الخميس 12 ديسمبر 2019
كتاب الرأي

أمين لقمان : نقطة نظام.. قبل التسجيل في اللوائح الانتخابية..

أمين لقمان : نقطة نظام.. قبل التسجيل في اللوائح الانتخابية.. أمين لقمان
ككل مرة وكعادتها، وزارة الداخلية تدعو المواطنين للتسجيل في اللوائح الانتخابية، ومع أنني أؤمن بجدوى المشاركة السياسية ودورها الحاسم في النهوض بالمجتمعات وتغيير مصائرها، فإنني أتحفظ على الطريقة التي تفرضها الدولة بحنكتها المعلومة لصنع الخرائط السياسية والحفاظ على الوضع القائم في تحلل تام من كل المسؤوليات الوطنية والتاريخية لمجابهة تحديات المغرب المعاصر أخذا بعين الاعتبار معطيات الوضع العالمي الجديد ومتغيراته الاقليمية..
فأن يخرج وزير الداخلية ويدعو الناس إلى التسجيل هكذا، وكأن الأمر مسألة روتينية وثانوية في بيئة اجتماعية مأزومة ومنفجرة ووضع سياسي مغلق وفاقد للمصداقية واقتصاد متخلف مثقل بالديون والفساد...فإن الأمر يثير السخرية ويعكس حالة التخبط والهروب إلى الأمام وعدم إلتقاط معطيات الوضع الجديد ومتغيراته التي لا يتنبأ أحد بمساراتها..
والأسئلة المطروحة والتي تحتاج إلى إجابة ونقاش موضوعي وعمومي وقانوني قبل البدء في دعوة الناس إلى التسجيل، تتعلق بإدراج كل نقاش حول مجمل العملية الإنتخابية في سياقها السياسي الوطني المتسم بالفشل العام لنموذج سابق والذي أكد عليه رئيس الدولة... والسياق الإقليمي المتسم بالموجة الثانية للثوارات العربية المناهضة للفساد والاستبداد، والمتطلعة إلى آفاق جديدة في تدبير نظم السياسة والإقتصاد..
إن القفز عن هاته المعطيات، لن تكون إلا وقودا إضافيا لمزيد من الامتناع واليأس والسير نحو المجهول...
أغلب المغاربة فقدوا الثقة في المسار الانتخابي السابق وفلسفته وقوانينه سواء كانوا مسجلين أو غير مسجلين، وهذا واقع وباد في ظروف العيش ومكانة البلاد ومستواها الثقافي والاقتصادي والحقوقي حيث لا تغير صناديق الاقتراع من حال الأمة..
والمغرب وهو يهيئ تصورا تنمويا جديدا، لابد أن يشمل في مبادئه العامة واحدا من أهم الأسس التي ينبني عليها هذا النموذج، وهو الاستحقاقات الانتخابية والترسانة القانونية المؤطرة لها والمهام الجديدة الموكولة لها بناء على هاته الرؤية الجديدة التي ينبغي الأخذ فيها بتطلعات المغاربة ومقترحات قواهم الحية..
فماذا إذن، هيأتم للمغاربة كي يتسجلوا في لوائحكم الإنتخابية؟
ما الأمل الذي رسمتموه كآفاق لهذا الجيل الغاضب واليائس والضائع؟
لماذا يشارك الناس في لعبة مغشوشة لا تعبر عن حاجاتهم وطموحاتهم؟
فيم تنفع كل هاته الأموال المهدورة من جيوب دافعي الضرائب ليتربع على رأس البرلمان والجماعات والجهات وجوه ثبت في حقها التخلف والأمية والجهل السياسي وتجارة الدين والمخدرات ومن لا يمثلون غير أنفسهم ومصالحهم المتشابكة..؟ (دون تعميم طبعا)..
ماالحاجة إلى تكرار نفس الخطاب ونفس الطريق ونفس القوانين التي جعلت منا دولة في آخر سلم الترتيب العالمي بناءا على مؤشرات ومعايير مجالات التنمية المعتمدة دوليا؟
لماذا ندعو الناس إلى التسجيل والمشاركة في الحياة العامة وفي نفس الآن نقمعهم ونسجنهم ، ونقتطع من أجورهم الهزيلة...ونثقل كاهلهم بالضرائب... ونغض الطرف عن محاسبة المسؤولين عن خراب أمتنا، ونرفع أيدينا عن الخدمات العمومية الواجبة للدولة تجاه شعبها في التشغيل والتربية والتعليم والصحة والبنيات الأساسية..؟ لماذا..؟
في كل استحقاق تتفضلون بدعوة المغاربة الى التسجيل في لوائح محفوضة ومعلومة ومفهومة..لماذا؟ فلكل مواطن بطاقته الوطنية البيومترية التي تكفل له حق التصويت والترشيح متى ما ظهر له أن مشاركته سيكون لها تأثير حقيقي في رسم السياسات العمومية..
نعم ، سيشارك الناس إذا اطمأنوا على أن لصندوق الإقتراع ولأصواتهم ولاختياراتهم مكان في أجهزة ومؤسسات تمثلهم، ولا تمثل أقلية تستأثر بالقرارات والمؤسسات وثروات البلاد..في مقابل أغلبية تعاني الفقر والتهميش والحرمان والقمع..
قبل دعوة الناس إلى ما تنعتونه بالتسجيل في اللوائح المعلومة، تفضلوا بدعتوهم إلى إبداء آرائهم وتقييماتهم وانتقاداتهم ومقترحاتهم في كل هذا المسلسل برمته ليكونوا شركاء وصانعوا مصير ومستقبل المغرب الذي مرغت كرامته في التراب كل التجارب السابقة، والتي جعلتنا نتذيل الترتيب فيما يشبه السير نحو مصاف الدول الفاشلة..
لماذا لا يحتصن هذا المسار بقوانين جديدة تهم قانون الأحزاب ومدونة الانتخابات.. وطبيعة الاقتراع ، ألم يقل عاهل البلاد أن مسارنا التنموي كان فاشلا في السياسة والاقتصاد والاجتماع!!
ألا يعد مسار الانتخابات الذي يصنع المؤسسات الدستورية واحدا من هاته الأعطاب التي ينبغي مراجعتها بشكل جذري وعميق قبل دعوة الناس إلى التسجيل..؟
لماذا لا نفتح نقاشا عموميا وفي كل وسائل الإعلام حول جدوى المشاركة وأسباب العزوف وطبيعة الاقتراع والتصويت بالبطاقة الوطنية والتصويت الالكتروني والتصويت عبر الانترنيت، وإنشاء لوائح جديدة وشروط الترشيح وقانون الأحزاب والدعم العمومي وطبيعة الهيأة المشرفة على الانتخابات وكل ما يتعلق بهاته العملية المصيرية التي تهم حياة المغاربة ومستقبل بلادهم وأبنائهم..؟
بدون هاته المقدمات، لن يكون المسار القادم مسارا صحيحا ولن يعيد غير نفس الكوارث التي تعاني منها بلادنا اليوم..
لقد انتهى عهد الدوباج والماكياج، وانطفأت مصابيح الأمل، وأفلس مسار الثقة..وقد آن الأوان لعقلاء البلاد - اذا كان لايزال هناك من عقلاء - لإعادة ترتيب المداخل نحو بناء المغرب الجديد على أنقاض ما سببته السياسات السابقة من خراب وتخلف.