الجمعة 20 سبتمبر 2019
كتاب الرأي

مصطفى المنوزي: القطيعة مع التقليدانية شرط لكل المصالحات

مصطفى المنوزي: القطيعة مع التقليدانية  شرط لكل المصالحات مصطفى المنوزي
هل انتهى دور المؤسسات الحزبية والمدنية أم ان الاخفاق  في تمثل  متطلبات  المرحلة هو السبب في عودة نزعات
الفوضوية والعدمية  الى المشهد  بعبثية وأبتذال  ...؟
إن ما جرى في شمال المغرب الريفي أكد معطى مهما ألا وهو هيمنة النزوع القبلي والعائلي المغلق على أشكال التعبير والإحتجاج ، في مقابل تصلب العقل الأمني في الدفاع عن المقاربة الأمنية بخلفية مركزية ، وفشله في الاستيعاب الكافي والإختراق ، إلى درجة تعثر جميع المساعي والوساطات ، وبروز أزمة الحوار وإشكالية التمثيلية والمخاطببين ، بما يشبه الغموض الهوياتي او العجز  عن  التشخيص  الاستعلاماتي  ، وكأننا بصدد مواجهة مفترضة بين المخزن والسيبة ، ولكل جهة مبرراتها الموضوعية والذاتية ؛ فالثقة المفقودة تجد مسبباتها في التاريخ ، غير أن  التحليل الموضوعي يقتضي قياس حجم كبوة الجواد ( الانتقال الدمقراطي عبر القطيعة مع ماضي الانتهاكات  ) على قدر الرهان وقيمته السياسية ، ومن أهم الاستثمارات تأكيد الحق في شغل الفضاء العمومي من زاوية تشاركية وتشاورية وتواصلية متكافئة مع المواطنين ، بقرار مستقل وواع وواقعي ، ومادام الأمر كذلك ، فينبغي لملمة الجراح الحاصلة والمفترضة وتنسيق الجهود وتوحيد الامكانيات البشرية والمادية بتعزيز التواصل البيني أولا ثم الانتقال إلى فرض الحق في الاتصال الإعلامي العمومي ، ويبدو أن الجمع بين الانتخابات الجماعية والانتخابات الجهوية ، بتعدد المسؤوليات وتماهيها ، بخلفية الجمع بين محاسن الدمقراطية التشاركية وبين منافع الدمقراطية التمثيلية ،  غير منتج للتمثيلية النسبية ، مما يستدعي التفكير في صيغة لضمان التعددية النوعية مع الاحتفاظ بجدوى الاقتراع المباشر وإلا فالبديل يظل هو اعتماد دورتين لتسهيل الفرز والتمكين من دمقرطة الفرص ، وقد يدفع بعض المنطق الصوري الى محاولة استنساخ تجربة إقليم إفني ، بتشجيع نوع من الإكتفاء الذاتي واستثمار الموارد البشرية  المحلية من أجل تدبير الشأن المحلي خارج قواعد اللعبة الدمقراطية ، فيما يشبه  تنخيب الاطر  في صيغة تعيين الأعيان وشيوخ القبائل ( الشبان ) ، من هنا  لا مناص من تخلي  الدولة عن منطق  التمركز على الطريقة اليعقوبية ، ومن ضرورة استكمال مشروع  فدرالية الجهات على أساس دمقراطي ، وكل ما يمكن السماح به ، لتفادي أي انغلاق  وتقوقع منتج للانفصال ، هو التشريع لامكانية تأسيس  أحزاب جهوية سوسيودمقراطية   ، بدل جمعيات مدنية كبرى ذيلية لأحزاب سياسية محافظة معتمدة على الريع والأعيان ، وهذا إمر صعب ولكن ، على الأقل  سيؤهل ماهو موجود في الواقع ويخرجه الى العلن ممأسسا  وخاضعا للرقابة الدستورية والقضائية .
وفي نهاية التحليل  ، وقبل نهاية المطاف  ، لا بأس  من الإشارة إلى أن  عملية تصفية  البيئة الحقوقية  في طريقها إلى الأجرأة ، ولكن  لا زالت  الدولة  وعقلها الأمني  يعتبر  أن قوة و هيبة الدولة فوق كل اعتبار ، والحال أنه لا داعي لتضخيم  الأمر  مادامت  الأجواء السياسية في طريقها إلى الانفراج  ، على الأقل  في العلاقة  مع  مطلب  طي صفحة الماضي  ،  الذي  يخشى  رفاق الشهداء والشرفاء  ان تفوض  مهمته  الى  متقاعدي السياسة  والتوابين  الذين أعياهم  الزمن السياسي بتداعياته الانتخابوية ،  والحال ان  الطي مشروط  بالحقيقة والإنصاف  وعدم الإفلات من العقاب  وارساء ضمانات عدم  تكرار  فظاعات الماضي  الأسود  ، ناهيك عن  القطيعة مع  مظاهر الحكم  الفردي  المطلق  ،  ليبقى السؤال  هل يكفي  لانجاز  هذه المهام  والالتزامات  مجرد  احتفاء  معنوي  بمن تبقى  من رموز   المد التحرري  والطموح الدمقراطي  الذي  لم  يستكمل  حلقاته  ،  تحت  غطاء  مصالحات بينية  لا  ترقى الى  مصالحة يقينية  للدولة  مع  الحداثة  والدمقراطية ، مما يستوجب مزيدا  من الحيطة حتى  لانجتر  من جديد  مرارة  وتداعيات  التسويات الفوقية  في شكل  مأساة  تعوق  حسن  تدبير  النهايات  ؟