الجمعة 13 ديسمبر 2019
كتاب الرأي

محمد الصديقي : الثقافة والإعلام والتفاهة.. من المفهوم إلى التداول

محمد الصديقي : الثقافة والإعلام والتفاهة.. من المفهوم إلى التداول محمد الصديقي
هل يجوز وصف الثقافة بالتفاهة؟ الثقافة في معناها المعجمي من الحذق والذكاء، فهل هناك حذق أو ذكاء تافه؟ . ثم ما معنى التافه؟
ورد في المعجم من مادة "تفِه" ما يأتي: أسلوب تافه: ركيك، لا قيمة له، ورَجُلٌ تَافِهٌ: غَيْرُ مُتَّزِنٍ، قَلِيلُ العَقْلِ لاَ قِيمَةَ لأَعْمَالِهِ، حَقِيرٌ...
فهل من المحتمل وجود ذكاء حقير غير متزن وينطلق من قلة عقل؟
مهما كان التوظيف التداولي للعبارة، فلا يمكن أن تنسلخ من معانيها الأصلية، وهذا يعني أن التداول أحيانا بترويجه لبعض العبارات من قبيل "الثقافة التافهة" هو في ذاته أمر تافه.
مسألة ثانية متعلقة بالخطاب الإعلامي الذي يروج للتفاهة من منظور كشف وتعرية طبيعة "الثقافة" السائدة والمحتفى بها رسميا وشعبيا، يطرح سؤال الرسالة التي يشتغل عليها الإعلام المغربي في ظل البحث عن مداخيل انطلاقا من استهواء المتعاملين مع الشبكة العنكبوتية بزيارة الموقع والتعليق على المنشور ولو بالقذف والسب والامتعاض؟؟؟
ما الذي يجعل الشيء تافها؟ وما الجهة التي لها الحق في تصنيف فعل الناس و"ثقافاتهم" ضمن التافه أو القيِّم؟
قديما عدت "ألف ليلة وليلة" لا قيمة لها، و"تافهة" مادامت لم تحظ بالاهتمام النقدي والتتبع الفكري، والنسج على منوالها، لأن مفهوم النص آنذاك يمتح من مرجعية شعرية ـ وليست نثرية إلا ما جاء على باب الخطابة بحكم التدخل الديني، ومن باب عدم الاعتراف بها ـ أي ألف ليلة وليلة ـ أن كاتبها غير معروف، ولم يحتفظ به التاريخ لاعتبارها آنذاك خارج الثقافة. وفي العصور الأخيرة "عصر السرد" تم العودة إلى هذه النصوص والاحتفاء بها، وإعادة الاعتبار لها وإدراجها ضمن مفهوم النص، وضمن حقل الثقافة، فهل عصرنا تافه إلى درجة الاحتفاء بما نبذه السلف "الصالح"؟ هل تبين أن السلف على خطأ، وظلم جزءا من الثقافة باعتبارها تافهة واعتبارها غير ذات قيمة ولا جدوى؟
وعموما فالتاريخ له قوة انتقائية جبارة، هو الذي ينتقي بفعل ذاكرته ما ينبغي أن يستمر وما ينبغي أن يموت، وهو في جميع الحالات وأد ثقافات ونصوصا وكتبا قيِّمة، وفي الآن نفسه قتل الخطابات التافهة الكثير. ولأن البحث الأركيولوجي يحتفي بكل شيء له ارتباط بالإنسان والماضي والتاريخ، فقيمة الأشياء ترتبط بدلالاتها على المرحلة وترسم نوعا من النظرة البانورامية عن مرحلة ما في عاداتها وأعرافها وعلاقاتها ومعاملاتها... مما يساهم في اكتشاف التاريخ عموما وفهمه.
من هذا المنطلق / الأسئلة ينبغي مساءلة، وليس محاكمة ما يروج إعلاميا من خطابات باعتبار ما يمكن أن يسمى خطابا نافعا، فالأصل في الإعلام هو "الخبر" والخبر عار من التقييم الا من باب مساءلة خط المؤسسة الإعلامية، بمعنى آخر: هل كل خبر يستحق النشر والتعميم؟ وهي مسألة فيها جدل كبير، من حيث ربطها بحرية الصحافة من جهة، ومن جهة أخرى بمدى احترام المؤسسة لخطها التحريري، وكل الخطوط لا تختلف إلا في القليل من بنودها، هذا إذا توفر هذا الخط أصلا. ففي مواقع التواصل الاجتماعي لا يجوز الحديث عن الخط التحرير، لأن المتدخل الناشر له حرية تعميم ونشر ما يراه مناسبا، فالمواقع قنوات للتواصل، وليست مسؤولة بمعنى من المعاني عن ما ينشر، وحتى فعل الرقابة فيها منفلت ومتشعب.
إن هذا الخطاب الموسوم ب"التافه" بدأ يغزو حتى المؤسسات الرسمية المفروض فيها أن تعكس نوعا من الرقي في مستوى الخطاب أوالممارسة، فكم هي المواضيع التي يمكن تصنيفها ضمن "التافه" والتي يناقشها البرلمان أو الحكومة.
فكثيرا ما تحولت جلسات الهيئتين على حلقة ملاسنات وتعرٍّ بألفاظ سوقية وبذيئة، وكثيرا شكلت مادة دسمة للإعلام الذي بدوره عممها وروجها حتى أصبحت ماركة مسجلة لأشخاص أو هيئات بعينها.
مسألة تداول بعض المقاطع غير الملائمة مع الذائقة العامة المفترضة، يعلن عن ميلاد خطاب جديد منافس للخطاب الثقافي العالِم، المؤسس للوعي الناقد، خطاب يقوم على تبخيس كل ما هو "جدي" والنظر إليه بعين التبخيس، وتحميله جزءا من مسؤولية انتشار الكآبة واليأس العام الذي ينخر شرائح واسعة من المجتمع، وبخلطه مع الخطاب الساخر خطأً، أضحى يجد نوعا من المقبولية حتى داخل الأوساط ذات الثقافة المتوسطة والعارفة، بل أضحى يتسلل حتى إلى مجال البحث العلمي والأكاديمي وأطاريح جامعية تحت مسميات شخصية من قبيل دراسة خطاب أشخاص لهم مسؤوليات سياسية عرفوا بشعبويتهم، أو مسميات موضوعاتية من قبيل بلاغة الضحك وغيرها، بتبرير أن الدراسة والاهتمام فرضهما الانتشار الواسع لهذه الخطابات.
لا شك أن الإعلام مساهم في بناء وسيادة ثقافة ما في مجتمعه، بما أنه سلطة، والسلطة دائما من أدوارها التوجيه، ومن هنا فالتوجيه الإعلامي نحو خطابات تبدو غير ذات جدوى أو غير ذات أولوية مجتمعية أو سياسية أو ثقافية، ومدرة للدخل، تساءل عموما مستوى التلقي الثقافي عند المجتمع، وتسائل مؤسسات الثقافة (من مدرسة ووزارة وإعلام ودور شباب ورياضة ...) التي من واجبها رسم التوجه الثقافي العام الذي ينبغي أن يسود في إطار الحرية الذي يتيح للفرد انتقاء الصحيح والنافع.