الأربعاء 16 أكتوبر 2019
كتاب الرأي

عبد العزيز قراقي: كلام على هامش وفاة الطفلة هبة

عبد العزيز قراقي: كلام على هامش وفاة الطفلة هبة عبد العزيز قراقي
حكى لي شخص أعزب جمعته ظروف السكن في عمارة تقطنها ثمانية أسر كان ينظر إلى وجوده بينهم على أنه قدر عليهم أن يتحملوه، غير أن طبيعة عمله التي فرضت عليه العودة إلى البيت ليلا يسرت الكثير من الأمور، تقاسمت معه نفس الطابق امرأة تعيش مع ابنها الوحيد، كثيرا ما كان يوقظه صراخها في بطن الليل في وجه الابن الذي يعود متأخرا، وكم مرة شعر بالرغبة في أن ينبهها إلى هذا السلوك الذي يحرمه من حقه في السكينة، غير أنه يرجئ ذلك كل مرة إلى الصباح حيث يغير رأيه أصيب مرة بنزلة برد ألزمته السرير والمكوث في البيت طيلة اليوم، كان كل شيء ساكنا وفجأة سمع صراخا آتيا من جهة الشارع ما فتئ يتصاعد دفعه الفضول إلى النافذة ليرى ما الأمر فرأى أعين الناس متجهة إلى يمين نافذته حيث ينبعث دخان كثيف، لقد كان بيت جارته يحترق.
هرع مسرعا خارج شقته وتوجه إلى بيت جارته طرق الباب مرات وضربه بقوة لا من مجيب، وقرر أن يكسره عاد خطوات إلى الوراء وضربه بقدمه بقوة، فلم يصمد الباب أمام ذلك ، دلف إلى الداخل وتوجه إلى المطبخ حيث وجد طنجرة تحترق وألسن النيران بدأت تمتد لبعض القطع الخشبية، بادر إلى سطل واحد من الماء ثم الثاني فالثالث كان ذلك كافيا لإبعاد شبح الحريق ، ثم أطل من النافذة على الناس الذين تجمهروا دون اكتراث، وراح يفتح نوافذ البيت الأخرى ثم خرج ليلتحق ببقية الجيران، بعد قليل حضرت الجارة فبادر البعض إلى طمأنتها، وصعدت مسرعة إلى شقتها وبعد أن اطلعت على حالتها، خرجت مرة أخرى وهذه المرة لتسأل عمن أطفأ النار، لم يرد الواقفون على سؤلها بل قالوا لها:" نحن لم نكسر الباب كنّا نريد أن تأتي الوقاية المدنية لتقوم بالواجب ولكن جارك فضولي، الله يهديه ...هو اللي خاصو يخلص ليك الباب المكسور إذا رفعت دعوى ضده نشهد لك بما رأينا"٫بحثت المرأة بين الواقفين عن الجار فلم يكن من بينهم، فشكرتهم ودخلت إلى بيتها.
عند عودته ليلا كان السكون المعتاد يخيم على كل العمارة ،صعد السلم على أطراف قدميه، وفتح باب شقته دونما أن يترك للمفاتيح إمكانية الاحتكاك بيعضها مخافة أن تصدر صوتا يقلق راحة الجيران ، ما إن جلس على كرسي بالمطبخ حتى سمع طرقا على الباب، أسرع في فتحه، فوجد الجارة واقفة، مدت إليه يدها محيية، ثم طلبت منه أن يتبعها إلى شقتها، ففعل، دعته إلى الجلوس، ثم قالت له بعد أ مدت إليه ورقة مطوية:" أريد أن أشكرك على ما قمت به، وأريدك أن تقرأ هذه " كان كلما تقدم في القراءة بدت عليه الدهشة، لم يصدق فأعاد ذلك مرة أخرى ولكن هذه المرة بالجهر ".
نحن الموقعون أسفله جيران السيدة زينب نشهد أن جارها الساكن في نفس الطابق قد كسر باب شقتها،وقد سلمنا لها هذه الوثيقة من أجل استعمالها فيما يسمح به القانون ".
ما إن أنهى القراءة حتى أخذتها من يده ومزقتها.