الخميس 4 مارس 2021
سياسة

احتفال رأس السنة، بين لحسن السكنفل و"هوية بريس"، ومأزق تدبير الحقل الديني!

احتفال رأس السنة، بين لحسن السكنفل و"هوية بريس"، ومأزق تدبير الحقل الديني! لحسن السكنفل، رئيس المجلس العلمي المحلي بالصخيرات

إلى جانب متابعتنا في "أنفاس بريس"، لـ "غزوة" الوهابية بإنزكان حول "حكم مشاركة الكفار أعيادهم"، سنقف اليوم على ما تعرض له الأستاذ لحسن السكنفل، رئيس المجلس العلمي المحلي بالصخيرات، من استهداف بخصوص موقفه من الاحتفال برأس السنة الميلادية، وذلك للإحاطة بأبعاد مشهد سيف التكفير الأصولي من جهة، وأيضا لرصد جانب من أعطاب التدبير الرسمي للحقل الديني، من جهة أخرى .

 

لقد نشرت "هوية بريس" مادة بعنوان: "من التدليس أن يدعي "فقيه" بأن احتفالات السنة الميلادية من العادات التي جرى بها العمل اليوم"، اعتمدت فيها على موقف الأستاذ محمد عوام صاحب كتاب "موقف علماء المالكية من الاحتفال بالسنة الميلادية"، وهو الكتاب الذي قدم له الأستاذان محمد الروكي(رئيس لجنة الفتوى بالمجلس العلمي الأعلى) وحسن العلمي، كرمزين للتيار الإخواني-الوهابي. مع ملاحظة أن جانبا من التيار الأصولي يشتغل على بعض الأدبيات المالكية لخدمة المخطط الأصولي، كسعيد الكملي ومولود السريري ومحمد عوام.. كما نشرت "هوية بريس" مادة أخرى بهذا العنوان: "الاحتفال بأعياد النصارى وفقيه السوء"، تم فيه وصف السكنفل بـ "الأبله" و"المتمول" و"المتعالم كبير الجبهة غليظ القفا".

 

كما أن علاقة "هوية بريس" بالسكنفل، لا تقف عند هذا الحد، فقد سبق لها في موضوع الاقتراض للضرورة، أن اعتمدت في ردها عليه، على "مرجعية" الأساتذة مصطفى بنحمزة وتوفيق الغلبزوري والحسين أيت سعيد، مما يبين مستوى التماهي الوظيفي بين محسوبين على المؤسسة العلمية، والتيار الأصولي، وبالتالي فشل وهم الإدماج الأصولي في النسق الرسمي.

 

كذلك، فإن مسألة الإثارة الأصولية، لا تقف عند مسألة الاحتفال برأس السنة، بل تتعداها إلى الاحتفال بالمولد النبوي، وبعاشوراء.. ويتكرر مشهد التلبيس الأصولي كل سنة، بدون حسم من طرف المؤسسة العلمية. ويكمن تفسير هذا العجز، في طبيعة هندسة هذه المؤسسة. ولفهم عمق الإشكال، نشير إلى أن صلاة غالبية رؤساء المجالس العلمية في الدورة الخريفية للمجلس العلمي الأعلى، كانت خارج أدبيات المذهب المالكي. فهل بهذه الأعطاب يمكن ربح رهان تأهيل الحقل الديني ضمن المقاربة المندمجة مذهبيا في إطار التاريخ المغربي، وتنمويا في إطار المشروع المجتمعي الحداثي الديموقراطي للملك/أمير المؤمنين؟

 

لكن دعونا نلتفت لسي السكنفل ومعه العديد من مسؤولي الحقل الديني، لنتساءل: لماذا الاستمرار في دعم الهيمنة الأصولية، رغم هذا الاستهداف، في مختلف دواليب الحقل الديني؟ ولماذا في المقابل، هناك معاداة القوى الديموقراطية، والنخب المستنيرة؟ ويستوي في هذا التساؤل حتى وزير الأوقاف نفسه. فالكل يهرول لإرضاء الابتزاز الأصولي، مما يمنح الانطباع عن درجة الضعف التي بلغتها الدولة، في استجداء الولاء الأصولي. حيث لم يبلور مسؤولو الحقل الديني، رغم الإمكانات المرصودة، آلية وظيفية للتمحيص والتدقيق والغربة، ومن ثم التأهيل العقلاني السليم، بل على العكس، كرسوا رافعة رسمية للتمكين الأصولي، لدرجة أن مضاعفات هذه الثغرة أصبحت تتحمل ثقلها الأجهزة الأمنية وحدها. ومع ذلك تحاول "التقية" الأصولية أن تدلس حتى على هذه الأجهزة من خلال التظاهر بالولاء السياسي للدولة على حساب الولاء المذهبي، بإخفاء الحمولة الوهابية والإخوانية، تحت عنوان المذهب المالكي وأعلامه. ويمكن الجزم أن الكثير من الرسميين الذين يشتغلون بعقلية "من بعدي الطوفان"، والذين يتحدثون عن الثوابت، غير ملمين بتضاريس "الإسلام المغربي"، في أصوله وقواعده وكلياته ومقاصده، ولا بالمخطط الأصولي في استراتيجيته وتكتيكاته المرحلية، ولا بمتطلبات حاجيات البلاد إلى الطمأنينة الروحية. وبذلك سقطوا، لإخفاء حقيقة الأمر، في مهاوي التدليس على صاحب الأمر. ومع ذلك تبقى الحقيقة أكبر من "سقراط".

 

لكن ميزان الاعتدال في القول، يقتضي الإشارة إلى لغة الحقيقة في كلمة الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى في الدورة الخريفية، لما أكد وبالوضوح اللازم، على أن منجز المؤسسة العلمية، لم يصل بعد، إلى مستوى انتظارات أمير المؤمنين. وأعتقد أن العلامة محمد يسف مطالب بالكثير من البوح، والكثير من إجراءات سد الفجوة، ما وسعه الجهد لذلك، فقد اتسع الفتق على الرتق بشكل لا مزيد عليه. أما الأستاذ أحمد التوفيق، فبالرغم من الزخم الديموقراطي والصوفي الذي دعم الثقة المولوية فيه، فقد تجسد حاصل مطافه في حماية الركب الأصولي، من خلال المصادرة في درس رمضاني -لغياب الحس السياسي، المطابق لخصوصية "أهل البيت" في استمرارية ميراث النبوة- على مطلوب مصطفى بنحمزة، بتعميد الوصاية الأصولية على الملك/ أمير المؤمنين.

 

لذلك، من حق أي متتبع أن يتساءل: هل هناك إرادة حقيقية على تحصين حقل مرجعية إمارة أمير المؤمنين من الانقلاب الأصولي؟ أكيد أن منطق الحس الوطني يستوجب القول، بأن الدولة المغربية حتى وهي دولة مدنية، تتمتع بأوجه المشروعية التاريخية والوطنية والديموقراطية، فإنها في أصلها تتمتع بمشروعية الإسلام المغربي المتنور.لكنها بهذا الانقلاب الأصولي على مضمون ثوابتها المذهبية، تكون قد دشنت بالفعل، مسار افتقاد مشروعيتها الدينية. "فماذا بعد الحق إلا الضلال"؟