الأحد 15 ديسمبر 2019
منبر أنفاس

خالد فتحي: حسابات التعديل الحكومي

خالد فتحي: حسابات التعديل الحكومي خالد فتحي
لم يكن مخاض التعديل الحكومي سهلا على النحالف الحاكم، فالعثماني كان مطالبا باستقطاب كفاءات من خارج الأحزاب لتدارك العجز البين في الاداء الحكومي و من ثمة تلبية الأمر الملكي بضرورة ضخ روح معنوية جديدة داخل البلاد، وكان عليه في نفس الآن تقليص عدد الحقائب الوزارية للظهور بمظهر من يقدر دقة هذه المرحلة التي يمر بها المغرب.
ولذلك وبالمنطق الرياضي لم يكن هناك مناص من سقوط ضحايا و تبني ترتيبات جديدة، لنبدأ بأول الراحلين حزب التقدم والاشتراكية ... أضعف حلقة في الحكومة الآفلة . هذا الحزب استبق الاستغناء عنه او الاحتفاظ المذل به بالخروج تلقائيا من عربة الحكومة متأسيا بقول الشاعر:
اذا ترحلت عن قوم وقد قدروا- ألا تفارقهمو فالراحلون هم .
هذا الحزب كان دون فريق نيابي، و كانت وظيفته المنبرية قد انتهت. وكان يعيش منذ زمن خريفه السياسي بعد ان شحت الغنائم والأسلاب، وتوالت عليه إشارات سلبية تؤذن بنهايته حكوميا، ولربما تمهد لاندثاره شعبيا كما يتوقع له الآن بعض مخلصيه، ومنها اقالة امينه العام، ووزيره الوردي ثم التخلي بعد ذلك عن وزيرته في الماء. ناهيك عن تذمر الناس وطفحهم بالشكوى من النتائج الكارثية التي خلفها تسييره لعدد من القطاعات ابرزها كانت وزارة الصحة.
انه ايضا الحزب الذي عاش حالة من اليتم والاغتراب داخل الحكومة بعد ذهاب رئيس الحكومة السابق بنكيران الذي ألقمه وزارات أكبر من حجمه الانتخابي محققا به نوعا من اختراق اليسار والكتلة معا .و الحزب ذو المحتد الشيوعي الذي تنكر لليسار ليصبح ناطقا باسم اليمين الإسلامي مسبغا عليه أوصاف التسامح والتفتح وقبول الآخر التي يظنه (يحتاج) إليها .
ولذلك تمرد مجبرا بعد أن صارنصيبه من الكعكة وزارة يتيمة لا تليق( بتضحياته) أو بتخلياته .وتلوك بعض الألسنة الصادقة أن السبب في نكبة هذا الحزب ضرة قاسمته نفس الاصل التجاري عفوا الايديولوجي .
الاتحاد الاشتراكي الذي أصبح تقدم واشتراكية العثماني ولكن دائما بدهاء يتيح له إن يستفيد من عدم حدية الرجل، فلشكر يعرف كيف يستفيد من تجربة زواج رفيقه اللدود نبيل بن عبدالله مع الإسلاميين ويستمر بدلا عنه في الحكومة ولو أصبح صفرا على يسارها. ولذلك أنهى بزواجه الثاني الزواج الأول للتقدم والاستراكية مع الإسلام السياسي. فكلنا يتذكر المناكفات والكيد الذي كان بين الرفيقين طيلة الرحلة الحكومية. لكن الاتحاد الحالي ذو الطبع المختلف، الذي لايضع كل بيضه في سلة الإسلاميين، لأن تاريخه الذهبي يهيئ له موقع تفاوض أفضل كان يحصنه من أن يذوب فيهم كسابقه، الا انه هذه المرة قد ضاقت عليه الحكومة بما رحبت أول ما قلت ولذلك هو يحرص أن يظل هذه المرة ولو بحضور رمزي كضابط إيقاع كما يظن نفسه حكومة حاليا لما يعتبره من الحداثة والمشروع الديموقراطي، لكانه صار يخاف المعارضة ويعشق الكراسي ولو لم تكن وثيرة.
انهك الحكم الببساويين إذن حتى أنهم هرموا فيه،22 سنة بالتمام والكمال. ولذلك هم يحتاجون لراحة بيولوجية تمكنهم من استرضاء اليسار وصياغة خطاب جديد قد ينطلي مرة اخرى على المغاربة في أمد غير منظور. و بالأساس بعضهم مرة أخرى على قارعةالطريق بانتظار عودة بنكيران او حتى قطع شعرة معاوية مع العدالة والتنمية أن لم يعد.
وهو مايعني الاستعداد لكل الاحتمالات التي تعني الانخراط في الترتيبات والفرص القادمة .أنه هكذا حزب كغيره من الأحزاب يخلط الخيارات امام الشعب: نواب أعيان سوسيولوجيا لا تربطهم صلة بخطابه المذهبي على زمن الرواد من أمثال يعته و بلال ، حزب قد اضحى كل مبلغه من السياسة بلوغ الحريات الفردية التي هي من صميم الفكر الليبرالي الذي كان يناهضه نظريا بالطبع.
الحركة الشعبية.. هذا الحزب الذي لا لون ولا طعم ولا رائحة له ...أصابتها متلازمة توتر فقدان المناصب الريعية من دواويين وغيرها ،فكان ماكان من سب وركل ورفس في مؤتمر شبيبتها ،مما ينفر المواطن المغربي سنوات ضوئية اخرى من السياسة والأحزاب. الحزب الذي يتقن من السياسة فن الصباغة .ولا يطعم من اطره الا من كانت امه في العرس أو في الكانون.ولذلك طار الأعرج رغم كفائته ودماثته بعد أن لم يتوفر داعمون له.
حزب الأحرار ربما لا تكفيه المناصب الشحيحة الحالية و التي لا تساوق آماله في قيادة الحكومة مستقبلا، لكن هذا يحرر أخنوش من تبعات فشلها في انتظار اختبار 2021، و حتى اذا نجحت النسخة الثانية وحققت بعض الإنجازات ،فهو نجاح لمنظور الاحرار في السياسة الذي يركز اكثر على الأطر. ولذلك يمكن القول أن هذا الحزب لا يعنيه كثيرا هذا التعديل بقدر ما تعنيه الحكومة القادمة .
اما عن العدالة والتنمية .. وهو الحزب الذي لاتساوى حسابات الحقل عنده حسابات البيدر ، يفرك يديه فرحا كلما قارن نعمته بنكبات احزاب الإسلام السياسي على طول بلدان الربيع العربي ،ولعله يعي أن لا أطر لديه من الصف الثاني قادرة على مواصلة المشوار، ولذلك قرر الجيل الأول أن يجني كل ثمار الدعوة، وولو قطع دابر هذه التجربة . هو يعرف أنه لم ينجح في الحكم كما كان يمني المغاربة من خلال خطابه النظري. ولذلك قرر ان يغنم تطبيعا لحضوره في المشهد السياسي فقط، ولو تم ذلك بالتنكيل بمن صوتوا عليه . لان ذلك مايؤرقه فعلا. ولعله اهتبل الفرصة فوزر رئيس شبيبته لترتيب البيت الداخلي وتمثيل الشباب .ولعله يعي ايضا أن التقنوقراط الذين أصبحوا ثاني حزب في الحكومة إنما يمثلون أولئك الممتعضين والحانقين على السياسة الحكومية المتعثرة العاجزة عن إيجاد الحلول الناجعة لتحسين عيش الناس بل ويمثلون حتى المتعاطفين ممن خاب املهم في الحزب الملتحي والأطر التي لم يستمل قلوبها العمل داخل الأحزاب .
ربما تكون هذه المحاصصة الحاصلة الان
بين العدالة والتنمية وبقية احزاب التحالف مجتمعة و التقنوقراط هي المعبر الحقيقي عن الخريطة السياسية الحالية سنة 2019 بعد فشل الحكومة في الإنجاز واحباطها للناس .فهل ينسى الوزراء المتحزبون في الحكومة الجديدة الانتخابات المقبلة، وينظروا لما بين أيديهم من ملفات حارقة وينفسوا هذا الاحتقان الذي يخنقنا كما أمر صاحب الجلالة وكما ينتظر منهم الشعب؟. وهل تغتنم الأحزاب سواء في الحكومة اوالمعارضة الفرصة خلال هاتين السنتين ،وتشتغل على برامج مستقبلية فعالة وقابلة للتطبيق ومتناغمة مع النموذج التنموي القادم. برامج خلاقة مبدعة مبتكرة وخارجة عن المألوف أننا نتمنى صادقين أن يتحقق ذلك، وإلا فسنكون امام معضلة هجر الناخبين لصندوق الاقتراع. وتلك اشكالية علينا توقيها من الآن لإيقاف الهدر السياسي .