الاثنين 14 أكتوبر 2019
كتاب الرأي

مصطفى المتوكل الساحلي: من أجل مصالحة حقيقية، ونحو حزب حر وتنظيم قوي (1/2)

مصطفى المتوكل الساحلي: من أجل مصالحة حقيقية، ونحو حزب حر وتنظيم قوي (1/2) مصطفى المتوكل الساحلي

المصالحة السياسية داخل تنظيم سياسي وطني عريق عم إشعاعه الوطن وأرجاء العالم ريادة وتأطيرا وقيادة وتأثيرا محمودا، والذي هو مدرسة وجامعة تعلم منه ونهل من تجاربه وعطاءاته وإبداعاته واجتهاداته التنظيرية والتحليلية والنقدية قوى وطنية وثورية وفكرية من مختلف البقاع. إن المصالحة التنظيمية والفكرية والنضالية ليست بالفهم الشعبي، أي نقيض الخصومة، إنها ليست من تحت مع فوق أو مع تحت، أو من فرد تجاه الآخرين والأخريات، لأنه منطقيا لا يمكن أن يوصف الاختلاف والتنوع والإبداع الفكري المتعدد لتحقيق الأهداف المتوافق عليها بأنه خصومة بين حاملي الأفكار والاجتهادات المتنوعة المستويات ودرجة الكفاءة والمردودية والنجاعة في التطبيق. إنها أقرب إلى اعتماد الحكمة بدلالاتها الفلسفية الواقعية، وأقرب إلى الشرع بدلالاته التربوية الروحية، حيث العقلاء ينشدون الحكمة أينما كانت وينتقون منها  الأفضل وما يحافظ على رصانتهم وتعقلهم ونجاح مهامهم "الرسالية"، إنها في الأحزاب السياسية الوطنية الواعية تكون بالسعي إيمانا وتطبيقا لإخراج الناس من ظلمات التخلف والجهل  السياسي والتبعية العمياء إلى نور العقل والتقدم والازدهار والعدالة الشاملة.

 

سأنطلق من قناعة لها امتداداتها، أن العديد من النداءات والمناشدات طرحت في أجهزة الحزب وقواعده منذ التأسيس إلى يومنا هذا من أجل مصالحات بين مجموعات وقياديين وبين زعماء وما يترتب عليها من صراعات بالأقاليم، إلا أن العديد منها لم يحقق المراد والمنتظر منها مما تسبب في تعقيدات وتفكك العلاقات التنظيمية والأخوية مع جنوح علني نحو الكيل بمكيالين. فمضامين أغلب النداءات المعلنة والداخلية والمبادرات الأخوية للستين سنة الماضية  أفرزت عناوين لخلاصات التداول في المصالحة وكشفت عن مواقف مختلفة معللة، سواء كانت مع أو ضد أو متوجسة، ومنها ما يزيد الأمور تعقيدا وسوداوية بسبب مستوى الخطاب والكلام المستفز والمبخس لأفكار وتصورات واقتراحات الآخرين والذي يسقط في الشخصنة المقيتة، وبسبب  تعنت وردود أفعال غير متعقلة مردها إما مستويات الغضب أو مفتعلة لإيجاد مشاجب يعلق عليها  الفشل، وقراءة سريعة في تاريخ الحزب تكشف البعض من ذلك التهور واللامسؤولية، وبطبيعة الحال كل الاتحاديين والاتحاديات "إلا من أبى"، يسعون بصدق إلى توحيد أعضاء ومكونات الأسرة، وتصحيح وتقوية الخط السياسي، وبناء وتمتين الآليات التنظيمية، والوضوح الإيديولوجي، والتوفر على برامج متجددة لبناء الوطن والمؤسسات وتحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية، وبناء مجتمع الإنسانية والحقوق.

 

لهذا يمكن القول إن كلمة "المصالحة" قد يتحفظ عليها البعض من الإخوة، وقد يفهم بأنها من فوق تجاه الآخر ممن بقي في التنظيم أو جمد نشاطه أو غير اتجاهه منذ سنوات التأسيس الأولى التي كانت في معظمها زمن حالات الاستثناء والرصاص والجمر، وما أفرزته من التناقضات والمواقف داخل الحزب وفي مراكز القرار بالدولة، وقد يكون المعنيون بالتحاور والمصالحة جانبوا الطريق أو أخطئوا التدبير. أعتقد أن نداء "المصالحة" قد يشكل عنوانا ومدخلا لوضع آليات تتفق عليها النخب الاتحادية القيادية التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بكل محطات الخلاف بما ترتضيه القواعد وتحبه ديمقراطيا وموضوعيا لبناء الاتحاد الكبير القوي الوفي للشهداء وضحايا سنوات الجمر والرصاص وضحايا الحراك الشعبي الذي يكون الاتحاديون فيه دائما طرفا أساسيا أو مساهما أعلنوا عن ذلك للعموم، أم اشتغلوا في صمت، ما تتطلب المصلحة العامة الانفتاح على القوى اليسارية والديمقراطية والحداثية وتشكيل تحالفات قوية مرتكزة على المشترك نظريا وتخطيطا مرحليا واستراتيجيا من أجل الإصلاح والتغيير.. ولم لا يصوغ الكتاب الأولون للحزب نداء مشتركا يوجهونه للأسرة الاتحادية وفق منهجية  تستحضر مصلحة الحزب والوطن، لتيسير انخراط الجميع في مسيرة الوحدة النضالية والوضوح الإيديولوجي وبناء المؤسسة الحزبية الديمقراطية الضامنة لحرية التعبير والحق في الاختلاف.

 

إنه من المفيد الأساسي لتيسير المصالحة إرساء اتفاق من بقي من القيادات التاريخية للاتحاد، إضافة إلى الرمزية من جيل المؤتمر الاستثنائي وما بعده، ومن برز كقيادات شبابية ونقابية  كانت تشكل رأيا مخالفا للقيادة الحزبية وحتى لبعض قرارات الأجهزة الحزبية وتطور تدبير الخلاف إلى قطيعة وتشكل تنظيمات منها من تحول إلى أحزاب... إن تاريخ نضال وتضحيات الاتحاد هو الذي بنى الاتحاد وأكسبه المصداقية.. كما أن القرارات والمواقف الشجاعة والمتميزة المنحازة للصدق والوفاء والشعب كان لها دور لا ينكره إلا جاحد أو جاهل، كما أن تاريخ عطاءات واجتهادات مفكري وعلماء ومبدعي الاتحاد على المستوى التنظيري والتأطيري والفلسفي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي والنضالي الجماهيري بصياغتهم لتصورات ونظريات وبرامج ودراسات وقرارات ساهمت في بناء الدولة، وبناء اليسار وقوى الحداثة والديمقراطية، وكانت من الأسباب المباشرة في كل التحولات والتوافقات والصراعات التي مر منها المغرب، جعلت الحزب وازنا على الصعيد الوطني والعربي والعالمي، بل ويسترشد باجتهاداته ومنهجية عمله. ومن هنا لن يستقيم الأمر ويبني الاتحاد مكانته ويسترجع  قوته المؤثرة في المشهد الوطني بانفصال عن تاريخه وابتعاد عن أساتذته ورواده الذين هم آباء وخبراء وحكماء ومجتهدون قامت الدولة لضرورات مختلفة في أكثر من حقبة بإسناد مهام وطنية ودبلوماسية واستشارية لهم لكفاءتهم وقيمتهم  المتميزة.

 

 إن هجرة أدمغة من الوطن إلى الخارج، وهجرة أدمغة وطاقات من الاتحاد الأسرة والتنظيم، جعلت العديد من هؤلاء وأولئك يعطون بهجرتهم الكثير فمنهم من أبدع وأصبح من الأعلام والفاعلين في مختلف المجالات يفتخر بهم الوطن والحزب، وهجرتهم تلك نتج عنها اختلالات وتضييع لاستثمار طاقات بوطنها والهيئات التي تنتمي إليها... إن القول والدفع بـ "أن أرض الله واسعة" عند كل خلاف أو غضب أو تضايق، وفي أية مرحلة يكون فيها  تدافع موضوعي وطبيعي فكري وتنظيمي وحتى شخصي في إطار الطموح للقيادة ، يعتبر عنفا وشططا تنظيميا لدفع المختلف معهم للهجرة، ويعتبره البعض مبررا لها باعتماد نفس القول... إنه أسلوب غير مقبول ومرفوض شكلا وجوهرا ولو تغيرت طرق توظيفه، والذي استعمل من بعض قياداتنا الحزبية التاريخية المحترمة في أوائل الثمانينات ونهاية التسعينات، ووظف حتى بالقيادات المناطقية والقطاعات الجماهيرية الموازية، ووظف بعد ذلك بصيغ مختلفة تستعمل التضييق والاستفزاز والتهجم على كل منتقد، والتهميش والإقصاء الممنهج، وترويج الإشاعات والأخبار المختلفة لتلويث سمعة، أو تبرير تعسفي لأسباب الاختلاف، حصل هذا في الستينات والسبعينات وما بعدهما.

 

إن الهجرة خارج الوطن، جعلتنا وتجعلنا نسائل الدولة عن الديمقراطية وعن العدالة المجالية الترابية، وندرس نتائج السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تنتج واقعا غير مطمئن يكشف عن تضخم في الأزمة وتأثيراتها، وتشاؤم فيما يخص المستقبل والمآلات  بالنسبة للشعب.. وهنا نقول إن من المصالحة الوطنية العادلة  أن يسع الوطن كل أبنائه وبناته سواء من هاجر لأسباب اجتماعية، أو اقتصادية، أو حقوقية، أو سياسية، بما في ذلك استيعاب عودة المهاجرين واستقرارهم بوطنهم وإدماجهم في آليات ودواليب الحركة  التنموية من أجل نهضة شاملة... ونقول إن هجرة الاتحاديين والاتحاديات لخارج التنظيم وحتى خارج الحزب، يجب أن يحفز فينا مساءلة وتقييم الحزب لنفسه، وتقييم سلوكات وقرارات ومواقف وسياسات القيادات الوطنية والجهوية والإقليمية والمحلية والقطاعية، وأن يمارس الجميع نقدا ذاتيا وموضوعيا بشكل علمي ومتعقل ورصين ومشبع بقيم الوفاء والمصداقية والجدية المستدامة  حتى يستطيع الحزب استيعاب كل مكونات الأسرة الاتحادية في بيت واحد لعله ينجح ويستمر في إنجاز رسالته التاريخية والمستقبلية بتشارك بين أصول الأسرة وفروعها، بابتعاد عن المصالح الشخصية والترضيات والتوافقات التي تكون على حساب المبادئ والحكامة والجودة، مع الحرص الدائم على ما فيه خدمة المصالح العليا للوطن والشعب والحزب.

 

إنه لا يمكن القبول باستعمال أرض الله واسعة في مواجهة كل مخالف ومعارض لسياسات الدولة، كما لا يحق اعتماد ذلك بشكل معلن أو خفي في سياسات الحزب وتنظيماته في مختلف المجالات... إن المصالحة يجب أن تكون مع النفس، ومع الاتحاد كأسرة وتاريخ ونضال وتضحيات وفكر، ومع اليسار والحركة النقابية، ومع المجتمع، ومع المستقبل... إن معالجة ملف المصالحة في علاقة  بقراءة رصينة للزمن الذي قطعه الحزب منذ التأسيس إلى اليوم أي الذكرى 60 للحزب، تستوقفنا عند كل محطات الاختلاف والصراع، والاختراق والانحراف، والإصلاح والتعطيل، والعرقلة والتجميد والمنع، والانقسام والقطيعة وحتى الخيانة، وتأثير كل ذلك وغيره على مسار سنوات الجمر والرصاص وانعكاسه على ما بعدها.. وتجعلنا نقف بافتخار عند كل النجاحات والمبادرات التنظيمية والفكرية الشريفة والمواطنة والجماهيرية... إن غير المنطقي هو أن تعمل القيادة وطنيا ومناطقيا على تدبير المفاوضات والحوار والتوافقات وتأطير المهادنات والمصالحات مع السلطات العمومية الممثلة للدولة في علاقة بقطاعات وزارية وتقدم الدروس والتجربة للآخرين، وفي نفس الوقت تعمل بنقيض ذلك في تدبير القضايا والاهتمامات الحزبية  فيما بينها لدرجة يكونون فيها أشداء على أسرتهم وأنفسهم، ورحماء ومحاورين متعقلين مع خصومهم وأعدائهم.