الأربعاء 4 أغسطس 2021
مجتمع

جدل ساخن بعد قرار جماعة مكناس بناء سوق للباعة المتجولين فوق مقبرة بالمدينة العتيقة

جدل ساخن بعد قرار جماعة مكناس بناء سوق للباعة المتجولين فوق مقبرة بالمدينة العتيقة قرار جماعة مكناس ببناء سوق بمقبرة للا الجميلية استند على فتوى للمجلس العلمي المحلي
قال تجار بالمدينة العتيقة بمكناس في تصريحات متفرقة لجريدة "أنفاس بريس" إن مشكل الباعة المتجولين تفاقم بشكل كبير في الشهور الأخيرة رغم إدماج مكناس ضمن مخطط تأهيل المدن العتيقة بغلاف مالي يبلغ 800 مليون درهم، حيث لم يعد يقتصر احتلال الباعة المتجولين لأهم مداخل الأسواق والدروب المواقع التاريخية بالمدينة العتيقة، بل طال أيضا ساحة الهديم، وهو ما يهدد بسحب مدينة مكناس من قائمة المدن المصنفة كتراث عالمي من طرف منظمة اليونسكو.
 
وكانت عمالة مكناس قد أعلنت في وقت سابق عن مشروع إيواء الباعة المتجولين بالمدينة القديمة بعقار للا الجميلية، والذي ليس سوى مقبرة تقع قرب ضريح الشيخ الكامل، بكلفة تقديرية تصل إلى 15 مليون و 153 ألف درهم، وقد تم فتح الأظرفة بطلب العروض الخاص بالمشروع في 12 دجنبر 2017 بعمالة مكناس، لكن هذا المشروع لا زال يثير الكثير من الجدل بمكناس، إذ يرى فيه التجار أنه مشروع فاشل قبل اكتماله، مؤكدين أنه سينضاف إلى قائمة المشاريع الفاشلة بعمالة مكناس، مقدمين مثال عدد من الأسواق النموذجية التي صرفت عليه الملايير، دون أن تتمكن مكناس من التخلص من أزمة الباعة المتجولين (مثال أسواق برج مولاي عمر والبساتين وسيدي سعيد التي تحولت إلى مرتع للجرذان) وتوقع تجار المدينة العتيقة الذي حاورتهم " أنفاس بريس" أن يتحول سوق للا الجميلية المرتقب إلى مجرد مخزن لسلع الباعة المتجولين، مشيرين إلى أنهم سرعان ما سيعودون إلى إحتلال مختلف مداخل وأسواق وشوارع المدينة العتيقة، وعلى رأسها شارع السكاكين، داعين إلى التعاطي الصرامة الكافية مع ظاهرة الباعة المتجولين من طرف السلطات المحلية، خصوصا أن عدد هام من التجار المستفيدين من دكاكين بالأسواق النموذجية في إطار المشاريع السابقة سرعان ما أقدموا على تقويت محلاتهم، مفضلين العودة إلى القطاع غير المهيكل.
 
من جانبها، قامت جماعة مكناس في دورتها المنعقدة في ماي 2017 بإدراج النقطة المتعلقة بالدراسة والموافقة المبدئية على إقتناء العقار التابع للأحباس ومساحته 11400 متر مربع ( مقبرة للا الجميلية)، وهو القرار التي تم تمريره من طرف الأغلبية في مجلس جماعة مكناس الذي تقوده " البيجيدي" لتخصيصه لإحداث سوق لإستيعاب الباعة المتجولين بالمدينة العتيقة، الأمر الذي أثار جدلا ساخنا بالعاصمة الإسماعيلية، بالنظر لكونه يشكل انتهاكا صارخا لحرمة أموات المسلمين، كما أن مقبرة " للا الجميلية " هي وقف عام لفائدة أموات المسلمين، وبالتالي لايجوز شرعا – حسب المنتقدين- تغيير مقصد محبسيه الى يوم الدين، معتبرين قرار مجلس مكناس باقتناء عقار مقبرة للا جميلية لإحداث سوق، باعتبارها " مقبرة مهجورة "، يعد انتهاكا لحرمة مقبرة المسلمين، خاصة أن إحداث هذا السوق لابد أن يصاحبه نصب للخيام والقياطين وانتهاك حرمة قبور المسلمين، عبر رمي الأزبال والنفايات، وإستعمال أبواق للموسيقى الصاخبة .
 
وقال أحد المواطنين الرافضين لقرار بلدية مكناس بإحداث سوق بمقبرة " للا الجميلية "، إن حديث مجلس جماعة مكناس عن كون المقبرة مهجورة مر على آخر دفن بها  أكثر من 40 سنة، غير مقبول مشيرا الى أنه لم يبلغ لحد الآن 40 سنة وكان شاهدا على غرار العديد من المكناسيين على دفن يومي للعديد من الأموات بمقبرة " للا الجميلية "، الواقعة بالقرب من ضريح الشيخ الكامل الذائع الصيت، في حين يرى البعض الآخر ان اعتماد مجلس جماعة مكناس على سند مرور أكثر من 40 سنة على تاريخ آخر دفن تم بالمقبرة، لا سند شرعي له ولا فتوى منضبطة لأصول المذهب المالكي وصادرة عن الهيآت الرسمية للإفتاء بالمملكة المغربية  أي المجلس العلمي الأعل، حيث ذهب فقهاء المالكية الى أنه لايجوز الإنتفاع بالقبور المندرسة إلا في في دفن الموتى فقط ، وأجاز بعضهم بناء المسجد فيها، ومنعوا وجوه الانتفاع الأخرى.
 
في حين ذهب البعض الآخر إلى أن مجلس جماعة مكناس ونظارة الأوقاف قاما بخرق مقتضيات مدونة الأوقاف، وخاصة المادة 51 التي جاء فيها " يترتب عن اكتساب المال لصفة الوقف العام عدم جواز حجزه أو كسبه بالحيازة أو بالتقادم، وعدم جواز التصرف فيه إلا وفق المقتضيات المنصوص عليها في هذه المدونة ".
 
و بالرجوع إلى أحكام الفقه المالكي، فالراجح فيها أن الصفة الحبسية تثبت بمجرد الدفن، لأن القبر حبس على صاحبه ما دام فيه، وفقا لما أكده فقهاء المالكية، و يترتب على هذا الحكم منع الإنتفاع بالمقبرة و لو مرت عليها سنوات طويلة، إلا لمصلحة ضرورية و بشروط تحفظ للميت حرمته.
 
وجاء في المادة 50 من مدونة الأوقاف الصادرة في 8 ربيع الأول 1431 الموافق ل 2 فبراير 2010 على أن جميع المساجد والزوايا والأضرحة والمقابر الإسلامية ومضافاتها والأملاك الموقوف عليها تعتبر وقفا عاما بقوة القانون على عامة المسلمين، كما جاء في المادة 169 التي تنص على " كل ما لم يرد بشأنه نص فيها يرجع فيها إلى أحكام المذهب المالكي فقها واجتهادا لما يراعى فيه تحقيق مصلحة الوقف".
 
وقد حاول مجلس جماعة مكناس تهدئة الغضب الشديد لساكنة المدينة العتيقة، بالإستناد على فتوى للمجلس العلمي المحلي بمكناس، علما أن إصدار الفتاوى يبقى موكولا حصرا للمجلس العلمي الأعلى، بمقتضى الفصل 41 من الدستور : " يعتبر المجلس العلمي الأعلى الجهة الوحيدة المؤهلة لإصدار الفتاوى التي تعتمد رسميا.." .
 
في نفس السياق، وبالعودة الى كتاب نقيب الشرفاء العلويين سيدي عبد الرحمان بن زيدان مؤرخ الملوك العلويين رحمه الله في كتابه " الدرر الفاخرة " نجد أن الملك الراحل محمد الخامس رحمه الله، تنبه الى عبث العابثين، فأمر ببناء سور واقي لمقبرة القطب الكامل سيدي عبد الهادي بنعيسى من عبث العابثين أي مقبرة " للا الجميلية " لتفادي إهانة كرامة الموتى عبر نصب الخيام والقياطين وتعميرها بالرجيع والأرواث من غير احترام للمقبرين بها " وهو الأمر الذي استقبحه آنذاك الملك الراحل وعده من الإمتهان والإحتقار بحرمة المسلمين، وأفتى بعدم حليته شرعا ولا طبعا، وأمر باشا مدينة مكناس آنداك أحمد السعيدي وناظر الأوقاف أحمد الصبيحي وممثلي بلدية مكناس بأن يبنى سور واقي للمقبرة حتى لا يموج أحد في مقابر المسلمين، مع تشكيل لجنة لتتبع الموضوع.
 
وبالرجوع الى الإجتهاد القضائي، نجد أن القضاء  المغربي تدخل حفاظا على الأملاك الوقفية و حمايتها، متى تبين صحة وجودها، حيث جاء في قرار صادر عن محكمة النقض بتاريخ 18 شتنبر 2012 عدد 4045 في الملف المدني عدد 2011/8/1/446، أن المقابر هي أحباس بطبيعتها، و لا تحتاج لأي حجة، بعد أن تقدمت مديرية الأملاك المخزنية بمطلب لتحفيظ الملك المسمى مدرسة صلاح الدين الأيوبي، بحي القشريين بمدينة وزان، وهو ما تعرض عليه جزئيا ناظر أوقاف وزان تعرض بعد تقديمه لمطلب تحفيظ مقابر القشريين، حيث ناظر الأوقاف تعرضه بموجب لفيف حبسي بعدد 192 صحيفة 170 بتاريخ 11/02/2009 يشهد شهودهم بأنهم يعرفون كون المدرسة شيدت فوق مقابر لدفن أموات المسلمين، في حين أكدت مديرية الأملاك المخزنية ملكيتها للمتنازع فيه بمحضر استكشاف مخزني منبثق عن اجتماع اللجنة الإدارية المنعقد بتاريخ 23/05/2005 ، و نسخة من تسجيل الملك بكناش المحتويات.و بعد طرح  الملف على أنظار المحكمة الإبتدائية و إجراء معاينة، و بحث تعذر القيام به لعدم حضور الشهود، قضت بصحة التعرض المقدم من طرف مدير الأملاك المخزنية، ضد مطلب التحفيظ المقدم من طرف ناظر الأوقاف، استأنفه هذا الأخير، فأيدته محكمة الإستئناف، بعد ذلك قامت نظارة الأوقاف بالطعن بالنقض في هذا القرار لخرقه قواعد الشريعة الإسلامية ، فصدر قرار لمحكمة النقض قضى بنقض القرار المطعون فيه بحجة أن المقابر تعتبر من الأحباس العامة بطبيعتها، ولا تحتاج في إثباتها كملك حبسي لأي بينة شرعية.