الأربعاء 16 أكتوبر 2019
كتاب الرأي

جمال المحافظ: القناة البرلمانية.. جدلية تحسين صورة المؤسسة التشريعية ورهان المصداقية والمهنية

جمال المحافظ: القناة البرلمانية.. جدلية تحسين صورة المؤسسة التشريعية ورهان المصداقية والمهنية جمال المحافظ

صادق مجلس النواب الجمعة الماضية (26 يوليوز 2019) على مقترح قانون بإحداث قناة برلمانية تلفزية تعنى بالحياة البرلمانية تتولى نقل اشغال وأنشطة المؤسسة التشريعية بغرفتيها وإعلام المواطنات والمواطنين بالأخبار المتعلقة بالبرلمان.

 

وتضطلع القناة في هذا الصدد بمهام نقل التجارب الدولية والأنشطة التي تهم الحياة البرلمانية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التربوية والبيئية والتعريف بها، مع دعم وتشجيع المشاركة السياسية للنساء والشباب وتقديم ندوات وعروض ذات الصلة، وذلك وفق ما جاء في مقترح القانون الذى اجازته الغرفة الاولى للبرلمان بالأغلبية خلال جلسة عامة .

 

وحسب نص المقترح فإن القناة البرلمانية ستتولى الاسهام في تعميق مبدأ التعددية وتوسيع قاعدة المشاركة في الحياة السياسية، وذلك من خلال تقديم برامج حوارية، بهدف إغناء للنقاش العمومي والتعريف بإنجازات البرلمان وبرامجه وأهدافه وتقريب المؤسسة التشريعية من المواطن، علاوة على الانفتاح على المؤسسات الدستورية والهيئات السياسية ومجالس الحكامة وهيئات المجتمع المدني.

 

وبخصوص البرمجة المعتمدة -ينص المقترح- على أن برمجة القناة التي ستتناسب مع خصوصية كل مجلس على حدة، ستبث بشكل مباشر أو مسجل المناقشات البرلمانية وداخل اللجان البرلمانية، فضلا عن البرامج والروبورطاجات وحصص عامة للأخبار. وتقترح القناة في هذا السياق شبكة برامج منتظمة ومتنوعة وإعادة بث المناقشات وأعمال مختلف هيئات المجلسين مع تقديم نشرة ومجلة إخباريتين ونشرة موجزة، ترتكز على الأحداث التي تهم مجلسي النواب والمستشارين، وكذلك برامج النقاش حول الأحداث الراهنة، مع تقديم برامج تخص المجلسين وتهم أنشطتهم البرلمانية. ويكون متاحا للقناة أيضا استخدام أرشيف الصوتيات والمحفوظات السمعية البصرية.

 

وبخصوص أجهزة الإدارة والتسيير الخاص بالقناة البرلمانية، فيتولى تدبيرها مجلس إداري لكلا المجلسين، ويتألف من رئيسي مجلس النواب والمستشارين وممثلي الفرق والمجموعات النيابية ومدير كلا الشركتين اللتين وافق المجلس على إحداثهما على شكل شركتي مساهمة، إحداهما تابعة للغرفة الأولى، والأخرى تابعة للغرفة الثانية للبرلمان، على أساس أن يتم اقتسام الزمن المخصص لبث القناة.

 

وينص المقترح على إحداث عدة لجن خاصة، منها لجنة أخلاقيات البرامج التي تضم خمسة (5) أعضاء، تجمع ممثلين عن المجلسين وشخصيات مستقلة مؤهلة، يتم اختيار 2 منهم من مكتبي المجلسين و2 من فعاليات في المجال السمعي البصري، بالإضافة إلى عضو ينتمى للميدان الأكاديمي، متخصص في السمعي البصري.

 

ويأتي إحداث هذه القناة -حسب واضعي المقترح- في إطار التطورات العميقة، التي شهدتها المملكة بعد دستور 2011 تعزيزا للاختيار الديمقراطي، وتثمنا لدولة الحق والقانون ولمجال الحريات العامة وفي إطار المشروع الحداثي.

 

وبخصوص الهدف من إحداث هذه القناة البرلمانية، فإن المقترح يوضح أن إحداثها يرتكز أساسا على دعم ضمان الخيار الديمقراطي وحرية التعبير وحق المواطنات والمواطنين في الولوج للمعلومة، باعتبار دورها في تكريس قيم الحرية والتعددية لمختلف تيارات الرأي في دائرة احترام القيم الحضارية الأساسية والقوانين الجاري بها العمل والانفتاح، وتأهيل البلاد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وقانونيا.

 

واستنادا إلى ارضيتها القانونية تهدف القناة البرلمانية التي ترتبط بقانون الاتصال السمعي البصري، إلى مواكبة التطورات المتعددة والتحولات السريعة التي تعرفها مختلف وسائل الاتصال والتواصل والاستفادة من مؤهلات مجتمع المعرفة، وذلك وفق ما جاء في ديباجة الدستور والفصول المتعلقة بأدوار المؤسسة التشريعية ومبادئ الديمقراطية التشاركية المعتمدة كأساس لبناء دولة الحق والقانون، واعتماد منطق منهج الحوار والتشاور مع كل الفاعلين الآخرين من أجهزة المجلسين والحكومة.

 

وإن كان إحداث قناة برلمانية، التي من المقرر أن تمول من المساهمات والمخصصات السنوية المحددة في  ميزانية المؤسسة التشريعية وعائدات الخدمات المقدمة والوصايا، على العموم مسألة إيجابية وتجعل المؤسسة التشريعية تدخل نادى البلدان التي تتوفر على مثل هذه الخدمة الإعلامية التواصلية السمعية البصرية المتخصصة، فإنه مع ذلك يطرح سؤال عريض حول ما إذا كانت هذه المبادرة من شأنها تحسين صورة البرلمان وأعضائه لدى الرأي العام؟ وهل ستمكن من الارتقاء بمستوى أدائه في مجال التشريع والرقابة والدبلوماسية البرلمانية؟ هل ستعمل على محو وتجاوز النظرة النمطية التي تكونت على المؤسسة التشريعية منذ ميلاد أول برلمان سنة 1963 ومرورا بالتجارب التي جاءت في ما بعد؟ هل ستمكن مبادرة القناة التلفزية من ربح رهان المهنية والجودة والمصداقية، وهي دعائم رئيسة لاستقطاب اهتمامات الرأي العام لكي يتصالح مع مؤسسته التشريعية. كما أنه من المطروح مدى تمكن القناة من التوفيق بين توجهات الغرفتين، خاصة في ظل الاختلاف الحاصل على مستوى تركيبة مكوناتهما وموقعهما في الهندية التسريعية.

 

وعلى مستوى الأداء المهني الإعلامي والخط التحريري للقناة، تثار تساؤلات أخرى من قبيل، ما هي حدود التماس بين الطاقم الإدارى والصحفي؟ وهل سيتم استنساخ تجربة قنوات الإعلام العمومي السمعي البصري وأسلوب تناوله لقضايا البرلمان وأنشطته؟ أم سيتم اعتماد مقاربات مهنية متجددة في تقديم برامج القناة وانفتاحها على الأسئلة الحقيقية التي يطرحها الرأي العام على أدوار البرلمان كمؤسسة تمثل السيادة الشعبية؟ أم ستظل قناة لتقديم خدمات للتواصل والدعاية؟ عوض الانخراط في التحولات المتسارعة التي يعرفها الإعلام والاتصال الذى ينحو بشكل أكبر في اتجاه أن يكون إعلام الحقيقة الذى يشكل الهدف الاسمى للصحافة.

 

إن الإجابة عن هذه التساؤلات في الحقيقة، ستكون سابقة لأوانها، مادامت تجربة القناة البرلمانية لم تنطلق بعد كما ينتظرها شوط ثان من المناقشة بالغرفة الثانية للمؤسسة التشريعية.

- جمال المحافظ، كاتب، صحفي، باحث في القانون العام