الأحد 20 أكتوبر 2019
سياسة

حليم المذكوري:الأصوليون لا يشوهون وجه السياسة بل حتى مصداقية النصوص الدينية

حليم المذكوري:الأصوليون لا يشوهون وجه السياسة بل حتى مصداقية النصوص الدينية حليم المذكوري
لا يمكن النظر لمسألة الإجهاض بمعزل عن وضع المرأة بصفة عامة. ولا يمكن أن تتبجح بحقوق الإنسان وتنكر على المرأة حقها في التحكم في جسدها وحياتها الجنسية. كما لا يمكن أن تصادق على المعاهدة الأممية للقضاء على كل أشكال الميز ضد النساء (سيداو) وتعتبر المرأة في نفس الوقت غير قادرة على التقرير في ما يصلح لها وما يضرها.
الصراع السياسي والحقوقي حول السماح بالإجهاض أو منعه هو في الجوهر صراع حول رفع المرأة إلى مستوى المواطن الكامل الحقوق والواجبات، مثلها في ذلك مثل الرجل. نجد هذه الصراعات في كل المجتمعات، حيث هناك دائما من يعارض حق المرأة في التحكم في جسدها وحياتها الجنسية. ولم ينج المغرب هو كذلك من مثل هذه الصراعات التي غالبا ما ترافقها عواطف جامحة تجعل النقاش في أحيان كثيرة مستحيلا. لكن هذا الصراع في المغرب اكتسب بعدا إضافيا بعدما نجح الإسلاميون في اعتلاء سدة الحكم ممثلين بحزب العدالة والتنمية، الذراع السياسي لجماعة التوحيد والإصلاح.
معلوم عن هذا الحزب بأنه حزب يميني نيوليبيرالي في ما يتعلق بسلطة السوق وإملاءات صندوق النقد الدولي، ومحافظ في ما يتعلق بالحريات الفردية للمواطنين. فهو ككل الأحزاب اليمينية المحافظة لا يتحمس للاعتراف بحقوق الأقليات (لِسْنية، عرقية، دينية، جنسية...). فهم، مع الجماعات الإسلاموية الأخرى، من أشد معارضي الكثير من حقوق المرأة وعلى رأسها الإجهاض، وحجتهم في ذلك أن الإسلام هو الذي منع وما عليهم إلا التقيد بأحكام الشريعة؛ ضاربين عرض الحائط كون المغرب ليس بدولة تيوقراطية، بل حديثة -كما يحلو للقيمين عليها ترداده بكرة وأصيلا-، تريد أن تكون جزءا من الأسرة الدولية المتحضرة. كما أن المغرب وافق على معاهدات واتفاقات أممية تضمن الحقوق الأساسية للمرأة. المصادقة على معاهدة CEFAW تم في عهد البيجيدي. والغريب في الأمر هو أن هذا الحزب كان من أشد المعارضين لهذه المعاهدة. هذه الازدواجية أصبحت في المواقف والتناقض بين القول والفعل من مميزات هذا الحزب الذي صار يتكلم بلسانين. وحتى في غضبهم يكيلون بمكيالين. غداة اعتقال ناشطي حراك الريف رددوا جماعة بأن القضاء المغربي أصبح نزيها -مع التركيز على أصبح وكأنهم هم الذين حققوا ذلك- ولما توبع أحد قيادييهم بتهمة (المشاركة في قتل أحد الطلاب) انتفضوا وأقاموا الدنيا ولم يقعدوها وأقسموا بألا يسلموا أخاهم لـ «الدولة العميقة» التي تريد الإيقاع بهم!!!
حزب يقود الحكومة ويردد مثل هذه التفاهات حزب لا يؤتمن. ليس فقط بسبب الأضرار التي يُلحقها بالدولة ومؤسساتها وإنما كذلك لأن المسؤولين عن هذا الحزب يتهربون من مسؤوليتهم، فجعلوا من «الدولة العميقة» ملجأ مريحا يلتجئون إليه كلما أرادوا تمرير إحدى سياساتهم اللاشعبية. فالتلميح بوجود دولة عميقة إلى جانب الحكومة المنبثقة عن الانتخابات لا يخدم الأخيرة ويضر كثيرا بالبلد. لنفرض جدلا أن هذه الدولة موجودة حقا؛ فماذا فعل هذا الحزب الذي في يده السلطة لتفكيك هذه الدولة والإعلان عمن يقف وراءها؟ أم أن هذا الادعاء يدخل في إطار شعبوية بليدة تنسف ما تبقى للمواطن من ثقة في مؤسسات الدولة وإطاراتها السياسية. انتفاضتهم تكررت كذلك بعدما ألقت الشرطة القضائية القبض على أخ وأخت لهم في السياسة والإيديولوجية متلبسين بممارسة الجنس في سيارة قبالة الشاطئ. المتلبسان ليسا أشخاصا عاديين. إنهما من الكوادر المهمة داخل الجماعة الأم للحزب وكانا من فرسان الأخلاق العفيفة. طبعا يثير سلوك مثل هؤلاء فضول المواطن والإعلام. انتفض رجال التوحيد والإصلاح وإخوان بنكيران في جوقة يرددون استنكارهم للتدخل «السافر» في الحياة الشخصية للأفراد. لينصرفوا بعد ذلك إلى إيجاد التبريرات «الشرعية» لفعلة من تم القبض عليهم. فتارة زواج عرفي وأخرى خطوبة بنية الزواج أو زواج بالفاتحة. بهذا السلوك لا يشوهون وجه السياسة فقط بل وكذلك مصداقية النصوص الدينية.
من يتابع محنهم -كما يحلو لهم تسمية مثل هاته الأحداث- ويجهل طبيعة الحزب سيراهن بكل شيء بأن هذا الحزب سيشن حربا شرسة من أجل الحريات الفردية للمواطن وضد حشر الدولة أنفها في هذه الحريات. هذا ما سيظنه المتتبع لكن الواقع يختلف اختلافا جذريا مع الحكم بالخطابات الرنانة. فرص كثيرة للقضاء على تدخل الدولة في حريات المواطن الفردية لكنهم تجاهلوها لسبب بسيط، ألا وهو كونهم من أشرس المدافعين عن هذا التدخل. عندما يصابون هم أنفسهم بجبروت نفس القوانين التي يدافعون عنها، يتألمون لسقوط الجزء الأخير من قناعهم الأخلاقي، فيكثرون الصراخ للتغطية على «الجرائم الأخلاقية» التي كانت من نصيب إخوة لهم.
لا أكشف سرا إذا قلت إن قدومهم للحكم أتى معه بشحنة لا يستهان بها من الأمل في التغيير المنتظر لعقود. ولماذا لا وهم ذوو أيادي «نظيفة» أقسمت بما سمي بالربيع العربي بأن تضرب بيد من حديد على الفساد والمفسدين. ولما لا وشيخهم بنكيران يقف وسط جموع من المغرر بهم يخاطب رأس الدولة بنبرة فيها من التهديد ما سيجعل هذا الأخير مجبرا على طرد كل مستشاريه وتعويضهم بأفراد جماعة الإسلام هو الحل. لا شيء من هذا وذاك حدث. فترتان من الحكم مرت ولم تبق حليمة فقط على عادتها، بل انضافت عادات أخرى أتت على ما تبقى من المشهد السياسي المحتضر. في عهدهم تفاقمت الاختلالات الأخلاقية في السياسة وإدارة البلاد. في عهدهم تراجعت جودة التعليم إلى ما يقارب درجة الصفر.
في عهدهم تفاقم جبروت الرأسمالية المتوحشة، فلم يعد يحد من وحشيتها أي شئ. في عهدهم تراجع وضع الطبقة الوسطى بشكل مخيف مما أجبر الملك على التحذير من استمرار الوضع في خطاب ثورة الملك والشعب الأخير. في عهدهم طفت إلى السطح فضائح أخلاقية تزكم الأنوف أبطالها فرسان الأخلاق العفيفة.
من بن حماد وفاطمة، طارق رمضان، محمد يتيم، برلمانية إسلامية في باريس، وزيران إسلاميان تناكحا ونكحا الشعب في تعويضات سمينة، صحفية يحسبونها منهم لم تقدر على حفظ فرجها... «كمثل حمار يحمل أسفارا»؛ يشبع عباد لله ركلا وهو يعلم بأنه غير قادر على تطبيق ما في الأسفار في حياته الخاصة. ولما ووجهوا بهذه الأفعال قالوا «الحق على الدولة العميقة». ما العمل مع حزب كهذا؟ حزب فشل في تحقيق كل وعوده الانتخابية وقيد المواطن من كل جهة بإطلاق قيود السوق. أقسموا بعدالة السماء ليهدوا المواطن ظلم السوق. أقسموا بإرجاع الأخلاق للسياسة وانهزموا أمام بشريتهم الضعيفة بالطبع. ماذا يمكن أن ننتظر من هؤلاء وهمهم الوحيد تنزيل نظرية التمكين على أرض الواقع وبأي ثمن كان. وكأنهم كانوا يعرفون من البداية بأنهم لن «يطفروها» فانشغلوا بتكديس الثروة وتهييج القواعد لحمايتها. والنتيجة لا هم تمكنوا ولا مكنوا. ضمنوا أرزاقهم لمرحلة بعد السياسة بسن تعويضات تقاعد مدى الحياة للسياسيين تشمئز منها الأنفس. شنوا هجومات واسعة على التعليم العمومي واستثمروا في التعليم الخاص ليبيعوا بعد محنة السياسة الوهم للمواطنين. ما العمل مع أشباح السياسة هؤلاء وتماسيحها؟ الحل في يد من أتى بهم للسلطة عبر صناديق الانتخابات. الناخب المغربي فقط هو من يجب عليه رفع البطاقة الحمراء في وجههم. على هذا الناخب أن يعي بأن تصويته على هؤلاء لن يأخذه إلى الجنة ولن يزيد في ميزان حسناته. بل سيعرضه للعقاب في الدنيا قبل كل شيء آخر. وإذا استمر الناخب في سباته سيكون حينئذ أقل ذكاء من الحمار الذي لا يصطدم برأسه أبدا لمرة ثانية بنفس الحجارة. أقول ما قلت وأنا بعيد نسبيا من شر هؤلاء لكنني أتألم لوضع المغرب، بلدي الأم، وأنا أنعم بالديمقراطية والحرية في هولندا، بلدي الأب!