الأحد 8 ديسمبر 2019
مجتمع

في ذكرى عيد المولد.. ضريح الشيخ الكامل بمكناس يتحول إلى محج للطوائف العسياوية

في ذكرى عيد المولد.. ضريح الشيخ الكامل بمكناس يتحول إلى محج للطوائف العسياوية الأذكار والقرآن والتوسلات تخيم على مكناس في عيد المولد النبوي الشريف

"الله.. الله.. الله يامولانا.. الله... الله.. الله.. والغني مولانا، بسم الله باش نبدا راه عندي مختارة.. بسم الله باش نبدا راه عندي مختارة.."... على غرار هذه المقاطع وغيرها تدخل الطوائف العيساوية، القادمة من مختلف المناطق المغربية إلى العاصمة الإسماعيلية مكناس متجهة صوب ضريح الشيخ الكامل مؤسس الطريقة العيساوية، مزهوة بلباسها البهي من "الحنديرة" الصوفية الحمراء المزينة بـ "الموزون" والجلابة والقشابة، وهي تردد الأذكار والقرآن والتوسلات التي تصاحبها نغمات موسيقية من الطبول والمزامير والدفوف والطعارج وحركات راقصة للعيساويين، احتفاء بذكرى عيد المولد النبوي الشريف، بدءا من يوم الأحد 12 ربيع الأول 1441 هجرية الموافق لـ 09 نونبر 2019، وهي تردد الأذكار والتوسلات والأدعيات التي تمتزج بموسيقى من المزامير والطبول والدفوف وطقوس خاصة في الأداء، تعطي طابعا فرجويا بديعا ومشاهد مسرحية رائعة..

 

إنه موسم الشيخ الكامل، الذي تحول، منذ قرون خلت، إلى محفل سنوي يستقطب الآلاف من الزوار ومريدي الطريقة العيساوية التي تعد من الطرق الصوفية الذائعة الصيت في المنطقة المغاربية، بل وتعدى ذلك إلى أرض الكنانة. يقول عنها مؤسسها الشيخ الكامل: "طريقتنا لا تدخل في قلب قاسٍ، ولا في جسم عاصٍ، ولا في عقد جاهل، ولا تُدرك بالقياس، ولا هي خارجة عن الكتاب والسنة، بل هي حكمة عُليا وموهبة أوليَّة على السنة والنية ومُسَاقة على أثر الأنبياء والأولياء".

 

ولعل أجمل ما في موسم الهادي بنعيسى بمكناس هو الطابع الاحتفالي المتميز، والذي يبرز الجانب الفني للظاهرة العيساوية، ويشد الجمهور كأنه عرض مسرحي رائع، إذ يعد المظهران الصوفي والتعبدي وكذا الفني والجمالي، مكونين بنويين في الظاهرة العيساوية، وهو ما يمنحها الطابع الاحتفالي، خاصة في شهر ربيع الأول، تاريخ إحياء موسم المولد النبوي بمكناس.. ولعل العنصر الفني البارز في الطريقة العيساوية هو الموسيقى التي تصاحب الأذكار والأناشيد، سواء في الليلة العيساوية أو خلال موسم عيد المولد النبوي، حيث ترتفع الأصوات أحيانا وتعود وتيرتها فتعتدل وتتلون في التلحين والأداء بشكل فني وتحضر في هذا الأداء مجموعة من الآلات الموسيقية: الطعارج، النحاسة، المزامير، الغيطة، الطبول، النفير، تبعا لبناء وتدرج مكونات الليلة العيساوية.. فالذكرات تكون بالطعارج فقط، لكن في مرتبة منها يستعمل النفير (مثلا آخر فقرة من الذكر)، ثم هناك أيضا مرتبة وما الحرم إلا قصيدة تضرع للحماية بحرم رسول الله يقول مطلعها :

"الحرم يا رسول الله.. الأمان يا حبيب الله.. الحرم جيت عند قاصد يا سيدي رسول الله..". ويقوم "الحضارة" للرقص عليها بتأثير من إيقاعات البندير والطبيلة والطاسة والتعارج.. تارة إلى الأمام وتارة إلى الخلف، في  صف واحد، ويقف أمامهم "العلام" (وهو واحد من الفقراء يومئ لهم بالحركات والكلام). ثم مرتبة الدرقاوية "أيا بابا وانا خديم سيدي رسول الله يلا رضى لي"؛ ومرتبة حد في الذكر العيساوي "يا احد يا رحمان"..

 

ولعل نغمات الطبول والإيقاعات تكون ألوان من الحضرة أو الرقص هو ما ينقلنا من الموسيقى كإطار فني إلى عنصر آخر، وهو الجانب الفني المتعلق بالحركة الجسدية التي يتم توظيفها في الطريقة العيساوية تماما مثل العبادة التي تحضر فيها الحركات الجسدية الحج مثلا (السعي نحو الصفا والمروة) ، الصلاة التي ليست إلا مجموعة من الحركات (قيام ركوع سجود جلوس..)؛ لكن الحركة في الطريقة العيساوية تقترن بالموسيقى وايقاعات مختلفة تجمع تحت مصطلح "الحضرة"، وهي أنواع، مثلا "الحرم يا رسول الله.." تتم فيها الحضرة بهدوء ثم ترتفع لتصل إلى قوة أكبر عندما نصل إلى "الفريسة" في الظاهرة العيساوية التي يتشبه فيها العيساويون بأنواع من الحيوانات والوحوش في حالة صيد وافتراس. لذلك نجد ظاهرة "السبع" و"اللبيات" و"الذيب" كمصطلحات عيساوية، ويحاول الذئب أن يستعمل القناع كعنصر مسرحي، مما يضفي طابعا من الفرجة... وهي الطقوس التي غابت عن احتفالات عيد المولد في السنوات الأخيرة؛ ثم هناك "الهدية" في موسم المولد النبوي كعنصر من الشعائر الدينية؛ حيث تكون الهدايا عبارة عن تيران فحول مزينة بالحناء وأغطية بيضاء وألوان خضراء، كما تحمل الزرابي والشموع في موكب مهيب نحو ضريح الهادي بنعيسى مؤسس الطريقة.

 

وتكون "الخرجة" من بيت المقدم نحو ضريح الشيخ الكامل المتواجد بالمدينة العتيقة لمكناس، وعلى امتداد سبعة أيام تجد طائفة تلو الأخرى تعبر شوارع المدينة وهي تشكل صفوفا متراصة والكل يؤدي رقصة "الحضرة" في عفوية تامة وانسجام، وهم يرددون الأذكار الربانية مع نغمات الموسيقى العيساوية وإيقاعاتها؛ وتساق الهدايا إلى الضريح تقربا إلى الله تعالى وتوسعة عن الناس والمريدين والزوار. لكن العنيف فيها هو التمرغ الذي نلاحظه في الذبح أو شرب الدماء،..

 

إنه التمازج الجميل بين الجانب الفني والجمالي والجانب الصوفي الذي تصنعه الطريقة العيساوية.