الأحد 20 أكتوبر 2019
سياسة

ملف هاجر الريسوني: بلاغ النيابة العامة بين قرينة البراءة والحق في الوصول إلى المعلومة

ملف هاجر الريسوني: بلاغ النيابة العامة بين قرينة البراءة والحق في الوصول إلى المعلومة عزيز نداعلي و هاجر الريسوني
خرجت النيابة العامة لدى المحكمة الابتدائية بالرباط ببلاغ على خلفية اعتقال الصحفية هاجر الريسوني لتوضح للرأي العام الوطني حقيقة الملف من وجهة نظرها، بعد تناسل ردود الفعل عن إيداع الصحفية ومن معها للسجن على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي، ومناقشة وثائق الملف عبر الحائط الأزرق عوض الاحتفاظ بهذا النقاش القانوني والقضائي بعد عرض ملف القضية على أنظار المحكمة.
وإننا في هذه الورقة لا يمكننا مناقشة مدى ثبوت الأفعال المنسوبة للصحافية ومن معها بقدر ما يهمنا البلاغ الصادر عن النيابة العامة بابتدائية الرباط على خلفية هذه القضية، والذي أكد على مجموعة من النقط التي اعتبرتها النيابة العامة بمثابة حقائق تفند ادعاءات الأطراف الأخرى على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي.
من خلال استقرائنا للبلاغ اتضح جليا رغم تأكيد النيابة العامة لعدم مساسه بقرينة البراءة، إلا أننا نؤكد ان مبرر النيابة العامة بخصوص انجرارها واضطرارها إلى نشر هذا البلاغ إيمانا منها بالحق الدستوري للمواطن الحق في الوصول إلى المعلومة، وهنا نطرح السؤال هل من تعارض بين قرينة البراءة وحق المواطن في الوصول إلى المعلومة؟
ولمحاولة استجلاء الغموض الذي يلف هذا الإشكال ومحاولة استقراء الحقائق التي أتى بها البلاغ لنقف عندها ونعمل على تنزيل مضامينه على ما سعى إليه المشرع في القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومة والذي استند إليه البلاغ لتبرير خروج النيابة العامة لتوضيح الصورة.
الحقائق التي أتى بها البلاغ:
1-أن اعتقال الصحفية ليس له علاقة بمهنتها.
2-أن إيقاف الصحفية حدث بمحض الصدفة نتيجة لارتيادها لعيادة طبية كانت أساسا محل مراقبة بناء على معلومات كانت قد توصلت بها الشرطة القضائية حول الممارسة الاعتيادية لعمليات الإجهاض بالعيادة المعنية.
4- وشدد البلاغ على أن متابعة المعنية بالأمر ليس له أي علاقة بمهنة الصحافة، بل تتعلق بأفعال تعتبر في نظر القانون الجنائي جرائم، وهي ممارستها الإجهاض بشكل اعتيادي وقبول الإجهاض من طرف الغير والمشاركة في ذلك والفساد طبقا للفصول 444 و450 و454 و490 و129 من القانون الجنائي.
وأنها أدلت للطبيب الذي قام بعملية الإجهاض بهوية غير هويتها الحقيقية، وهو الأمر المدون بسجلات الطبيب بالعيادة التي أجريت بها هذه العملية.
5-أن الوثيقة التي تم تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي “على أساس أنها خبرة طبية، هي فقط مجرد فحص أولي للمعنية بالأمر أنجزها الطبيب المداوم بمصلحة المستعجلات بمستشفي الولادة بتاريخ 2019/08/31 ضمنها بعض المعاينات في انتظار إجراء بعض التحليلات وأخذ عينات الدم.
6-وأنه بعد القيام بتلك التحاليل، أنجز خبرة توصلت بها المحكمة لاحقا بتاريخ 2019/09/04 خلصت إلى أن المعنية بالأمر صرحت للطبيب أنها أوقفت حملا غير مرغوب فيه إراديا بإحدى العيادات الخاصة في الأسبوع السابع صبيحة يوم 31 غشت 2019، وأن المعنية بالأمر سبق لها أيضا أن خضعت لإجهاض إرادي.
7-أن نتائج التحاليل التي قام بها الطبيب، والتي تفيد بوقوع عملية الإجهاض استنادا إلى مجموعة من التحاليل التي جاءت في تقرير الخبرة، والتي من بينها وجود هرمون الحمل BHCG الذي يفيد أن المعنية بالأمر كانت حاملا.
8-وإظهار جهاز فحص عنق الرحم لوجود علامات على الحمل، وأن جهاز الفحص بالصدى أظهر أن غشاء الحمل غير موجود وأن هناك بعض بقايا الأغشية الدموية.
9-أن تقرير مختبر الشرطة العلمية المتوصل به بتاريخ 2019/09/05، والذي أجرى خبرة جينية على العينات والآثار البيولوجية التي عثر عليها بالعيادة الطبية خلص إلى استخراج نمط وراثي مؤنث مطابق للنمط الوراثي الخاص بالمعنية بالأمر من العينات المرفوعة من الأنبوب الزجاجي والبقع الحمراء المأخوذة من المنديل الورقي والضمادتين الطبيتين والقفز الطبي، وكذا الإبرة التي تم حقن المعنية بالأمر بها.
10-وأن توضيح المعطيات المستمدة من وثائق الملف، “لا تمس بقرينة البراءة المكفولة لكافة الأشخاص بمقتضى الدستور والقانون وأن الغاية منه هي توضيح الوقائع الحقيقية للرأي العام.
11-وأن هذا البلاغ يأتي على إثر نشر بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي التي تناولت الموضوع “مجموعة من الوقائع غير الصحيحة وغيرت بعض الحقائق التي انتهى إليها البحث الذي قامت به الشرطة القضائية.
12-يتأسف لاضطرارها لنشر هذا التوضيح في قضية تعتبر عادية وبالنسبة لوقائع محددة، كان الأجدر مناقشتها وإثباتها أو نفيها أمام المحكمة، فإنها تجد نفسها مضطرة لتقديم هذا التوضيح إيمانا منها بالحق الدستوري للمواطن في الوصول إلى المعلومة.
وباستقراء هذه النقط التي سطرها البلاغ تعزيزا لقرار النيابة العامة القاضي بإيداع الصحفية ومن معها رهن الاعتقال، والتي استندت على معطيات طبية وعلمية دقيقة لا يمكن دحضها إلا بخبرة مضادة، وأن مسعى النيابة العامة إلى تأكيد كون قرارها بإيداع الصحفية ومن معها،بني على حقائق علمية يضرب في العمق بقرينة البراءة كحق كوني.
وأن البلاغ لا مسوغ له من الناحية القانونية رغم كل ما تدعيه النيابة العامة من كونها اضطرت للخروج به لما نشرته بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي التي تناولت الموضوع، مجموعة من المغالطاتوالوقائع غير الصحيحة وغيَّرت بعض الحقائق التي انتهى إليها البحث الذي قامت به الشرطة القضائية، وأن هذا المسعى لا مجال للأخذ به لكونه لا يمكن مناقشة هذه الحقائق بعد إحالة القضية على المحكمة إلا أمامها وتكوين قناعتها بهذه الحقائق او بغيرها والنطق بحكمها سواء بالإدانة أو البراءة..
ولا يمكن بأي حال من الأحوال القفز على قرينة البراءة باعتبارها حقا دستوريا، وباعتبارها من مكتسبات قانون المسطرة الجنائية كما جاء في ديباجته، بإبراز المبادئ والأحكام الأساسية في مجال حقوق الإنسان وتوفير ظروف المحاكمة العادلة، بهدف تحقيق هذه المبادئ السامية والمحافظة عليها باعتبارها من الثوابت في نظام العدالة الجنائية المعاصرة، ونخص بالذكر هنا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المؤرخ في 10/12/1948 في المادة 10 والاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان، لذلك حرص المشرع على إقرار عدة مبادئ من ضمنها قرينة البراءة معتبرا كل شخص مشتبه فيه أو متابع تفترض براءته مادامت إدانته غير مقررة بمقتضى حكم نهائي، وكل مساس ببراءته المفترضة محرم ومعاقب عليه بمقتضى القانون.
وأن المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية تضمنت ما يلي " أن كل متهم أو مشتبه فيه بارتكاب جريمة، يعتبر بريء إلى أن تثبت إدانته قانونا بمقرر مكتسب لقوة الشيء المقضي به، بناء على محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الضمانات القانونية."
فالمشرع عندما أقر قرينة البراءة لضمان أمن الأشخاص وحماية الحرية الفردية، ليس ذلك عبثا وإنما لمسوغ قانوني أملته مطالب حقوقية وضغوط دولية، وإن إعطاء البلاغ أحكام قيمة بإثبات الأفعال المنسوبة إلى المشتبه بهم بحقائق علمية دقيقة أمام فضاء غير فضاء القضاء باعتباره الضامن للحقوق والحريات، فيه تجني على هذه القرينة القانونية.
وأن تبرير النيابة العامة لقرارها ( بالاعتقال) بناء على سلطتها التقديرية كان عليها أن تحتفظ به لنفسها، عوض الخروج بهذا البلاغ الذي جاء مرتجلا ولم يكن موافقا للقانون.
وأن دفع النيابة العامة في بلاغها أن توضيح المعطيات المستمدة من وثائق الملف، لا تمس بقرينة البراءة المكفولة لكافة الأشخاص بمقتضى الدستور والقانون،وأن الغاية منه هي توضيح الوقائع الحقيقية للرأي العام، دفع يتعارض مع بعضه البعض إذ كيف يمكن الجمع بين قرينة البراءة وتوضيح الوقائع الحقيقية أمام الرأي العام والأجدر أن يتم عرضها أمام أنظار المحكمة لتقول كلمتها بناء على قناعتها الوجدانية بالنظر إلى ما راج ونوقش شفاهيا وحضوريا أمامها، وأما والحال أن توضيح حقيقة الأمر أمام الرأي العام على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي فيه تأثير على سلطة المحكمة في اتخاذ الحكم الذي سيكون عنوانا للحقيقة بعد استنفاده لكافة طرق الطعن.
وأن ما زاد الطين بلة هو استناد النيابة العامة في بلاغها علىالحق الدستوري للمواطن في الوصول إلى المعلومة، وبقراءة بسيطة للقانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على معلومات والذي استند أيضا إلى مقتضيات المادة 27 من الدستور، وأكدت عليه المواثيق الدوليةبما عبرت عنه مقتضيات المادة 19 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان والمادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وكذا المادة 10 من اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد، وبالرجوع إلى مقتضيات القانون رقم 31.13 نجد أنها تؤكد في مواده 5 الفقرة الثانية، المادة 12 الفقرة الأولى، المادة 14 المواد 16 و17 و19 و 29 على أن الحق في الوصول إلى المعلومة مبني على الطلب، كما جاء في مقتضيات المادة 14 من القانون رقم 31.13 بنصها " يتم الحصول على المعلومة بناء على طلب يقدمه المعني بالامر وفق نموذج تعده اللجنة المشار إليها في المادة 22 أدناه..." ولا وجود في مقتضيات القانون رقم 31.13 أي مقتضى يؤكد على ضرورة عرض المعلومة على الرأي العام، - اللهم النشر الاستباقي - خاصة إذا كانت هذه المعلومات تتعارض مع الحياة الخاصة للأفراد أو التي تكتسي طابع معطيات شخصية، وكذا المعلومات التي من شأنها الكشف عن المس بالحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في الدستور كما جاء في المادة 7 من القانون 31.13 في فقرتها الأولى، ولعل قرينة البراءة من أهم هذه الحقوق المكفولة دستوريا المادة 23، إن ما يمكن ملاحظته هو أن المعلومة مطلوبة وليست معروضة بالاستناد إلى مقتضيات القانون رقم 31.13.
كما أن هذا القانون أشار إلى لجنة الحق في الحصول على المعلومة التي من مهامها السهر على ضمان حسن ممارسة الحق في الحصول على المعلومة، تقديم الاستشارة والخبرة للمؤسسات والهيئات المعنية حول آلية تطبيق أحكام هذا القانون، وكذا النشر الاستباقي للمعلومات، هذا الأخير أوضحته المادة 10 من القانون 31.13 وأكدت على "... تقوم الهيئات كل واحد في حدود اختصاصاتها أن تقوم، في حدود الامكان بنشر الحد الاقصى من المعلومات التي بحوزتها والتي لا تندرج ضمن الاستثناءات الواردة في هذا القانون.
إن ما يمكن ملاحظته هو أن البلاغ قفز على هذه النقطة ولم يحترم شروط النشر الاستباقي، وهذا للأمانة كان محط جدل فقهي قانوني غداة الندوة الجهوية الحادية عشرة المنعقدة بمناسبة الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العادلة حول موضوع "القضاء الإعلام" التي تم تنظيمها يوم 23/2/2013 بمدينة الرباط تم التطرق فيها للحق في الحصول على المعلومة في ارتباطه بالدعوى القضائية وما يطرحه من إشكالات حول حدود نطاق المعلومات التي يمكن نشرها أو تمكين الرأي العام منها وكيفية الموازنة بين الحق في الحصول على المعلومة وحماية الخصوصية عند تغطية القضايا المرتبطة بمرفق العدالة، ولعل في توصيات هذه الندوة ما يمكن الوقوف عليه لتدارك أي إخلال إما في التغطية الصحفية بجميع أنواعها أو في لغة البلاغات الصادرة عن النيابة العامة./.
 
 

ذ/عزيز نداعلي ، باحث في الدراسات القانونية والقضائية