الأربعاء 18 سبتمبر 2019
مجتمع

أبعيصيص: التخطيط للتكوين المهني من فوق  وخارج منطق الإشراك الحقيقي للجميع لن ينتج إلا الفشل

أبعيصيص: التخطيط للتكوين المهني من فوق  وخارج منطق الإشراك الحقيقي للجميع لن ينتج إلا الفشل عبد الاله ابعيصيص

أكد الملك محمد السادس في خطابه الأخير بمناسبة ثورة الملك والشعب على أهمية التكوين المهني، في تأهيل الشباب، وخاصة في القرى، وضواحي المدن. "أنفاس بريس"، ومواكبة منها للنقاش العمومي حول الموضوع اتصلت بعبد الاله ابعيصيص، باحث في العلوم السياسية، وطرحت عليه جملة من الأسئلة حول الموضوع، فوافانا بالورقة التالية:

لقراءة هذا التوجه الجديد القديم، قراءة سليمة لابد من الوقوف على ملاحظتين أساسيتين: 

أولاهما أنها ليست المرة الأولى التي يطفو فيها موضوع التكوين المهني على سطح التداول العمومي، إن بشكل رسمي من أعلى هرم الدولة لأن خطاب 20 غشت الأخير سبقته خطب أخرى طرحت  الموضوع . وغير خاف على أحد ما يحمله طرح موضوع في خطاب رسمي من دلالة. فالأمر يعني أن توجها رسميا قد حسم فيه ولا يحتاج إلا إلى تفعيل من خلال إصدار قوانين ! وهذا يعيد طرح سؤال من يحكم فعلا في البلاد؟ ويعيد للواجهة مرة أخرى سؤال جدوى المؤسسات المنتخبة من برلمان وحكومة وباقي المؤسسات . الموضوع ليس جديدا فقد سبق للوزارة المكلفة بالقطاع أن أطلقت سنة 2015 الإستراتيجية الوطنية للتكوين المهني في أفق  2021 وذلك بغية إعطاء روح جديدة لهذا القطاع...كما سبق لوزارة التربية الوطنية أن طرحت منذ سنوات مشروعا لتوجيه تلاميذ الإبتدائي نحو اختيار مهن للتخصص قبل الإنتقال للتعليم الإعدادي، لعل اخطر ما أثارني حين مناقشة الموضوع مع المؤطر الذي كلف بتكويننا في الموضوع هو سؤال مرتبط بطبيعة المهن التي تم اختيارها كنماذج ( مساعد ميكانيكي، خياطة، حلاق و "فرناتشي" كان السؤال حينها لماذا بالضبط هذه المهن؟

ثاني الملاحظتين تتعلق بمنطق اللامبالاة الذي تواجه به تقارير المؤسسات الرسمية المرتبطة بالموضوع، فمثلا سبق للمندوبية السامية للتخطيط أن أجرت دراسة عن الملاءمة  بين التكوين والتشغيل بالمغرب كانت من أهم خلاصاتها أن معدل البطالة في صفوف خريجي التكوين المهني لايزال أعلى من المعدل المسجل في التعليم العام، كما لو ان الدولة تعبت من المعطلين المتعلمين ومطالبهم وتريد معطلين مهنيين بمطالب أقل وأقرب للاستجابة.( المعطلون المجازون أو حملة الماستر والدكتوراه مطالبهم لا تقل عن وظيفة في السلم العاشر معطلو التكوين المهني لن يتجاوز سقف مطالبهم خدمة في شركة مقابل السميك أو أقل قليلا)

إن هاتين الملاحظتين المتعلقتين بقدم موضوع التكوين المهني وطبيعة المهن المرتبطة به وكذا عدم أخد نتائج الدراسات وما تنبه له من  مشاكل يجعلنا نطرح السؤال القديم الجديد : أي مغرب يتم التخطيط له؟ وأي مغربي يريدون؟ هل هناك رغبة لتحويل المغرب إلى مقاولة كبيرة ملاكها أصحاب رأس المال ( الذين يستحوذون على المجالين الإقتصادي والسياسي).. والباقي مجرد خدم وعمال؟ 

لقد سبق للمجلس الإقتصادي الإجتماعي والبيئي في أحد تقاريره المقدمة لرئيس الدولة ان دق ناقوس الخطر وهو يتحدث عن نتائج الثنائية او الازدواجية التي تهدد البلاد والناجمة عن التفاوت الحاصل بين التعليمين العام والخاص ...وقد أشار إلى أن هذه الازدواجية ستؤدي إلى تقسيم المجتمع إلى قسمين أو نوعين من المواطنين..

وبهذا التوجه الجديد /القديم نحو التكوين المهني يبدو جليا أن هناك توجها محسوما لدق  آخر مسمار في نعش كل ما هو عام من تعليم  وجامعة ووظيفة بالطبع. فما معنى أن يتم تبخيس مسار طويل عريض من التعلم انطلاقا من الإبتدائي إلى الإعدادي إلى الثانوي وصولا إلى الجامعة أي ما مجموعه 17 سنة من الجري من اجل شهادة لا قيمة لها في سوق الشغل ولا دلالة لها في عالم القيم الجديدة!! بل يصبح كل حامل شهادة مدعاة للسخرية والتبخيس..خصوصا مع ارتفاع منسوب اللاقيم داخل المجتمع، والمهادنة المقيتة مع كل ما هو غش. إنها دعوة الجميع لهروب جماعي نحو المجهول...

إن اخطر مفارقة مرتبطة بموضوع التكوين المهني المطروح اليوم في ساحة التداول العمومي مغربيا اليوم. هي المرتبطة بما بات يتم الحديث عنه من نموذج تنموي جديد وما يتم الترويج له من خطاب الكفاءات ولجنة الصياغة والمقاربة التشاركية في الإعداد...اذ كيف يتم الترويج لهكذا منطق من جهة وتوجيه النقاش بشكل رسمي ومحسوم في موضوع كالتكوين المهني. بصيغة أدق؟ كيف سنصدق إن نموذجا تنمويا سيتم العمل على إعداده من طرف لجنة بمقاربة تشاركية وقرارات وتوجيهات تأتي من جهة ما تحسم في كل شيء؟؟ قبل التساؤل عن جدوى لجنة الصياغة يجدر بنا التساؤل عن جدوى السياسة أصلا وما ضرورة الإنتخابات والبرلمان والحكومة إذا كان كل شيء محسوم سلفا؟؟

إن منطق الهروب إلى الأمام وفرض البرامج من أعلى لن ينتج إلا فشلا كما سبق. 

إن منطق المقاولة الذي يتم به تدبير شؤون البلاد لن يؤدي إلا إلى مزيد من تفاقم الأوضاع. فالأولويات واضحة لصناعة مواطن الغد لابد من الحسم في مواضيع ثلاث إصلاح التعليم ومحاربة الفساد وتأهيل الإقتصاد، وقبل كل ذلك ولأجله في نفس الوقت لابد من إرجاع الثقة إلى المجتمع ولا سبيل لذلك إلا من خلال إطلاق سراح المعتقلين السياسيين الذين خرجوا ذات احتجاج على وضع الفساد الذي يعترف به الجميع اليوم.

لن ينكر احد أن جدار ثقة كان قد رص منذ عشرين عاما ارتفع معه منسوب الأمل في عهد سمي انذاك جديدا لكن سرعان ما انهار الجدار على رؤوسنا جميعا وادي ثمنه شباب في عمر الورد يقبع خلف جدران الزنازن كأنما عهد المصالحة  والإنصاف كان نصف حلم لم يكتمل...

ان موضوع التكوين المهني أكان خيارا استراتيجيا او تدبيرا تكتيكيا او إصلاحا جزئيا فلن يكون في واقع الأمر إلا نقطة في بحر الأزمة التي تتخبط فيها البلاد.

إن توجها كهذا لن يزيد إلا من تفاقم الأوضاع وتوسيع الفوارق الإجتماعية بين أبناء الوطن الواحد. التكوين المهني لأهل القرى والفقراء..مع ما يرتبط به من تمثل يربطه بالفشل والتعثر الدراسي وإعداد جيش العملة في شركات لا تحترم الشروط الدنيا للشغل...وباقي المهن والوظائف لمن؟؟

ان السؤال الذي يطرحه كثيرون اليوم هو إذا كان اختيار التكوين المهني كمدخل للتنمية سيكون موجها لجزء مخصوص ومحدد من أبناء الطبقة الفقيرة مما يحرمها من حقها في حلم   الترقي الإجتماعي ويحكم عليها حكما أبديا بالإستقرار في أسفل السلم الإجتماعي بالنظر لطبيعة الوظائف التي تنتظرها ؛ هذا إن كانت هناك وظائف؛ السؤال هو والوظائف الأخرى لمن تم حجزها؟؟كليات الطب والهندسة والمهن الدقيقة والمعاهد العليا والمهن الراقية لمن تم حجزها؟؟

إن خلاصة عابرة لكل الدراسات والتقارير التي أنجزت بشكل رسمي او غير رسمي تؤكد ان اي إصلاح دون حوار وطني جاد ومسؤول  ودون إشراك الجميع لن يكون إلا مضيعة لوقت لا يقدر بثمن.

لا شك أن التكوين المهني مدخل مهم لكن طرحه بشكل عمودي دون رؤية واضحة وإستراتيجية لن يتم تملكه من طرف المعنيين به ولن يتم استنهاض الهمم لتقبله وإنجاحه وسيصير إلى ما صارت إليه كل محاولات الإصلاح الفوقية التي لم تأخذ بعين الإعتبار الفشل المتعدد الذي أصابها. نعم لتأهيل الموارد البشرية الني يحتاجها سوق الشغل لان توفير هذه الموارد ضروري لتحقيق التنمية لكن التخطيط من فوق  وخارج منطق الإشراك الحقيقي للجميع ودون استحضار التجارب السابقة لن ينتج إلا فشلا يضاف لسابقيه.