الأربعاء 12 أغسطس 2020
كتاب الرأي

الفلاح : المغرب و الجزائر بين حلم النافذة الأطلسية و مشروع النفوذ الأطلسي

الفلاح : المغرب و الجزائر بين حلم النافذة الأطلسية و مشروع النفوذ الأطلسي رضا الفلاح
إن التشاؤم بمستقبل العلاقات المغربية الجزائرية يشكل في الحقيقة نوعا من التفاؤل الإيجابي لكونه يزيح حجاب العاطفة و دخان الطوباوية على قضايا لا تعترف سوى بالبراغماتية و السياسة الواقعية؟
في سياق انتخاب رئيس جديد للجزائر  من داخل النظام بالرغم من حجم و وتيرة المظاهرات الشعبية، يجب إعادة طرح سؤال العلاقة المعقدة بين المغرب و الجزائر و تحليلها من أجل فهمها و التنبؤ بمستقبلها.
الجغرافيا و الثقافة جعلتا من المغرب بلدين متشابهين و متجاورين و لكن التاريخ و السياسة جعلهما مختلفين و بعيدين في نفس الوقت عن بعضهما البعض.
الجزائر قومية ناشئة لم تعرف الدولة إلا بعد سنة 1962 و لم تعرف السياسة إلا في زي عسكري،  بينما يشكل  المغرب دولة أمة لها وجود و امتداد  تاريخي يتجاوز 12 قرنا من الزمن..
لأن مستقبل الجزائر اليوم مرهون بمستقبل جيشها الذي تغلغل في كل أسرة و في كل حي و في كل المؤسسات السياسية و المدنية و الاقتصادية. المفارقة هي أن المتظاهرين في شوارع الجزائر يستنجدون بالجيش ضد العصابة و دون معرفة متى و أين تنتهي العصابة و هو ما أتاح للنظام هامش رحب للمناورة و  فرض مرشحه كرئيس جديد.  
مسألة دعم الجزائر للجبهة الانفصالية غائبة بشكل كلي عن شعارات المحتجين و هذا شيء طبيعي لأن سقف إرادة الشعب يتمثل في عقيدة الجيش و لا يمكن أن تعلو هذه الإرادة على مرتكزات النظام العسكري الجزائري في المستقبل المنظور.
كل هذا يشجع الحكام في الجزائر على الاستمرار في لعب ورقة معاكسة الوحدة الترابية للمغرب لأنها ورقة الجوكر التي ستمنحهم طوق النجاة حتى في أسوأ سيناريوهات الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية..
على مستوى توازن القوى بين الجارين، فالمنطقة المغاربية لا تتسع لقوتين إقليميتين ومن الواضح أن القوى الكبرى توجه و تنسق سياساتها الخارجية اتجاه المنطقة بالشكل الذي يمنع أي تقارب بين المغرب والجزائر، و من المؤكد أنه لن يسمح لهما بالاتحاد حتى بعد حل نزاع الصحراء.
الشغل الشاغل للجزائر منذ استقلالها هو أن تصبح القوة الإقليمية المهيمنة مغاربيا لكن بالرغم من دعمها لكل ما يضعف المغرب و بالرغم من تراكم عائدات البترول و الغاز و ضخامة ميزانية الإنفاق العسكري فإنها لم تتمكن من فرض هيمنتها على المغرب الكبير.. بينما فهم المغرب قبل فوات الأوان أن كل شيء قد انتهى و أعلن الملك عن موت الاتحاد المغاربي يوم العودة للاتحاد الافريقي في قمة أديس أبيبا.. لم يكن ذلك سوى تحصيل حاصل و لهذا  فقد استبق تحويل البوصلة جنوبا و التوجه نحو إفريقيا  قصد الاضطلاع بمكانة القوة الإقليمية لكن دون أطماع الهيمنة.
في هذا الوقت ما زالت الجزائر مسجونة في مرحلة الحرب الباردة بين واجهة متوسطية لا تملك اتجاهها و عبرها أي نفوذ  و بين صحراء شاسعة تتواجد عليها دول هشة فاشلة، فأصبح همها هو إبعاد المغرب أمنيا عن منطقة الصحراء. في الواقع ما زالت الجزائر تحلم بنافذة أطلسية، بينما ينشغل المغرب بتنفيذ مشروع النفوذ الأطلسي.