الجمعة 6 ديسمبر 2019
اقتصاد

محمد حركات: مفارقات الرتبة 53 عالميا في مناخ الأعمال وظاهرة تزايد إفلاس المقاولات

محمد حركات: مفارقات الرتبة 53 عالميا في مناخ الأعمال وظاهرة تزايد إفلاس المقاولات د. محمد حركات

"إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ"، (سورة القصص)...

الحقيقة التي لا يمارى فيها أحد، هو أن تحسن مؤشرات التنمية الدولية تلعب دورا أساسيا في جذب الاستثمار الخارجي كدعامة للدبلوماسية الاقتصادية الجديدة في خلق فرص الشغل، وتجويد نوعية الصادرات وتحسين وضعية الميزان التجاري، والقدرة التنافسية في غزو الأسواق الخارجية، وتحقيق التنمية الشاملة في البلاد.

 

غير أنه لا يمكن لنا أن نتكلم اليوم عن تحسن مناخ الأعمال بدون ربطه  بكافة مؤشرات التنمية الإنسانية الدولية وغيرها، وطرح الآثار الملموسة للترتيب الدولي وآثاره على تحسن نوعية الاستثمار وقيمته المضافة، وتجويد الإنتاج وخلق الثروة والنمو، ونحن نقفز من الدرجة 128 عام 2010 إلى الدرجة 53 عام 2020 من خلال تبني 31 إصلاح وربح 75 رتبة. وهذا إيجابي عندما يكون هذا التأثير فعليا على تطوير منظومة الانتاج، فكرا وممارسة.

 

غير أنه يمكننا أن نتساءل عن مدى موضوعية وحياد هذا الترتيب، الذي منحه لنا البنك الدولي في هذه الرتبة بالذات، ونحن في علاقة تبعية تمويلية له؟ باعتبار أنه  هو موردنا  الأساسي.

 

فما هي مخاطر هذا الترتيب بحكم هذه التبعية الاقتراضية؟ وما هي حدود الخطاب الإيديولوجي الذي يريد أن يمرره البنك من خلال هذا الترتيب المتقدم الذي حصلنا عليه؟ ألا يشكل هذا الترتيب عربون اعتراف بحسن سلوك الحكومة في الامتثال لتوصياته والإخلاص في أداء الديون الخارجية؟

 

الواقع أن التكلم عن تحسن مناخ الأعمال لا ينبغي أن يصدنا عن معرفة حقيقة وقدرة هذا الترتيب على مواجهة الهشاشة المتزايدة للاقتصاد الوطني وعدم قدرته اليوم، حسب كل التقارير، سواء منها الوطنية أو الدولية، على خوض غمار المنافسة الدولية في مجال التصنيع وامتلاك التكنولوجيا، مادامت تجارتنا الخارجية أصبحت تعاني، منذ عدة سنوات، من عجز بنيوي.

 

كما لا تتعدى احتياطات العملة الصعبة، حسب تقديرات بنك المغرب، 239 مليار درهم عام 2019 والتي ستنخفض إلى 234 مليار درهم عام 2020، وهي لا تغطي اليوم إلا  5 أشهر من الواردات. فضلا عن معضلة  المديونية 91% من الناتج الاجمالي، وتنامي ظاهرة إفلاس المقاولات المغربية (حسب بعض الإحصائيات المقلقة كما أوردتها جريدة "ليكونميست" فإن في كل ساعة يتم فيها إفلاس شركة)، حيث شمل الإفلاس 2988 مقاولة عام 2015، ليرتفع إلى 4104 حالة إفلاس في بداية 2019. وتسارع هذا الإفلاس خلال ستة أشهر الأخيرة بنسبة تفوق 9%، ليصل إلى ما يقدر في 4500 إفلاس.

 

الظاهر أن هناك قطيعة مع مؤشر الترتيب الدولي للمغرب في رتبة 53 وواقع المقاولات المغربية، لاسيما في ما يتعلق بتعثر العدالة التجارية وتوتر خزينة هذه المقاولات وحكامتها.

 

على سبيل المثال، استنادا دائما لجريدة "ليكونميست"، عرفت أكثر من 1200 مقاولة عقارية الإفلاس عام 2019. والشركات المتضررة تنتمي إلى قطاع التجارة (2022 إفلاس)، والبناء والأشغال العامة 895 إفلاس.

 

بإيجاز شديد، التجارة والعقار وشركات البناء والأشغال العامة، تمثل نسبة 72% من هذا الإفلاس المتزايد.

 

لهذه الأسباب وما يكملها، نهمس في مسامع الحكومة التي روجت كثيرا لترتيبنا الدولي الجديد في مجال مناخ الأعمال، إن المناخ الحقيقي للأعمال هو الذي يوجد على الأرض، ويفرح كل الفاعلين الاقتصاديين. لذلك لا  يجوز، على ضوء الوقائع المذكورة، أن تفرح الحكومة وحدها، وإلا سيكون حكمها، حسب ما جاء في قصة قارون، "إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ".