الثلاثاء 15 أكتوبر 2019
فن وثقافة

الباحث حبيبي يفكك مفهوم الكفاءة الوطنية بين التكنوقراط والسياسيين

الباحث حبيبي يفكك مفهوم الكفاءة الوطنية بين التكنوقراط والسياسيين عبد الالاه حبيبي
الكفاءة بمعناها التكنوقراطي هي القدرة على النهوض بالمهمة المنوطة بالشخص المنتقى استيعابا وفهما، وتخطيطا وإنجازا، وتقويما وصيانة، إلى جانب القدرة على وضع سيناريوهات محتملة في حال حصول أزمة، أو انقطاع في الأداء سواء كان الأمر يتعلق  بمنتوج تكنولوجي، أو مشروع صناعي، أو غيره  من المنتوجات المحتملة، مع الإشارة بالتدقيق إلى الشروط الواجب توفرها والموارد الأساسية الكفيلة بتحريك وضخ الحياة في هكذا مشاريع ..
 أما الكفاءة السياسية فلها منطق آخر، فهي تعني القدرة على تعبئة الطاقات والإمكانيات البشرية والمادية لأجل الالتفاف حول شعار ما، أو مشروع سياسي محدد، مع ما يقتضيه ذلك من امتلاك مهارات ذهنية، و استعمال تقنيات تواصلية، وإلمام بسيكولوجية المتلقين، و تمرين عميق على فنون الخطابة والبلاغة المؤطرة لكل فعل كلامي يهدف التأثير في سلوك الآخرين لحملهم على اعتناق عقيدة سياسة معينة، أو تبني إيديولوجية تقوم على تفسير خاص للأشياء والأحداث والمشاكل والأزمات.، حيث يتم وضع توصيفات إيجابية للأصدقاء والمقربين، وتخصيص أوصاف قدحية للخصوم والمعترضين، وهنا تكون الكفاءة السياسية عبارة عن خبرة في جلب الناس، مع ما يقتضيه ذلك من سلب قوتهم العقلية، وتحييد قدراتهم النقدية، وتجنيدهم  بعد ذلك لخدمة فكرة معينة التي يمثلها الزعيم الكارزمي والجماعة الملتفة حوله، لهذا فالكفاءة السياسية تكون أحيانا خطرا داهما إذا اقترنت بحشود ينتشر فيها الجهل والأمية والفقر والاستعداد لتدمير الخصوم كما تصفهم خطب الزعيم.
هاهنا نتساءل عن معنى  الكفاءة الوطنية التي يمكن أن تكون بديلا وكيانا مرشحا  لقيادة وتوجيه الكفاءة التقنوقراطية من جهة ، ولجم وتهذيب الكفاءة السياسية من جهة ثانية، أي كفاءة خادمة وخدومة، لها خلفية أخلاقية وطنية، تشتغل بهاجس تنمية البلد، تحرير قراره الوطني، تدبير نزاعاته الداخلية والخارجية بنجاعة سياسية ومسؤولية أخلاقية، خلق الثروة وتوزيع ريعها بشكل عادل، تشجيع العلم والبحث العلمي، تثمين الطاقات الفكرية الوطنية وتأهيل اليد العاملة المحلية، دعم المقاولة الوطنية، والرفع من أدائها، مع الحرص على حمايتها من كل ابتزاز أو مساومة لا يليق بالمقاصد المتوخاة من وظائف المقاولة التي هي جزء من النسيج الاقتصادي والمالي الوطني... لهذا فالكفاءة الوطنية هي شخصية نوعية، تجمع بين التكوين العملي والخبرة السياسية، أي شخصية لها دراية بالواقع و تحمل رؤيا للمستقبل وخيال شاسع على وضع الحلول، وتحريك الطاقات، وتحرير العقول، إلى جانب قدرتها على إقناع العاملين في القطاع الذي تشرف عليه بالانخراط والاشتغال بروح تطوعية، وتعلق بقيم وطنية لها عوائد عملية على حياة المواطنين بكل فئاتهم. بهذا المعنى ينبغي أن نقطع مع الخيارات التي ترشح التقنوقراط بمعزل عن السياسيين، و تلك التي تضع في الواجهة الزعماء بثقلهم الرمزي مع ما ينجم عن ذلك من تحقير للأطر الكفأة من الناحية العملية، والحكم عليهم بالصمت والتبعية للزعيم، الشيء الذي يفرض عليهم تكييف خبراتهم العلمية لتصبح موافقة لأهواء القائد... وهذا خيار صعب لكنه ليس أبدا مستحيلا....