الأحد 20 أكتوبر 2019
اقتصاد

عبد الاله عقبي: التكوين المهني بات مطالبا بخلق مسار جديد للنخب المتفوقة من التلاميذ

عبد الاله عقبي: التكوين المهني بات مطالبا بخلق مسار جديد للنخب المتفوقة من التلاميذ عبد الاله عقبي
نبه الخطاب الملكي في ذكرى ثورة الملك والشعب، إلى التراجعات التي عرفها قطاع التكوين المهني، داعيا إلى إيجاد سبل جديدة قوامها الفعالية والنجاعة.. 
ولتسليط الضوء على عوامل الخلل ومقومات الرفع من المردودية العامة للتكوين المهني، استضافت
"أنفاس بريس" عبد الاله عقبي، أحد الأطر العليا بقطاع التكوين المهني الذي قضى به أكثر من 33 سنة وتقلد مهاما عديدة في نفس القطاع، أهمها منصب مدير جهوي بجهة سطات تادلة وفق النظام الجهوي السابق، مع مسؤوليات متعددة في نفس القطاع.
وفي يلي نص الحوار:
هناك سؤال بدهي يطرح نفسه، لماذا لم يحافظ قطاع التكوين المهني على خطه التصاعدي الذي ميزه في فترات سابقة؟     
أولا، لابد من التأكيد على معطيات عديدة منها ولادة التكوين المهني التي تمت سنة 1974 بأمر ملكي من المرحوم الحسن الثاني وفق مخطط  منهجي تم رسمه لمحاربة البطالة وتأهيل الشباب المغربي للاندماج في سوق الشغل بمؤهلات فعالة، وكانت الانطلاقة ذات مردودية مشهود لها بالنجاعة وأعطت نتائج باهرة تبقى كل الإحصائيات الرسمية تشهد على ذلك. إلا  أن عدم استقرار قطاع التكوين المهني على توجه إداري موحد ساهم في ما بعد في مجموعة من التراجعات. فتارة تشرف عليه وزارة التشغيل، وتارة أخرى يسند لوزارة التجهيز، وتجربة أخرى لوزارة التعليم... مع وجود قطاعات أخرى لها مناهجها الذاتية في التكوين وأخص بالذكر قطاع الصناعة التقليدية والصيد البحري.. واتخذت مجموعة من المساطر الإدارية والمنهجية من أجل توسيع رقعة التكوين المهني بكل تراب المملكة وأحدثت شعبا جديدة خدمت مطالب شريحة هامة من الشباب. لكن التحول انطلق منذ 2003، حيث بدأ الرأي المغربي يستشعر أن التكوين المهني بمثابة فرصة أخيرة للتلاميذ الفاشلين في مسارهم الدراسي، وتداخلت عوامل أخرى لتتم مجموعة من التراجعات.      
أين تحدد نقاط النجاح ونقط الفشل؟       
بالتأكيد، هناك نقاط عديدة التي تعكس مقومات النجاح، لكنها لم تشمل كل المراكز، وهنا أعطي أمثلة واقعية لنماذج النجاح. فالكل يعلم أن مكتب التكوين المهني خلق شعبا عصرية، كما هو شأن شعبة الطيران والإعلاميات العصرية وصناعة السيارات... وفي نفس السياق تم إبرام شراكات مع وحدات صناعية كبرى مرتبطة بالشعب المذكورة، وهكذا أصبحت تخصص دروس نظرية بمراكز التكوين المهني صباحا، في ما يتم التطبيق في المساء، وبعد التخرج والحصول على الديبلوم، يجد المتخرجون أنفسهم مطلوبين لدى الوحدات الصناعية المذكورة. هذه من التجارب الرائدة التي تحققت بمجموعة من مراكز التكوين المهني، لكن للأسف لم تكن معممة على كل المراكز. وبالرجوع للسلبيات، فهي بالتأكيد متعددة، وفي مقدمتها الاعتماد على مكونين يفتقرون للأهلية اللازمة وذلك وفق عقود مؤقتة. والجانب السلبي الآخر يتجلى في ضعف التجهيزات المرتبطة بالدروس النظرية والتطبيقية على حد سواء. فالحديث عن محرك السيارات يتطلب وجوده أمام أعين الطلبة، لا من خلال الحديث عنه في الخيال، وهذا الأمر لا ينطبق على هذه الشعبة فقط بل شمل شعبا عديدة، إن لم أقل أكبر نسبة منها. فالتكوين المهني يفرض التمرينات العملية كي يكون ناجعا ومفيدا.    
هل التكوين المهني يقتصر على الممدرسين فقط؟ 
هذا أكبر خطأ تم ارتكابه في مسار التكوين المهني، حيث أن التكوين المهني من المفروض أن يشمل كل الحرف والمهن. فالجزار والبناء والصباغ والفلاح.. في حاجة لتكوين مهني، وتمنح لهذه الفئة شواهد وباستحقاق. فكل المهن تتطور. ومن دون الاعتماد على مناهج متطورة للتكوين يستحيل مواكبة عصرنتها... فالجزار لم يعد يقتصر عمله على تقطيع اللحم، بل هناك اختراعات عديدة لطريقة تقطيع اللحم وفق اختيارات الزبناء، ومن دون تكوين يستحيل على أي جزار القيام بذلك. من هنا يتأكد أن التكوين المهني بات ضروريا لمواكبة التطورات العصرية لكل المهن والحرف.      
كان الخطاب الملكي الأخير صريحا وهو يركز على ضرورة خلق تحول جيد بالتكوين المهني قوامه نجاعة مردوديته، كيف تقيم معطيات خطاب محمد السادس في شأن هذه النقطة بالذات؟    
حرص الملك محمد السادس في خطابه أن يجعل من التكوين المهني سبيلا قوامه التطور العصري لمجال التكوين المهني، وهو ما يؤكد أن الآليات الحالية أصبحت من المفروض تغيير أسسها العامة. ومن هذا المنطلق أؤكد أن التكوين المهني بات مطالبا بخلق مسار جديد للنخب المتفوقة من التلاميذ، لا أن يكون ملاذا التلاميذ الفاشلين في حياتهم الدراسية، وفي السياق نفسه هناك عمل يتم حاليا، من أجل أن يكون جاهزا في أفق سنة 2020، ويتعلق الأمر بأربعة مراكز جهوية كبرى، ستفتح أبوابها في وجه التلاميذ المتفوقين في دراستهم، وذلك وفق تخصصات مرتبطة بمتطلبات العصر لغاية الإدماج في سوق الشغل بشكل أوتوماتيكي، لكون الشعب التي ستدرس تبقى مرتبطة بمتطلبات التشغيل الحديثة.     
أشار الخطاب الملكي إلى العالم القروي ومدى حاجته الماسة لمناهج التكوين المهني، مارأيك؟ 
كما أشرت سابقا، من يعتقد أن التكوين المهني هو مخصص للممدرسين فقط، فهو منهاج خاطىء، لكون التكوين المهني هو نبراس لكل الشرائح الاجتماعية ومن بينهم المندمجون في القطاع الفلاحي، والكل يعلم أن الفلاحة لم تبق متوقفة على الطرق العتيقة، بل هي في حاجة ماسة لمسايرة التطور. فالخضر مثلا، أصبحت تعتمد على دراسات حديثة مرتبطة بطرق السقي والأدوية والمتابعة المتواصلة لكل التطورات، من هنا نجد الدور الأساسي للتكوين المهني كي ينير الطريق أمام الفلاح من أجل التعامل العصري والمتطور مع فلاحته وذلك حسب تنوعها. من هنا يتضح أن التكوين المهني بالعالم القروي بات يفرض نفسه، لذا كان الخطاب الملكي ذا إشارات إيجابية كبيرة، وذلك لغاية تطوير المنتوجات الفلاحية على اختلاف أنواعها.     
أين يمكنك حصر الخلاصة العامة للخطاب الملكي؟ 
قطاع التكوين المهني يبقى ملازما للتطور المتواصل لحياة الإنسان، لذا من المستحيل الاستغناء عن خدماته، لكن شريطة توفير كل الأدوات اللازمة لضمان نجاحة، من عنصر بشري مؤهل، ومن بنية تحتية كافية، ومن أدوات الاشتغال والمتشكلة في الوسائل المرتبطة بالدروس التطبيقية، فإن تم الحديث عن مكونات المحرك، بات من الضروري أن يكون نموذج هذا المحرك وسط الطلبة ومن دون ذلك لن تكون النتائج كما نتمنى. بشكل إجمالي، إن الظرف الحالي مناسب للاستفادة من مجموعة من الأخطاء، وإن تظافر الجهود سيجعل قطاع التكوين المهني أرضية جديدة للنجاح.