الجمعة 22 نوفمبر 2019
كتاب الرأي

عبد الحميد جماهري: إلغاء احتفالات عيد الشباب.. رياضيات الاحتمال السعيد

عبد الحميد جماهري: إلغاء احتفالات عيد الشباب.. رياضيات الاحتمال السعيد عبد الحميد جماهري

"هناك تغيير لا ناطق رسمي له"… محمد الطوزي

لو شاءت وزارة القصور والتشريفات أن تفسر قرار إلغاء احتفالات عيد الشباب، لفعلت.. ولكنها ،ربما من حسن حظنا، لم تفعل، وتركت لنا حرية التأويل، والقراءة، لكي لا نجد أنفسنا في ثنائية الفهم أو الصمت...

 

نميل، ونحن عدد، إلى أن نجد في القرار نتيجة تكاد تكون حتمية، لما فعله جلالته عندما ألغى الاحتفالات الإضافية بعيد العرش، كما لو أن إلغاء العيد في مناسبة ميلاد جلالته، نتيجة منطقية لإصراره على أن يكون الاحتفال بعيد العرش عاديا، أليفا،  غير أنهما معا يشكلان علامة فارقة في حياة الوطن الاحتفالية..

 

لم يسبق أن أصر ملك على أن يكون عيد جلوسه على العرش بلا احتفالات إضافية ولا اجتهادات..

 

ولأن الحرية تفترض دوما الميل إلى سعادة الاحتمالات فقد تركنا قرار ملك البلاد، باكتماله في ذاته أمام قانون الاحتمالات ، التي لا يمكن توقّع نتائجها قبل حدوثها.

يمكن تأكيد النتيجة من بعد وهي ها هنا، الاستقبال الرحب والجيد من لدن المغاربة، أو على الأقل الذين نعرفهم ونلتقي بهم أو الذين يشكلون حلقة في التفكير المغربي المداوم على الشأن الداخلي..

يفضي بنا الاحتمال الرياضي هنا إلى أن نجد في قرار الإلغاء، حالة قراءة، ضمن سلوك ملكي، تأكد في الذكرى العشرين للجلوس:

 

أولا، الدعوة الصريحة إلى وقف نزوع شبه ميكانيكي إلى الاحتفال الكبير بعقدين من حكم غيَّر وجه المغرب وأعطى البلاد سموا أثار انتباه العالم.

 

ثانيا، في خطاب الصراحة، الذي غير من قاموس التداول وأدخل النقاش إلى منطقة غير مسبوقة، كالحديث عن الملكية الوطنية المواطنة، أي الاقتراب من المواطن حد… الألم، والحديث عن عواطف إنسانية في تشريح الوضع.

الملك تألم لفقراء بلاده.

وملك يتألم، يبدو منطقيا أنه لن يفْرِط في الاحتفال

سواء كمؤسسة: في عيد العرش

أو كفرد: في الاحتفال بعيد الميلاد..

والانزواء بالحياة الشخصية بعيدا عن فضاء العمومية..

وهنا، نحن أمام تبادل القيم، وأهمها انضاج الشروط من أجل مرحلة جديدة.

 

أذكر أن عبد الرحمن اليوسفي قال، عندما تولى محمد السادس الحكم: هذا الملك الشاب سيفاجئكم!

وكان العهد الجديد سلسلة مفاجآت سارة. في الأسلوب وفي القيمة.

في المؤسسات وفي الحياة الشخصية.

في الشجاعة الأدبية كما في الشجاعة الجسدية، كما تبين عند زياراته لإفريقيا ولدول كانت تناصب بلاده العداء كما في كوبا..

 

كلها كانت مفاجآت جعلت ملك المغرب، والمغرب في واجهة العالم لأسباب تتعلق بالتطور الذاتي، وبما يحصل عند مقارنة بلد فقير من جهة الثروات الطبيعية مع دول غنية بذلك لكنها سياسيا فقيرة ولا تقدم أي عربون لنضج مؤسساتي، وعند مقارنة بلاد كل محيطها تقريبا معادٍ، إنْ جغرافيا أوسياسيا أو جيو-ديبلوماسيا، ببلدان لا تعاني من ذلك لكنها تفتقر إلى الاستقرار والسلام الوطني...

 

اليوم ما زال العهد الجديد قادرا على الإبهار وخلق المفاجأة والرفع من سقف الانتظار والتوقع..

ولعل جلالة الملك، وهو يبشر بمرحلة جديدة قوامها الإقلاع الشامل، يعرف قوة الرمزيات في صناعة خرائط المادة السياسية وفي خلق تاريخية القرارات...

 

كثيرون أيضا قرأوا في القرار خطوة باتجاه الملكية البرلمانية

أو باتجاه الملكية المواطنة أو تطوير طقوس الحكم...

وكلها قراءات تستمد من القرار حمولة ذات بعد تاريخي

قوي ومباشر، يفتح بدوره الباب في وجه قرارات أخرى من طينته أو من طينة أبلغ...

 

وخلاصة الاحتمال، أنه مهما كانت القراءات، فإن الثابت الجامع بينها هو أن الأمور تتحرك، والبلاد ليست واقفة،

وموازين القوة بين الفرد والمؤسسات تعاد صياغتها...