الأحد 15 ديسمبر 2019
كتاب الرأي

عبد الوهاب دبيش: التخلي الأهوج عن الانتماء للوطن لا يقبل عليه إلا أصحاب الآذان الصماء

عبد الوهاب دبيش: التخلي الأهوج عن الانتماء للوطن لا يقبل عليه إلا أصحاب الآذان الصماء عبد الوهاب دبيش

لست أدري هل أحسنت الدولة أم أخطأت حين صنعت من متظاهرين عاديين نجوما وأدوات في يد الخارج، ليتخذها بعد تمكنه منهم ورقة ابتزاز أساسية للضغط على المسؤولين المغاربة؟

 

مجموعة الزفزافي ركبت على ملف المرحوم محسن فكري، وجعلت منه حصان طروادة للضغط داخليا في أفق إخراج الأوراق الحقيقية للمتظاهرين؛ وكان بارزا أن المسؤولين لم ينتبهوا الى ما حدث خمس سنوات خلت، قبل حادث 29 أكتوبر المشؤوم؛ فقد شهدت المنطقة عملية تطهير سابقة لم تترك أحدا من المسؤولين بالحسيمة، وتبين بعد المحاكمة أنها كانت تصفية حسابات بين من استطاع الوصول إلى الملك وسلمه رسالة تتهم مسؤولي المدينة، وبين هؤلاء لا لشيء سوى لأنهم فقط يمثلون الدولة المغربية بجميع مرافقها.

وانتهت حملة التطهير هذه بالزج بأبرياء في السجون، بل بمآسي اجتماعية لأفراد تشتت أسرهم وتشرد ابناؤهم، فقط لأن هنالك أشخاصا ما بلغوا الملك، ما يفيد أن المدينة فيها مفسدين يجب محاسبتهم بأقسى العقوبات !

 

عادت الحسيمة إلى نفس الأسلوب في أقل من خمس سنوات، وهذه المرة مستغلة وفاة محسن فكري؛ أكيد أن المرحوم ارتكب مخالفة استغلال سمك ممنوع من الصيد؛ وأكيد أيضا أنه امتنع عن إيقاف سيارته ببوابة الميناء، لكن هل كان هذا الشخص فقط منً تجاوز القانون ولَم يمتثل لأوامر رجل الشرطة باعتباره منفذا للقانون؟!

 

الواقع أن كل أقاليم الشمال تعرف تجاوزات للقانون، بل تصر بعض الجهات على أن لا تحترم القانون، والسبب هو غياب رؤية شمولية مندمجة للنهوض بالمنطقة، خصوصا أقاليم الشاون والحسيمة وتاونات ووزان، ويتمثل هذا العصيان أو التمرد على القوانين فيما يلي:

 

- الإصرار على زراعة الكيف، وهذه نقطة لابد من الإشارة إليها لأنها جوهر موضوع التجاوزات التي يمارسها السكان على عينك يا بن عدي، حيث فشلت جل المقاربات في ثني ساكنة الريف عن زراعة القنب الهندي، وتركت الدولة الحبل على الغارب ليعيث المتاجرون في المادة ومشتقاتها بالقانون، يبيضون أموالهم في مقاهي فاخرة منتشرة بكل من فاس ومكناس وطنجة وتطوان، ولا يستثمرون درهما واحدا في أماكن الإنتاج المتروكة لمزارعين يكدون يومهم بمساعدة عمال زراعيين مستجلبون من أقاليم مجاورة تعيش حياة البؤس المنقطع النظير. هذا كله لكي نرضي الاتحاد الأوروبي الذي يبتزنا بكوننا بلدا منتجا للمخدرات؛ وتستغل الجزائر الموقف لتدعي أننا نغرق بلدها بالمخدرات؛ وتنسى أنها كانت الأصل في ترويجه حتى قبل أن يكون المغرب تحت حماية فرنسا. والحال أن هولندا وبلجيكا وحتى فرنسا مقبلة مع ألمانيا وإسبانيا على ترخيص استعمال المادة بشكل فردي ومحدود.

 

- الكيف نبات طبي طبيعي لا يقتل من يستخدمه، وله منافع طبية أثبتتها الدراسات الأكاديمية، فهو معالج كبير للألم ومسكن قوي ومنعش للنفس الكئيبة؛ فلم غاب عن الدولة أن تنشئ له مصانع أدوية يستخلص منها عقارات طبية؛ علما أن الكيف المغربي طبيعي ومتميز ولا يشبه ما تنتجه أوروبا أو حتى أمريكا، وليذهب الاتحاد الأوروبي إلى الجحيم!

 

- البنية التحتية والطرق؛ وهذا المجال يعد كارثة الكوارث، الزائر الى هذا المجال يكتشف فظاعة ما بعدها فظاعة عن حال الطرق والبنية التحتية بهذه الأقاليم؛ منطقة جغرافية لا توجد في عقل الشركة الوطنية للطرق السيارة؛ لا يوجد طريق سيار واحد يعبر أقاليم وزان تاونات الشاون والحسيمة. وهذا الغياب يحرم المجال من دخل سياحي مهم يوفره المجال ومعطياته الطبيعية؛ للمنطقة جبل وشاطئ ووديان وتاريخ غني ومدن مندثرة وعيون وفاكهة واستجمام لا يوجد إلا في أماكن مثل بعض الدول الأوروبية، كسويسرا مثلا.

الذين ساهموا في هذه الوضعية هم من تحملوا مسؤوليات تجهيز وبناء الطرق والمسالك من منتخبين وعمال ومديري التجهيز بهذه المناطق الذين لم تشملهم المحاسبة، بل إن بعضا منهم يعدون من المستفيدين من تجريم انتاج الكيف ومن مروجي الجانب المسموم منه. لذلك فلن تشاهد غير النقل السري والمندمج، ولن تشاهد غير مزيد من الكوارث في حوادث سير مميتة تخلف مآسي لا تموت ولو مرت عليها عشرات السنوات!!

 

- غياب رؤية مندمجة للنهوض بالمستوى التعليمي، إذ لا توجد جامعة في هذه المناطقً، ويظل الطلبة المنتمون لهذه الأقاليم موزعين بين جامعات فاس والقنيطرة وتطوان ووجدة.

 

هذه أعتقد هي الدوافع التي تجعل إنسانا فاقدا للأمل في وطنه إلى ارتكاب حماقة أكبر من التظاهر، وهي المطالبة بالتخلي عن الانتماء للوطن.

 

هذا الأسلوب الأهوج والمعتوه لا يقبل عليه غير الذين وصلوا بابا مسدودا وآذانا صماء؛ ومثل هؤلاء هم من ينتظرهم من مقتنصي الفرص المتربصين بالوطن وبالبلاد ليشوهوا سمعته وصورته عند بلدان تعيش على صنع الخراب في بلدان العالم!

 

هل يرضينا أن نترك موظفين في قنصليات المغرب بهولاندا، ليأتي شخص لم نعرف عنه غير أنه ابن العقيد اعبابو الذي كان صاحب فكرة انقلاب يوليوز سنة 1971 الذي قتل فيه أكثر من 500 إنسان جاؤوا للاحتفال وعادوا جثثا لذويهم.

 

إن واقع أقاليم القنب الهندي مؤلم، ويتطلب حلولا جذرية تقطع مع مرحلة العزلة؛ والى فترة تصالح مع الأهالي لاجثتات اي نواة انفصالية؛ ولتذهب هولندا ومن يريد الاصطياد في الماء العكر إلى جهنم!!

 

- عبد الوهاب دبيش، أستاذ التاريخ، محلل سياسي