكي والمصاحبة التدبيرية والاستراتيجية لمشاريع الشباب، وبالمناسبة أشير أن القطاع البنكي اليوم عليه ان يلعب الدور المنوط به في هذا الشأنِ.