الأحد 25 أغسطس 2019
مجتمع

محند أسرون: حكايتي مع الاستثمار في دهاليز محكمة والماس/ الخراب

محند أسرون: حكايتي مع الاستثمار في دهاليز محكمة والماس/ الخراب مشهد من مدينة والماس

هاجرت والماس، قريتي الصغيرة، منذ سنوات طويلة، سحت في أرض الله خارج الوطن، بحثا عن القوت والكرامة، لم تكن قريتي والماس في تلك الفترة إلا تجمعا سكنيا بسيطا، منسيا بين شعاب الأطلس المتوسط. نجحت في عملي ولله الحمد، بعد ما يزيد عن عشرين سنة من الغربة، ثم قررت العودة، ومعي بعض المال الدي جمعته بعرقي، وكل أملي أن أجد مجالا مناسبا أستثمر فيه حصاد شبابي. وأين يا ترى قد أجد مكانا أفضل من مسقط الرأس والقلب والماس، لأجل تحقيق هذه الغاية؟

 

إلى هذا الحد كل شيء بخير، لكنه خير ظاهري فقط، خير لا يعي "التفاصيل"، فوالماس الحلم والذكرى، ليست هي والماس الواقع، وكل ما يظهر من علامات التحديث والقطع مع عهد "الإقطاع" الذي هربنا منه، أيام أحرضان وسطوته، هي علامات شكلية ليس إلا، وإليكم ما عاينته شهادة ودليلا على ما أقول.

 

لأجل مراجعة أصول عقارية بغاية بحث جدوى مشروعي المستقبلي المذكور، كان علي أن أزور المحكمة، أو مركز القاضي المقيم، قيل لي إن المحكمة جددت حديثا، وصرف على تجهيزها مال كثير. هكذا تأبطت ملفاتي وتوجهت لـ "المحكمة" الموقرة، لقضاء أغراضي والنظر فيما قد أحتاجه من وثائق لأجل مشروعي الطموح.

 

الصدمة الأولى كانت عند الباب، مرآب ركن السيارة عبارة عن "مزبلة"، وكأن نفايات الجبل المقابل، وما يفضل من "ميكات" وكراطن لا يجد من مكان يستقر فيه إلا مرآب "المحكمة الموقرة". ما علينا أوقفت سيارتي ونزلت.

 

الصدمة الثانية، لا أحج في المركز، ما عدا مكتب واحد يتيم، يجلس فيه موظف شاب، يظهر عليه أنه مغلوب على أمره، أما غير هذا الموظف النحيل، وأحد أفراد "الأمن الخاص/ سيكيريتي" الذي يبدو من هيأته، أنه هو نفسه يحتاج لسيكيريتي، فلا أحد. صف من الناس ينتظر، والموظف منهمك، وصاحبه السيكيريتي الدي تخلى عن دوره الأمني ليساعد من تنظيم الصف، وحل بعض المشاكل والإجابة عن بعض الأسئلة البسيطة التي قطع من أجلها بعض الفلاحين جبالا وتلال على ظهور البغال، علهم يستجابون.

 

طال بي انتظار دوري، وفضولا مني في معرفة الـ "محكمة" أكثر، قلت أنزل للمقصف لأشرب قهوة، سألت السيكيريتي عن المقصف فابتسم ولم يجب، بكل بساطة لأن المقصف لا شيء يوجد به غير بعض من اسمه، وكأنه مكان قصف فعلا، كونطوار خال على عروشه، وخيوط عنكبوت وبقايا أوراق شجر واتربة في الأرض والحيطان، وأما ما يمكن أن تشربه فهذا غير موجود، حتى رشفة الماء لن تجدها، اللهم أن تمد فمك لأحد خراطيم مياه الحريق، التي يبدو واضحا أنها جافة ووضعت للديكور فقط. جال في خاطري حديث عن العودة من حيث أتيت، إذ أي "استثمار" قد أحصله من مكان خرب ومهجور كهذا؟ سأكون محظوظا إن خرجت سالما ولم أصادف حشرة أو عقربا يعطبني هنا، خصوصا وأن المحكمة/ الخربة، تحاذي الغابة، وكل أنواع الهوام وحشاش الأرض وحيه تحاصرها في هذا المكان المنقطع، لكني مع ذلك صبرت، وقاومت رغبتي وانتظرت دوري، وهنا كانت الصدمة الأخرى.

 

للحقيقة لا شيء في مكتب المركز يوحي لك أنك في إدارة، بل والأدهى في محكمة تصدر أحكامها باسم جلالة الملك، لا شيء يوحي لك بذلك إلا شخص هذا الموظف الذي أمامك، فما عدا كرسيين قديمين ومكتب وبعض الملفات، هي أقرب لأدوات عمل كاتب عمومي في الشارع منها لأدوات عمل مؤسسة ينبغي أن تجسد صورة وهيبة المملكة المغربية، ما عدا هذا لا شيء هناك. طلبت من الموظف معلومات، فقام يقلب ملفات قديمة، أكلها الغبار، ليخرج لي وثيقة كأنها من وثائق الزمن البابلي مما يستخرجه علماء الأركيولوجيا، وأما الوثائق الرقمية، وتقنيات المعلوميات التي قد تتيح لك وللموظفين الحصول على وثائقك، التي هي حق، بشكل لائق ومحترم، بل وحتى آلة الكتابة باليد، فهذه أمور تحدث عنها في أماكن أخرى، وبلدان أخرى، لكن ليس في والماس أكيد، إذ ما عدا بعض الأوراق، وبعض أقلام ستيلو بيك، لا شيء يمكن أن ترجوه من هذا المكان – الطلل.

 

أخذت وثائقي وخرجت، وأنا أقاوم رغبة لا شعورية في نفض الغبار عني أو أخذ دوش، أو أن أؤجلها حتى بيت العائلة على الأقل.

 

أذكر أني مرة، وأنا أشاهد خطابا لجلالة الملك في التلفاز، هناك في الخارج، أنه تحدث عن القضاء باعتباره رافعة تنموية، وواحدا من أعمدة الاستقرار والتقدم والتنمية في البلد. وأذكر مرة أني صادفت على صفحات الفيسبوك فيديوهات لاجتماعات على مستوى "عال" حول رقمنة القضاء والرفع من مردوديته. وحين أقارن بين ما سمعت وما رأيت بأم عيني، لا أملك إلا أن أتبسم، وأضرب كفا بكف، وأقول "لك الله يا والماس"، وإن كان كل المغرب هكذا فسأقول "لك الله يا بلدي".

 

أفكر جليا في الإقلاع عن مشروعي، إذ أن بلدا لا تستطيع محاكمه أن تكون عادلة حتى تجاه نفسها ومظهرها وسمعتها، كيف لها أن تكون عادلة في أمور هي أكبر وأجل من هذه؟