الأحد 25 أغسطس 2019
سياسة

غندور: كيف استفدت من مبلغ 12 مليون في عهد حكومة اليوسفي

غندور: كيف استفدت من مبلغ 12 مليون في عهد حكومة اليوسفي عبد الرحمان غندور، وعبد الرحمان اليوسفي(يسارا)
تنشر جريدة "أنفاس بريس" إحدى حلقات مذكرات القيادي الاتحادي عبد الرحمان غندور، وهي مذكرات ذات شجون يستعيد فيها  غندور أوراقا من حياته الشخصية في عهد حكومة التناوب التوافقي وكيف استفاد من  تجربة رئاسة عبد الرحمان اليوسفي للحكومة بعد الطرد التعسفي الذي تعرض له.. نوستالجيا مشرقة يسترجع من خلالها عبد الرحمان غندور ما معنى أن تكون منتميا إلى حزب تقدمي يقود الحكومة، ومع ذلك لا تكون مطمئنا لهذه التجربة، بل وتكون معارضا لها معارضة بناءة وليست هدامة.
يمكن اعتبار عقد التسعينات هو الفصل الأخير من استراتيجية الاحتواء والتدجين لقوى التغيير والإصلاح التي كان على راسها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتي انطلقت منذ تبني الاتحاد لاستراتيجية النضال الديمقراطي في المؤتمر الاستثنائي سنة 1975. حيث كان محور الصراع يدور حول " دمقرطة النظام المخزني " أو " مخزنة قوى التغيير والاصلاح". وقد تضمنت هذه الاسترتيجية من طرف النظام المخزني ثلاث مراحل:
1-  مرحلة الاستئناس بالمنظومة المخزنية التي امتدت الى 1983.
2- مرحلة استبطان المنظومة المخزنية والتي امتدت إلى 1992
وفي هاتين المرحلتين زاوج النظام بين سياسة الجزرة والعصا كأسلوب للترويض والانتقاء.
3- مرحلة إعادة إنتاج المنظومة المخزنية التي ابتدأت مع دستور 1996، وتكرست مع حكومة التناوب التوافقي، واستفحلت مع الانصياع للمنظومة رغم الخروج عن المنهجية الديمقراطية في 2002، وانتهت " أسطورة " الحزب العتيد الممانع فيما تلا ذلك من انبطاحات.
منذ تأسيس المجلس الوطني للشباب والمستقبل برئاسة الحبيب المالكي سنة 1991، ابتدأت المرحلة الثالثة التي انتهت بإدماج الاتحاد كمكون من مكونات المنظومة المخزنية، حيث منذ ذلك الوقت انفتحت شهية العديد من الأطر الاتحادية للبحث عن الاستفادات من أجل الترقي الاجتماعي عن طريق الحزب، والبحث عن مواقع داخل منظومة المخزن. الشيء الذي سيصبح رهانا قويا مع حكومة عبد الرحمان اليوسفي وبداية زمن الاستفادات الكبرى والمتوسطة والصغرى، من خلال الريع الحزبي عبر الاستوزار والتعيين في الدواوين الحكومية والهيئات الاستشارية في الوزارات، لتتحول هذه المواقع إلى وساطات لنيل بعض التعيينات على رأس مديريات جهوية أو إقليمية أو تحقيق ريع من درحة أدنى  بالنسبة للمناضلين الراغبين في قضاء حاجات معينة، كتسهيل بعض الصفقات، أو تسريع بعض المسطرات، أو الحصول على منح للأبناء...الخ. حتى أصبحت القاعدة الريعية داخل الاتحاد تقول: " إذا لم تكن في الموقع، فكن على الأقل صديقا للذي يحتل الموقع ".
لقد كنت من بين المعارضين لهذا الاحتواء، بناء على تقديراتي الشخصية، والتي حاولت التنظير لها من خلال العروض التي كنت أقدمها في الندوات الحزبية محليا ووطنيا وفي ملتقيات الشبيبة الاتحادية بصورة خاصة. وكلما ازداد الزحف الاحتوائي، كانت تزداد مخاوفي ومعارضتي التي بلغت حد الاستياء من مصادقة اللجنة المركزية على دستور 1996، ورفضي القاطع لحكومة التناوب من حيث طبيعتها وظرفيتها وانعدام الضمانات الدستورية لنجاحها، وانعكاساتها الكارثية على حزب القوات الشعبية التي تفجرت في المؤتمر السادس، بسبب تخليه عن امتداداته الجماهيرية وإفراغه لساحته النضالية، لتملأها مكونات تأسست برعاية النظام تحت غطاء الدين.
ورغم معارضتي الشديدة لحكومة اليوسفي، مع احترامي الكبير للرجل ولمصداقيته ونزاهته، فقد كنت ممن استفادوا من حكومته وقراراته، دون أن يغير ذلك من مواقفي المبدئية وقناعاتي النظرية التي لا زالت تؤكدها الأوضاع الحزبية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في مغرب اليوم.
أين تكمن إذن استفادتي من حكومة عبد الرحمان اليوسفي؟
تبدأ قصة هذه الاستفادة منذ الطرد الذي تعرضت له سنة 1979  على إثر الاضرابات التي أعلنتها النقابة الوطنية للتعليم يومي 10 و 11 أبريل. فقد كنت حديث العهد بمؤسسة الزواج دون أبناء. ولن أصبح أبا لأول أبنائي المهدي، إلا سنة 1983، بعد أن عدت إلى عملي إثر عفو ملكي. وكنت أثناء فترة الطرد من الرافضين لطلب العفو الذي تبناه بعض النقابيين، ومتشبث بضرورة عرض قضية الطرد على القضاء من أجل الانصاف بسبب عدم مشروعية هذا الاجراء دستوريا وقانونيا، مطالبا باعتبار الطرد تعسفا وشططا في استعمال السلطة، مما يستوجب على الدولة أن تعيد لي مستحقاتي المالية عن شهور الطرد. 
وظل مطلب تسوية وضعية المطرودين، يحتل موقعه باستمرار داخل الملف المطلبي للنقابة الوطنية للتعليم، دون أن تتم الاستجابة له نظرا لكلفته المالية.
في سنة 1999، نجح ابني المهدي في باكلوريا العلوم الرياضية، وهو الذي ولد بعد عملية الطرد الذي تعرضت له بأربع سنوات، واختار في البداية استكمال دراسته، بكلية العلوم والتقنيات FST شعبة الرياضيات. لكنه بمجرد بداية الدروس، غير اختياره، وأصبح يرغب في الدراسة بألمانيا، فسايرت رغبته بتسجيله في معهد لدراسة اللغة الألمانية للحصول على شهادة التمكن من اللغة  ZDAF ،وبعد أشهر اقتنع بضرورة الدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية.
للحقيقة والتاريخ، لم تكن إمكانياتي المادية، تسمح حتى بمصاريفه الدراسية خارج فاس، من سكن وأكل وملبس وترفيه... فما بالك بدولة أخرى قريبة نسبيا، أو قارة تبعد عنا بآلاف الأميال. كان مورد الأسرة الوحيد هو راتبينا، أنا وشريكة حياتي، يبتلع قرض السكن أكثر من ثلثه...فما العمل والعين بصيرة واليد قصيرة ؟
نصحني أحد الأصدقاء، بالاتصال بأحد إخواننا الوزراء للحصول على منحة دراسية، واستعرض أمامي لائحة بأسماء إخواننا ورفاقنا الذين نهجوا نفس الطريق، وأبناؤهم آنذاك يتمتعون بالدراسة خارج المغرب بشكل مريح بفضل المنحة التي توفرت لهم. نفس النصيحة تلقيتها من الأقارب ومن محيطي العائلي بمبررات شبه مقنعة، من قبيل :
ولدك بحال ولاد المغاربة...انت افضل من العديد من الاتحاديين الذين استفادوا بمنح لأبنائهم...أنت قدمت للاتحاد زهرة عمرك ولم تطلب مقابلا لنضالك...دع ابنك يستفيد...الخ
في غمرة هذه الدوامة من النصائح وما يسكنني من أفكار مضادة، وما يرعبني حول مصير ابني الذي قرر بدون رجعة التوجه للولايات المتحدة، بعد ان صادقت احدى الجامعات على قبول تسجيله، وتنتظر استكماله بأداء واجبات التسجيل...في دوامة هذا الاعصار وما يصاحبه من رعب وآلام، قررت رفض كل النصائح والاعتماد على قرض بنكي جديد و" لي ليها ليها ".
في إحدى الصباحات، وأنا متوجه إلى فصلي الدراسي بثانوية يوسف بن تاشفين بفاس، وجدت مدير المؤسسة الاستاذ عبد العالي السرسوري ينتظرني وقد علت وجهه ابتسامة عريضة، وفي يده ورقة يلوح بها، وخاطبني :
- لن أعطيك هذه الرسالة إلا إذا وعدتني ب " زردة " على حسابك.
أجبته مبتسما : كلشي ديالك.
فسلمني الرسالة وهو يهنئني، وكانت الرسالة عبارة عن قرار من وزارة التربية الوطنية يسوي وضعيتي الادارية والمالية ويعيد ترتيب مسار ترقيتي انطلاقا من تاريخ الطرد الذي تعرضت له قبل 20 سنة، ويضعني في الرتبة الرابعة خارج السلم، مع التنصيص على الاستفادة المالية من إعادة الترتيب من الميزانية الخاصة للوزير الأول. ويطلب مني الاتصال بمكتب الموارد البشرية بملحقة الوزارة الكائنة بثانوية للا عائشة بالرباط لتسلم الحوالة المتعلقة بمستحقاتي.
اتصلت بعد مغادرتي للثانوية، بالمكتب الوطني للنقابة للاستفسار، هل الأمر يتعلق بي وحدي، أم يشمل جميع المطرودين، فأخبرت بأنه قرار من طرف عبد الرحمان اليوسفي ويشمل جميع المطرودين.
سافرت للرباط في اليوم الموالي، واتصلت بالمكتب المعني، الذي سلمني حوالة صفراء مستطيلة... تصفحتها فوجدت بها رقما 120.000درهم، أي 12 مليون سنتيم في عهد حكومة اليوسفي.
لم أكن أتوفر على هاتف نقال، فلجأت الى أول مخدع هاتفي على الشارع، وهاتفت زوجتي.
ومباشرة بعد كلمة " آلو " قلت لها بصوت جد مرتفع :
قولي للمهدي لفلوس باش يمشي لميريكان  جاو، وكررتها بشكل صارخ أثار انتباه المارة.
وبهذا أكون قد استفدت من حكومة اليوسفي، استفادة مبدئية ومشروعة دون أن انبطح، أو أستجدي، أو أغير قناعاتي، ولولا قناعة اليوسفي الشخصية بمشروعية حقوق المطرودين، لظل هذا الملف يراوح مكانه على يد حكومات الإفلاس المتعاقبة.
كان طردي قبل أن يولد المهدي، بأربع سنوات، واسترجعت حقوقي في لحظة احتياج حاسمة حافظت لي على كبريائي، مما أغرقني في لحظة تأمل صوفية، اختلطت فيها العلم بالميتافزيقا والروحانيات والغيبيات والقضاء والقدر لأخلص إلى أن لهذا الكون روح تدبر شؤونه، ولا شيء يجري فيه عبثا.