السبت 16 نوفمبر 2019
كتاب الرأي

يوسف لهلالي: ماكرون.. "نهاية هيمنة الحضارة الغربية، في ظل التغييرات الجيوسياسية..."

يوسف لهلالي: ماكرون.. "نهاية هيمنة الحضارة الغربية، في ظل التغييرات الجيوسياسية..." يوسف لهلالي

"المبادرات التي يجب على فرنسا أخذها في المستقبل من أجل استمرار دورها في العالم، كفاعل سياسي متميز، في ظل عالم تغلب عليه هيمنة واشنطن على أغلب القرارات"، يقول الرئيس الفرنسي إيمانييل ماكرون لسفراء بلده الأسبوع الماضي بباريس. العالم اليوم يشهد اندلاع صراعات تجارية عالمية منذ وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، أهمها الحرب التجارية بين بيكين وواشنطن، والتي أصبحت تهدد النمو الاقتصادي بالعالم، هي كلها معطيات طرحها رئيس فرنسا للديبلوماسية الفرنسية لتأخذها بعين الاعتبار في عملها عبر العالم.

 

خلال هذا الخطاب الذي استمر ساعتين، فإن ساكن قصر الإليزيه أكد على التحديات العالمية الجديدة التي تواجه بلده، وكذا المسؤوليات الفرنسية والأوروبية في هذا الجانب. وركز ايمانييل ماكرون في هذا الخطاب على العلاقة مع روسيا وضرورة استرجاع موسكو لوضعيتها بأوروبا، باعتبارها بلدا أوروبيا له مكانته بالقارة وشريك لا يمكن تجاهله، بالإضافة الى الملف النووي لإيران والدور الذي يمكن أن تلعبه فرنسا رغم الصعوبات التي يطرحها هذا الملف، وهو ما جعل الرئيس الفرنسي يكثف جهوده ولقاءاته المباشرة مع وزير خارجية إيران جواد ظريف عدة مرات، وكذا اتصالاته الهاتفية المستمرة مع الرئيس الإيراني حسن روحاني.

 

وقال أثناء هذا الخطاب إلى سفراء بلده، إن النظام المتعدد الأطراف الموروث عن القرن الماضي يواجه تحديات كبيرة، من قبل اللاعبين الرئيسيين، والقوى السلطوية التي تزداد. وتساءل هل يجب أن نستسلم لهذه الوضعية الجديدة. وأجاب بالنفي؛ قبل أن يضيف: نحن بحاجة الى مبادرات جديدة، وبناء تحالفات جديدة. ويريد أن يقول الرئيس الفرنسي لسفرائه إن العالم تغير ويتغير، وعليكم مسايرة هذه التحولات والبحث عن تحالفات جديدة تساير هذه التغييرات، لأن عالم اليوم لا يشبه عالم الأمس.

 

وفي خطابه لمح الرئيس الفرنسي إلى نهاية هيمنة الحضارة الغربية، في ظل التغييرات الجيوسياسية وصعود قوة الصين وروسيا، وقال "يجب أن نعيد التفكير في علاقتنا بروسيا".

 

ولاحظ أن ملفات الدفاع الأوروبية لم تتقدم كثيرا، وهو يلمح بذلك الى مبادرات فرنسا الى الأوروبيين إلى الاعتماد على أنفسهم في الدفاع بدل الركون والاعتماد كليا على الحليف الأمريكي الذي يعرف هو الاخر تحولات في تصوره لأمنه وتحالفاته. وأضاف "أن أوروبا لا يمكن أن تعول في أمنها على الولايات المتحدة الامريكية لوحدها، وأن الأمر متروك لنا اليوم لأخذ مسؤوليتنا لضمان الأمن، وبالتالي السيادة الأوروبية."

 

وفيما يخص رهانات البيئة، قال الرئيس الفرنسي إن المعركة من أجل كوكب الأرض سوف تبقى في قلب سياستنا الخارجية، ويجب أن يؤذي ذلك إلى التفاوض من أجل ميثاق عالمي جديد للبيئة. وقد فرضت الحرائق التي تتعرض لها غابة الأمازون نفسها على هذه القمة، خاصة الأزمة التي اندلعت بين الرئيس الفرنسي والرئيس البرازيلي، التي تحولت إلى أزمة ديبلوماسية بين البلدين، بعد لجوء الرئيس البرازيلي من أقصى اليمين إلى السب بطريقة غير ديبلوماسية في حق الرئيس وزوجته. ورغم ذلك فإن هذه الأزمة التي مست الأمازون وهي غابة في أمريكا اللاتينية تتقاسمها 9 دول، فرضت على برازيليا إلى تحريك جيشها للمساهمة في الإطفاء، وقبول المساعدات الدولية التي أقرتها مجموعة السبع من أجل المساهمة في إطفاء الحريق.

 

واستعرض أيضا الثورة التكنولوجية التي يعرفها العالم، والتي فرضت شبكات التواصل الاجتماعي، وضرورة الأخذ بعين الاعتبار هذه التحولات، كما دعا فرنسا إلى ضرورة إعادة حمل فكر النهضة والأنوار والإنسانية، الذي يميزها ويميز أوروبا بدل هيمنة قيم هنغاريا الكاتوليكية أو روسيا الأورتودوكسية على أوروبا اليوم.

 

وفي هذا الخطاب تحدث الرئيس الفرنسي أيضا عن المكانة الاستراتيجية التي خصصتها فرنسا في سياستها للبحر المتوسط وإفريقيا، وذكر بالروابط التاريخية والحضارية التي تجمع فرنسا بهذه المناطق من العالم والتي تعتبر جوارا استراتيجيا، وأشار إلى المغرب العربي الذي يعرف انقساما بين بلدانه وهو أمر يضعف هذه البلدان.

 

 بالنسبة للخبير في العلاقات المغربية الفرنسية مصطفى الطوسة "فإن المقاربة الديبلوماسية الجديدة لرئيس ايمانييل ماكرون بعد خطابه الأخير، تدعو سفراء بلده إلى ان يلعبوا دورا هاما في معظم الازمات العالمية". الوضعية التي يعرفها العالم وخاصة أوروبا تسمح لفرنسا بلعب هذا الدور حسب نفس الخبير "المشاكل الداخلية التي يعرفها بوريس دجونسون في بريطانيا بسبب البريكسيت، ضعف أداء وأفول نجم المستشارة أنجيلا مركيل، وانقسام العالم إلى قطبين: قطب أمريكي وقطب باقي العالم."

 

وفي هذا الخطاب لرئيس الفرنسي دعىا ديبلوماسيية بلده إلى لعب أدور جديدة والبحث عن تحالفات جديدة، سواء مع روسيا أو دول أسيا أو في الشرق الأوسط.

 

وفما يخص الديبلوماسية الفرنسية وعلاقتها مع البحر المتوسط وإفريقيا، قال مصطفى الطوسة: "إن الرئيس الفرنسي يعتبر أن إفريقيا هي العمق الاستراتيجي لأوروبا، ويريد إقامة تحالفات ومشاريع عملاقة لمحاربة ظاهرة الهجرة."

 

هذا المشروع المتوسطي والإفريقي لفرنسا يمر حتما بحليف استراتيجي في المنطقة وهو المغرب، حيث تعتبر فرنسا أن  الرباط تلعب دورا رياديا في المنطقة المتوسطية، ورياديا أيضا في إفريقيا، فلاشك أن هذه المشاريع التي يطلقها الرئيس الفرنسي ستكون محور التحالف مع المغرب وديبلوماسيته، لوجود تشابه في الأهداف، وهو إقرار السلم في المنطقة واستقرارها وإطلاق مشاريع اقتصادية عملاقة تستفيد منها إفريقيا، ليكون المغرب وفرنسا يدا في يد في هذه القارة الواعدة على المستوى الاقتصادي،  يقول مصطفى الطوسة في تعليقه على خطاب الرئيس الفرنسي فيما يخص سياسة بلده في المتوسط وفي إفريقيا.