الثلاثاء 19 نوفمبر 2019
سياسة

أريري: الطوبيس بالدارالبيضاء .. قصة حرب بين جنيرال ووزير

أريري: الطوبيس بالدارالبيضاء .. قصة حرب  بين جنيرال ووزير «الطوبيس» كان سلاحا في الحرب الشرسة بين الجنيرال القادري وإدريس البصري
في أوج المواجهة بين الجنيرال القادري، المدير العام للمخابرات العسكرية، وإدريس البصري، الرجل القوي في عهد المرحوم الحسن الثاني، تم أخذ سكان الدار البيضاء كرهينة واستعمل «الطوبيس» كسلاح في الحرب الشرسة بين الرجلين اللذين كانا «يقتتلان» حول من سيمطط نفوذه وسلطته ليحكم القبضة على قلب المغرب: أي الدار البيضاء التي كانت تشهد فورة عقارية واقتصادية كبرى في أواسط الثمانينات وبداية التسعينات من القرن العشرين. هذه المواجهة تجلت بالأساس في من سيكون الرابح من تغيير المدار الحضري للدار البيضاء وتوسيعه من حدود شارع عبد القادر الصحراوي: من ملعب تيسيما وامتدادا إلى طريق الكارة، ثم إلى ما وراء الهراويين (المدار الطرقي الجنوبي الحالي).
توسيع المدار الحضري أزم الوضع بالبيضاء آنذاك بسبب حالة الافتراس التي وقعت بين أرباب الأقطاب الاقتصادية والعقارية الدائرة في فلك كل مسؤول، ورغبة كل طرف في أن يؤمن لحوارييه الفرص الذهبية لشراء العقارات المحيطة بحزام الدارالبيضاء بأبخس الأثمان، حتى إذا «هل هلال» تغيير المدار الحضري يكون الوعاء العقاري قد تمت تصفيته ويكون الوعاء مرشحا لأن تشمله وثائق التعمير بالرغبات التي تخدم الدائرين في الفلك المحظوظ. هذا الصراع بين أجنحة السلطة عطل البت في عدة قضايا لكون الدار البيضاء كانت مسلوبة الإرادة.
ورغبة من إدريس البصري في لي ذراع الجنيرال القادري، عمد البصري إلى استغلال موقعه كوزير للداخلية ووصي على الجماعات المحلية بوقف “الروبيني” عن الوكالة المستقلة للنقل الحضري للدارالبيضاء وحرمها من التمويل المعتاد حتى تخنق، لسبب بسيط يتمثل في أن المدير العام للوكالة المستقلة آنذاك كان هو فيصل القادري، أخ الجنيرال القادري.
قرار البصري تجفيف منابع تمويل “وكالة الطوبيس” كان الغرض منه تكسير عظام الجنيرال القادري من جهة، وإبراز أن أخاه فيصل مدير فاشل ولا يصلح لتسيير الوكالة المستقلة، وبالتالي تأجيج الغضب ضده ودفعه للاستقالة من جهة ثانية.
سياسة التجويع
هناك أربعة عوامل ساعدت البصري في خطته لـ «تجويع وكالة القادري»:
أولا: ان البصري كان هو المتحكم في ميزانية مديرية الجماعات المحلية، مع ما يعنيه ذلك من «قتل» أو «إحياء» أي مرفق، بحكم أن مديرية الجماعات تعد «دولة داخل دولة» ولا تحظى برقابة فعالة من طرف الأحزاب والنخب، مما يسهل على وزارة الداخلية التصرف في تلك الاعتمادات المالية الهائلة وفق المصالح السياسية المرسومة.
ثانيا: كان البصري هو الآمر والناهي في الإدارة الترابية مع ما يمنحه هذا الامتياز من إمكانية تحريك الإدارة الترابية لشبكة من عملائها لدفع هذا الفصيل النقابي أو ذاك ضد مسيري الوكالة المستقلة وتلغيم المؤسسة من الداخل بالإضرابات والاحتجاجات.
ثالثا: تحكم الوزير القوي في قانون السخرة، وهو القانون الذي يبيح للسلطة تسخير “الكيران” لتوظيفها وقتما شاء في كل إضراب لعمال الوكالة المستقلة ليبرز البصري في صورة الرجل المنقذ من الضلال ومن الفوضى.
رابعا: تحكم الداخلية في ريع الكريمات جعلها تغرق الدارالبيضاء بالطاكسيات (الكبيرة بالخصوص) لوأد قطاع النقل الحضري وتضييق الخناق على فيصل القادري، وبالتالي إرسال الميساجات لأخيه الجنيرال القادري أن المدينة مطوقة.
وبعد أن وصل “الفاس للرس” وتم تتويج إدريس البصري «إمبراطورا على الدار البيضاء»، اضطر فيصل القادري إلى التنحي عن الوكالة المستقلة للنقل الحضري وعين البصري أحد أطره: عبد اللطيف الشذالي، الذي استقدمه من مسجد الحسن الثاني. وما أن تسلم الشذالي زمام الوكالة المستقلة للنقل بالبيضاء حتى حوّل البصري اعتمادا ماليا استثنائيا هائلا، مكن الوكالة آنذاك من شراء 100 حافلة مستعملة تم استيرادها من فرنسا.
الطوبيس: ملف سيادي!
وهكذا تم استفراد الداخلية بالنقل الحضري وأحكمت طوقها على القطاع بشكل نهائي، مما ولد القناعة لدى الرأي العام أن ملف “الطوبيس”، وملفّ النقل الحضري في البيضاء بشكل عام، هو “ملف سيادي” تتصرف فيه الدولة -في شخص الداخلية- ونفضت النخب والجماعات المحلية والأحزاب والمنظمات المدنية يدها عن الموضوع اللهم صراخها من حين لآخر لاستجداء تدخل عمومي مركزي لإطفاء غضب طلابي أو إسكات احتجاج شعبي بحي قصديري او هامشي، وهو ما لم يسمح للأحزاب وللنخب أن تراكم أي خبرة في المجال ولم تراكم أي دراسات في الموضوع أو تتوفر على مقترحات عملية وقابلة للتنفيذ .
بعد وفاة المرحوم الحسن الثاني صيف 1999 وبداية عهد جديد، وما ميزه من إقالة ادريس البصري في نونبر من نفس العام، انصرف العقل العام للدولة إلى ملف استراتيجي، ألا وهو تفكيك امبراطورية إدريس البصري بقلب المغرب الاقتصادي: أي الدار البيضاء. فتم في مطلع يناير 2000 تعيين مولاي سليمان العلوي واليا على العاصمة الاقتصادية، وهو الوالي الذي كان كناش تحملاته الرئيسي الإشراف على تفكيك الإمبراطورية البصراوية. وهو ما تم بإقالة عبد المغيث السليماني من رئاسة المجموعة الحضرية، وما تلا ذلك من محاكمات للسليماني ولمنتخبين ورجال أعمال وللعامل العفورة وغيرهم من الأطر.
في هذه الفترة لم يكن مسطرا في الأجندة العمومية تحسين شروط عيش السكان أو تجويد مرفق النقل الحضري بالدار البيضاء بقدر ما كانت الأولوية تطهير المدينة من كل ما يرمز لإدريس البصري في كل المناحي.
وحين تأتى للدولة ذلك، تولد الأمل لدى المتتبعين أن السلطة المركزية والنخب المحلية ستتصالح مع الدار البيضاء ومع أعطابها وستتفرغ لإشكالية التنقل والنقل والجولان، لكن للأسف تبخر الأمل، لأن العقل العام للدولة ابتدع هندسة انتخابية جديدة ونمط اقتراع جديد وأحدث انقلابا في البناء المؤسساتي الترابي بتبني نظام وحدة المدينة واعتماد الاقتراع اللائحي عام 2003.
هذا الانقلاب أرعب النخب الحزبية التي انشغلت بالبحث عن السبل لضمان موقعها في رأس اللوائح الانتخابية بدل الانشغال بصياغة مشروع للمدينة تتبناه وتترافع من أجل تنزيله على أرض الواقع. فأضاعت الدار البيضاء الفرصة بسبب الدسائس بين الإخوة والرفاق والمناضلين في هذا الحزب أو ذاك.
بتنصيب محمد ساجد عمدة للدار البيضاء (لولايتين) ازداد تباعد النخب والأحزاب عن الملفات الحارقة للدار البيضاء وعلى رأسها النقل الحضري الذي ظل ملفا تدبره الداخلية شرعا وبقوة الأمر الواقع بالنظر إلى أن ساجد كان “عمدة لكاليفورنيا” وعمدة للوبي المالي والبنكي والاقتصادي ولم يكن عمدة للعاصمة الاقتصادية.
موازاة مع ذلك كان الأصوليون يتمددون في أحياء البيضاء وهوامشها مستفيدين من المد الوهابي والإخواني الذي بسط هيمنته على البيئة العامة بالمغرب ككل من جهة، ومستفيدين من صفقة صامتة وسرية مع العمدة ساجد (في الولايتين معا) مفادها أن الأصوليين يصوتون على قراراته ويحافظون على تماسك أغلبيته ويباركون انخراطه كعمدة يدافع عن مصالح اللوبيات الكبرى مقابل أن يترك لهم الهوامش واسعة في التحرك لقضم مساحات في جغرافية الانتخابات بالبيضاء ووضع رهن إشاراتهم مختلف اللجن والآليات المحلية (عدة وعتادا ومالا عاما) حتى تجذروا ونجحوا في خلق قلاع انتخابية بفضل موارد البلدية ومالها ودون أن يصرفوا درهما واحدا من مالية التنظيمات الأصولية.
الأصولية الريعية
لما جاء الأصوليون إلى الحكم وحازوا الأغلبية الكاسحة (أغلبية المقاعد وليس أغلبية أصوات الناخبين المسجلين) في البرلمان والحكومة ومجلس مدينة الدار البيضاء ومقاطعاتها 16، لم يتم إرجاع ملف النقل الحضري إلى نخب الدار البيضاء ولأحزابها مرة أخرى، لسبب بسيط مفاده أن هاجس الأصوليين ليس هو تحقيق الرفاهية لسكان الدارالبيضاء والانكباب على محاور الحياة اليومية لإيمانهم أن وصولهم لمراكز القرار إنما لتحسين أوضاعهم الشخصية وتحسين مستواهم المعيشي ومستوى مريديهم. وبالتالي تركوا الحبل على الغارب وتنصلوا من كل مسؤولية في تدبير المرافق العمومية بالدار البيضاء في النظافة وفي النقل الحضري وفي التهيئة الحضرية وفي الإنصاف المجالي وغيرها. فظلت الداخلية تدير ملف النقل الحضري بالدار البيضاء (وغيره) وتشرف على مدخلاته ومخرجاته، ومع تغيير الولاة والعمال بالدار البيضاء واللااستقرار المؤسساتي بمديرية الجماعات المحلية وبالمديريات المركزية بالوزارة، بقيت الدارالبيضاء يتيمة بدون أب حنون وأم رحيمة يحمي مصالح سكانها ويدافع عن تمكين المدينة من طوبيسات جيدة وآدمية ومتوفرة بالشكل الكافي وبالثمن المناسب لضمان حق بيضاوة في التنقل وضمان حق المدينة في ربط أحيائها ومناطقها وأحواضها بعضها ببعض بما يذيب الاحتقان ويحقق الرخاء ويوفر السلم الاجتماعي ويصالح السكان مع مدينتهم ومع مؤسساتهم.