الخميس 12 ديسمبر 2019
كتاب الرأي

مصطفى المانوزي: حتى لا نكرر أعطاب التسويات السياسية الماضية

مصطفى المانوزي: حتى لا نكرر أعطاب التسويات السياسية الماضية مصطفى المنوزي

قد نتفق بأن الانتقال الديموقراطي لم يكن  ليستوعبه وعاء التناوب التوافقي، لأن التسوية  كانت عارية من أية ضمانات تعاقدية واضحة، لكن لم يكن ليبرر عدم انخراط  بعض مكونات الصف الديمقراطي والتقدمي، على الأقل بالمساندة النقدية أو المعارضة البناءة غير العدمية؛ ومادام نفس التقصير والتردد طال الانخراط المفترض في العملية السياسية  التي سميت لاحقا بالعدالة الانتقالية، فإن  التجربتين معا لم تدبرا بما يكفي من العقلانية والواقعية، حتى لا نؤكد مقولة "الفشل"، التي صارت مجرد ديماغوجيا لامتصاص النقمة بدعوى الاعتراف أو النقد الذاتي.

 

فرغم  التميز الإيجابي الذي  صنع الفرق بين عهدين سياسيين، حتى لا نقول منظومتين، بفضل بعض الطيف الحقوقي الذي تبني توصيات هيأة الانصاف والمصالحة، كثمرة تسوية سياسية بمقاربة حقوقية، مقتضياتها بلورت في مختبر المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف، بتأهيل ودعم من هيأة متابعة توصيات المناظرة الوطنية الأولى حول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، تسوية واقعية قابلة للتفعيل، لكونها استحضرت معطى تأجيل إثارة المسؤوليات الفردية مقابل الكشف عن الحقيقة حول ملابسات وظروف الانتهاكات الجسيمة التي عرفها العهد البائد  لسنوات الرصاص.

 

وبغض النظر عن اعتراف  الدولة، في شخص رئيسها الدستوري، بفشل  نمط  التنمية السياسية والاجتماعية الذي رافق العهد الجديد، فإنه مطلوب منا جميعا مرافقة هذا "الإقرار" السياسي بمزيد من اليقظة، لأن ما تحضر له الدولة ليس مشروعا مجتمعيا، ولا هو نموذج تنموي جديد، ولكن يمكن أن نفترضه نمطا بديلا للتنمية، تشترط فيه المقاربة التشاركية المسؤولة والجدية، في ظل توتر يسود قنوات التواصل المؤسساتية، انعكس على أدوار وفعالية الوساطات المدنية والسياسية والاجتماعية، بفعل فوبيا عودة رجال السكتة القلبية، مقترنا بفزاعة استرداد الدولة لهيبتها، بالموازاة مع استمرار هيمنة المد المحافظ في دواليب السلطة والثروة، مما يستدعي طرح مطلب ترسيخ الحكامة الأمنية والأمن القضائي، كدعامة لأي مشروع بديل.

 

لكن ما جدوى أي عرض سياسي دولتي للنمط التنموي البديل، إذا لم ترافقه تصفية البيئة الحقوقية وعودة إرادة الانفتاح والاعتدال والإصلاح داخل مربع الدولة بتقوية جناح الحمائم، وما لم ترافقه بنفس القوة تسويات داخل الصف التقدمي والديموقراطي، على خلفية تقوية قنوات الحوار وآلية  التواصل والتدبير السلمي والديموقراطي من أجل توليفة مندمجة وشاملة لشروط الانتقال الديمقراطي ولمزايا مقتضيات العدالة الانتقالية التي لم تستكمل بعد.