الثلاثاء 11 أغسطس 2020
كتاب الرأي

عبد الالاه حبيبي: الحساسية النفسية المفرطة لدى المغاربة

عبد الالاه حبيبي: الحساسية النفسية المفرطة لدى المغاربة عبد الالاه حبيبي
انطلاقا من بعض الأرقام المخيفة التي تتحدث عن أن أكثر من 48 في المائة من المغاربة يعانون من مشاكل نفسية كثيرة، بعضها يصل إلى درجة الاضطراب العقلي الحاد، وانطلاقا من ملاحظة السلوكات العامة لدى شريحة واسعة من المغاربة في الشارع العام، وفي بعض المحافل الخاصة والأنشطة والأعراس، والتظاهرات واللقاءات، وارتكازا إلى الكثير من وقائع الضرب والجرح والتشابك الجسدي الذي تستعمل فيه وسائل حادة كالسكاكين وغيرها، يمكن الاهتداء إلى خلاصة واضحة: أنه بالفعل يوجد ما يدل على انتشار الاضطرابات النفسية بين المواطنين، وذلك بغض النظر عن أصولهم المجالية أو الثقافية أو الطبقية، هناك استثناءات تهم بعض المناطق التي لا تزال فيها منظومة القيم التقليدية تقوم بدورها الفعال في ضمان السلم والتفاهم بين أفراد المجموعة المتلاحمة لسانيا وقيميا..
لكن على صعيد المدن الكبرى يكاد العنف يصبح لغة مألوفة بين المتخاصمين، احتكاك لفظي بسيط ينتج عنه عراك تسيل فيه الدماء وتزهق فيه الأرواح بشكل عبثي ودون مبرر يرقى إلى حجم الواقعة التي كانت سببا مباشرا لكل هذا العنف الأهوج.. لعل التفسير الممكن لمثل هذه السلوكات المختلة هو ارتفاع الحساسية النفسية لدى بعض الناس إلى درجة أنهم يصبحون جاهزين للرد على أبسط إثارة أو خلاف بعدوان شرس ومبالغ فيه؛ أي رد فعل يطبعه الجنون أو الرغبة المكبوسة في تفريغ طاقة مكبوتة من الغضب والشر والعنف الدفين...
الذي يتحدث فينا أحيانا ليس العقل، بل الوجدان المهتز، العاطفة المنفلتة من كل رقابة أخلاقية، الغضب الهادر، الرغبات المكبوتة، التجارب النفسية الشخصية المليئة بالاحباطات والخيبات، كل هذه القوة ملتحمة تشكل خطرا على صاحبها، أولا ، قبل أن تمس نارها الآخرين، ولعل الأطفال هم الضحية المفضلة التي تتلقى هذا العنف داخل البيوت، أومن لدن بعض المعلمات والمعلمين غير الأسوياء، وبالتالي نصبح في مجتمع يعيد تشكيل نفسه بملامح العنف والغضب والعدوان...
يقال قديما إن المغاربة لا يصبحون أصدقاء إلا بعدما يمرون من تجربة خصام عنيف، أي أن كل واحد يقوم، أولا، بالتعرف على درجة وحدة العنف المخزن لدى الآخر، ومن هنا تقوم الصداقة على الاحتياط والنفاق والتعامل الحذر ، هي في الحقيقة ليست صداقة، بقدر ما أنها تدبير تعايش سلمي في شكل تأجيل مستمر للعنف المتأجج في النفوس... الاختلال النفسي هنا عميق، الاضطراب العقلي متجذر في الشخصية والتنشئة الاجتماعية، والدليل على ذلك هو أن أغلب الصداقات قد تتحول فجأة إلى عداوات قاتلة، إلى نبذ مطبق، إلى تشهير قبيح بالصديق وبأسراره، إلى رغبة في قتله معنويا أمام الناس دون أدنى ذرة من احترام لفترة الصداقة والتعايش السابقين، هنا يكمن الخطر، وهنا مربط المرض.. في عمق كل واحد منا جنون تائه، عزلة نفسية مظلمة، عتمة مخيفة، عالم من المشاعر المضطربة، بركان يغلي من الأحاسيس المتناقضة، ولعل هذا ما يستدعي انتفاضة سيكولوجية عامة لمواجهة الداء بالوضوح العلمي قبل استفحاله وتغوله ...