الأحد 22 سبتمبر 2019
مجتمع

سعيد جعفر يكشف جهل البرلماني البيجيدي بالعمل التطوعي للشابات البلجيكيات، ويذكره بدروس من التاريخ

سعيد جعفر يكشف جهل البرلماني البيجيدي بالعمل التطوعي للشابات البلجيكيات، ويذكره بدروس من التاريخ صورة البلجيكيات المتطوعات والأستاذ سعيد جعفر (يمينا) والبرلماني البيجيدي علي العسري

على هامش قضية المتطوعات البلجيكيات بتارودانت، وجه سعيد جعفر رسالة إلى البرلماني البيجيدي الذي خرج على الناس والبلاد بتدوينة، يسفه فيها ما قامت به شابات بلجيكيات بضواحي تارودانت من عمل تطوعي لتعبيد الطريق وفك العزلة عن الساكنة، والذي كانت تؤطره (أي العمل التطوعي) قيم إنسانية راقية استجاب لها الساكنة بحس إنساني راق، حيث صاروا وكأنهم أسرة واحدة... ففي هذه الرسالة ينبه الأستاذ جعفر هذا البرلماني الذي نفث "سمه" على ما أبدته الشابات البلجيكيات من مساعدة إنسانية صرفة، إلى ما سقط فيه من جهل بالأسس الاجتماعية والقانونية لمغزى العمل التطوعي.. وفي ما يلي نص الرسالة:

 

"إلى السيد علي العسري، المستشار عن حزب العدالة والتنمية بالغرفة الثانية

تتبعت ما كتبته في موضوع المتطوعات البلجيكيات، وما أثاره ذلك من نقاش وما استتبعه من متابعة إعلامية دولية.

 

وقد أثارني جدا ما خضت فيه من خلفية فكرية ضيقة، وضربت صفحا عن التعليق أو الملاحظة لولا أن الموضوع أثير على أخبار قناة TV5 طبقي الإخباري الشهي، ووجدت أن ما كتبته في الموضوع لا يليق بفاعل سياسي رئيس لجنة الصداقة المغربية-الكندية ومسؤول وطني وجهوي في حزب يسير الشأن العام منحه حوالي 2 مليون من المغاربة ثقتهم.

 

السيد علي العسري،

لن أكون سلطة اتهام أو نيابة عامة أشرع لنفسي حق اتهامكم، لكني سأسمح لنفسي، كمثقف وكفاعل سياسي، أن أكشف ضيق تفكيركم ومنطلقاتكم وعدم صواب مخرجاتكم ومراميكم.

 

السيد علي المحترم،

وجدت في تدويناتكم الثلاث مفارقات غريبة جدا لا يمكن أن تشكل تفكير ومنهج فاعل سياسي يدعي الإصلاح والتمسك بوطن للجميع كما جاء في أدبيات حزبكم المحترم.

 

- المفارقة الاولى ترتبط بجهلكم بالنطاق القانوني لهذا النوع من الأشغال التطوعية التي يقوم بها شباب وشابات من دول أجنبية سواء في المغرب أو دول أخرى.

 

- المفارقة الثانية ترتبط بجهلكم أو تجاهلكم بحدود تطبيق القوانين الوطنية والقانون الدولي العام، وحدود سريان القانون الدولي والقوانين الوطنية، وحدود سريان العرف والعادات.

 

- المفارقة الثالثة ترتبط بعدم نجاح غشيانكم المؤسسات الدستورية والتمثيلية في تحضر تفكيركم البدوي المغرق في ثنائيات حدية قاتلة العري مقابل العفة، والهوية مقابل التغريب، والجسد مقابل الروح.

 

- المفارقة الأخيرة ترتبط بمنطق الأرض المحروقة الذي لجأت إليه بمراسلتك لوزارة الداخلية في استغلال واضح لمنصبك كمنتخب باسم الإرادة الشعبية لجر الدولة ومؤسساتها إلى مخاصمة القانون الدولي والعلاقات الدولية المحكومة بأعراف ومواثيق مصادق عليها.

 

وقبل أن أفصل في هذه المفارقات لا بد أن أضعك في صلب حقائق التاريخ، وما استتبعته من نتائج على حظوظ المملكة.

 

وأنت السي علي تتنافح وتتحاجج في إثبات دعواك حول احتمال تضمن مثل هذه النشاطات لخلفيات أخرى مستترة غير العمل الإنساني، وكونه يؤدي إلى التغريب والإضرار بأخلاق ساكنة تارودانت الموصوفة بالمحافظة والصلاح...

 

وجدت ما تقوله لا ينتمي للقرن الواحد والعشرون ويضعني في صلب نقاش كبير دار في المغرب في القرن التاسع عشر أفضى إلى واحدة من أكثر الخطط انغلاقا وهي "سياسة الاحتراز" التي اعتمدها السلطان المولى سليمان.

 

حكم المولى سليمان بين 1797 و1822 وأهم ما ميز حكمه هو سياسة الاحتراز في مواجهة أوروبا وخصوصا الحملات التوسعية لنابليون بونابرت.

 

كان المولى سليمان رجلا متدينا ومشبعا بالعلوم الشرعية، منذ أحاله والده السلطان المولى محمد الثالث على الفقيه الجائي لتعلم العلوم الشرعية ببلاد احمر، ولهذا سيقرب إليه الفقهاء والمتصوفة وشيوخ الزوايا، وسيكونون محل استشارته وفتاواه.

 

وعندما طرح أمامه سؤال العلاقة بالخارج، هل تعاون وتوازن أم جهاد واحتراز، أجابه الفقهاء وشيوخ الزوايا بما يؤمنون ويشكل كيمياءهم النفسي والذهني والعقدي، أي الاحتراز وهو عندهم الحرز من الشيطان وآفاته.

 

في هذا القرار الذي كان يجب أن يكون سياسيا وديبلوماسيا ويخضع لأرباح وخسارات السياسة، كان القرار أقرب للنفسي والذهني، إن لم يكن دينيا سبكه فقهاء وشيوخ زوايا بتفكير حدي محكوم بثنائيات دينية ترتبط بشبه الجزيرة العربية، حيث نزل الوحي أكثر من تعبيرها عن القرن التاسع عشر وملابساته والقرون التي تلتها وشروطها.

 

لن أخوض معك في إيجابيات وسلبيات هذا القرار الاحترازي، وكيف أنه خفض اتفاقيات المغرب مع أوروبا إلى ثلاث اتفاقيات أو ما حققه للبلاد من مناعة داخلية؛ ولكن يحسن في باب ضرب الأمثال واستباق مخاطر الدعاوى غير المؤسسة على منطق مبني ومعقول، أن أحيلك على ما أنتجه هذا الوضع من نتائج غير جيدة على استقرار البلاد السياسي والديني وما استتبعه من ضرر اقتصادي واجتماعي.

 

السيد المستشار البرلماني المحترم،

إن الفاعل السياسي الجيد والوطني يفترض فيه سعة التصور والهدوء واستحضار التاريخ وعلاقات البلاد والقانون الوطني والدولي والأعراف، وبدون شك الأرباح والخسارات على الوطن، وهو يخوض في قضايا وطنية سواء كانت كبيرة أو صغيرة، كلية أو فرعية.

 

إن قرار الاحتراز هذا أدى إلى احتقان اجتماعي داخلي كبير، حيث ساد الجوع والنهب والسرقات، انقلبت بموجبه الزوايا وشيوخ الزوايا على المولى سليمان الذي سيرد على هذا الانقلاب باعتماد الوهابية مذهبا للدولة، سيجعل رأس المولى سليمان مطلوبا، وهذا ما حدث بعد احتجازه من طرف قبائل آيت أومالو، ليدخل حالة حزن كبيرة تقوضت معها الدولة وضعفت أوصالها.

 

تعال معي الآن السي علي، هل تريد لنا أن نعيد استيطان مثل هاته الأفكار في بيئة وزمان مختلفين كليا عن هذا الزمان وشروطه؟ وهل أنت مقتنع بمخرجات ما تؤمن به؟

 

إني كحداثي لا يمكن لي أن أسكت عن آراء تمتح من التجارب المؤلمة للماضي لكي تكون نبراسا ووقودا للحاضر والمستقبل، وإذ أقول ما أقوله فأنا أزن كلماتي.

 

إننا نعيش عالما منفتحا ومليئا بالإمكانات وبالخطط وبفرص التلاقي والتعاون والتكامل، فالقرن الواحد والعشرون كما توصلت لذلك الأنثروبولوجيا الثقافية، وكما يؤكد ذلك الواقع الاقتصادي والسياسي هو قرن رابح-رابح وقرن إدارة المفاوضات والتسويات والتنازلات، وليس قرن المواقف الإيديولوجية الجامدة.

 

واستئناسا بدروس التاريخ وبحقائق الواقع، وأيضا بسبب هذا النزوع نحو الوصاية على اختيارات الناس التي تطبع عددا من أفراد حزبكم وعلى رأسهم مواقف السيد عبد الإله بنكيران، الأمين العام السابق لحزبكم منذ حادثة السيدة أمينة خباب، مرورا بالمواقف المنسية من سينما الشباب، وصولا إلى الموقف من العدالة اللغوية ثم موقفك من تطوع الأجانب، فإنني أستسمح لأقول لك كأستاذ للثانوي التأهيلي ومؤطر في معهد للصحافة أتعامل مع أجيال لليافعين المراهقين والشباب، تتراوح أعمارهم وأعمارهن بين 15 و25 سنة، أن الأجيال الجديدة تعيش حياتها، وأحاسيسها، وعواطفها، وآمالها، وعلاقاتها، وأذواقها، ونظرتها للغير، في حرية وبطريقتها الخاصة دون حاجة لوصاية ممن يضع نفسه وسيطا بين الله ومخلوقيه باسم الدين والسياسة كلاهما بدعوى حماية الأخلاق ومدافعة التغريب.

 

وأنت رجل مهندس بتكوين علمي أطلب منك تغليب المنهج الأكسيوماتيكي على المنهج الاستدلالي الجامد في باب التخرج للنتائج، فليس الثابت هو مبدأ عدم التناقض قياسا إلى وحدة الهوية/ الخاصية في خواص الأجسام والعلاقات والوضعيات، بل إن الرياضيات نفسها بما هي علم حق ومنطلقاته ونتائجه دقيقة ومسلم بها، أصبح يقبل التناقض منذ أثبت رينان ولوباتشيفسكي دعويهما في التوازي رغم تناقض منطلقاتهما.

 

إن العلاقات الإنسانية والسياسية والديبلوماسية أرحب من العقائد، سواء كانت دينية أو رياضية؛ والعقل القاصر هو من يبقى تحت سلطة العقائد في الوقت الذي يتحرك الواقع وقضاياه ويستمر هو في الحكم على مجريات الحاضر بضوابط الماضي.

 

إن محل استغرابي الأكبر هو وفاؤك لموضوعة اللباس وسط كل المؤطرات الأخرى الدستورية والقانونية والإنسانية التي يمكنك من خلالها النظر في الفعل برمته.

 

وإذ أسجل هذا الاستغراب وأستنكف من خلفياته الوصائية، فأنا ملزم أن أضع أمامك هاته المعطيات الدستورية والقانونية علها تكون مساعدا لك لتوسيع نظرك لتشمل الجوانب الأخرى المحجوبة عنك أو التي حجبتها لأهداف اخرى.

 

وفي انتظار المعالجة الدستورية والقانونية لمفارقات تدويناتك، تقبل تقديري واحترامي، وأتمنى لك عيدا مباركا سعيدا وعلى أهلك وكل الامة العربية بموفور الصحة والسعادة".

 

- سعيد جعفر، دكتور في التواصل السياسي/ أستاذ حاصل على شهادة الأهلية لمزاولة مهنة المحاماة