الأربعاء 11 ديسمبر 2019
كتاب الرأي

محمد الشمسي: انتهت كأس إفريقيا ...انتهت عنصريتنا المقيتة

محمد الشمسي: انتهت كأس إفريقيا ...انتهت عنصريتنا المقيتة محمد الشمسي

عندما التأمت المنتخبات الإفريقية في أرض الكنانة للعب فعاليات كأس إفريقيا للأمم، شرعنا في التفاعل مع هذه التظاهرة، ولكي نجد لنا موطئ قدم في العرس الكروي قمنا بانتقاء ومناصرة وتفضيل منتخباتنا التي راهنا عليها، ومنحناها دعما غير ممنون .

استحضرنا في أول تقسيم للمنتخبات الإفريقية، الجانب العرقي، ففضلنا المنتخبات العربية لأننا عرب أو هكذا نعتقد، فاستبعدنا "التوانسة" لأن لنا معهم "ثأر كروي" ما دام "قميص رادس" لم يجف بعد من "عرق العار"، ونحن الذين نرفع مؤشر مباراة كرة القدم إلى مصاف الحروب الطاحنة، وتعاطفنا مع موريتانيا لأنها منتخب فتي وحديث العهد بالمنافسة القارية، لكن مع كثير من التحفظ، باعتبار موريتانيا باتت تتجرأ وتضع نفسها ونحن في سلة واحد، يعني "قد السطل قد القب"، ولم نرج لمنتخب مصر خيرا في الكأس، حتى لا يحسب انتصاره لصالح نظامه الذي نراه شريرا وغير شرعي، وقد يقتات من فوز منتخبه ويخفي آلام الشعب المصري العظيم، في إقحام منا للسياسة في الرياضة، ورغم أن الجزائر في شخص نظامها هي الدجاجة التي حضنت بيض الانفصاليين حتى فقص وخرجت منه "فلاليس عاقة"  فقد قررنا نصرة الجزائر، والسبب هو حراكها الشعبي الذي وجدنا فيه ضالتنا وقد طمس معالم "جزائر العسكر"، ويؤسس لجزائر مدنية، قد تعيد ربط أواصر التاريخ، وامتداد الجغرافية بيننا.

ثم عدنا إلى المنتخبات الإفريقية السمراء، ننتقي منها المسلمة من غير المسلمة، فالسنغال ومالي مثلا دولتان مسلمتان وصديقتان للمغرب وتربطنا معهما أواصر روحية تتمثل في الزوايا والتصوف على الشاكلة المغربية، لذلك سندعمهما ما لم تصطدما بعربنا ف"نقلب عليها"، وباقي المنتخبات هي مسيحية العقيدة، وبالتالي فهي لا تدخل في قائمة "زبنائنا الكرويين المفضلين".

عندما نستحضر معايير غير رياضية في مناسبة رياضية، ونستحضر العقيدة والعرق والعشيرة واللون، في نصرة هذا المنتخب ونبذ ذاك فتلك هي العنصرية المقيتة التي وجدناها تسيطر علينا وتعمي إرادتنا، نكون بذلك "عنصريون مع سبق الإصرار والترصد " أو "رياضيون عنصريون" ، فحين لا يكون تاريخ المنتخب الكروي وسجله من الألقاب، وحجم نجومه، وطريقة لعبه، هي المحدد في تفضيل هذا المنتخب عن ذاك، وتحضر آصرة العقيدة والجوار والسلالة، فلنعلم أننا "مشينا فيها".

وحتى المعلقون في القنوات الرياضية يغذون المرض فينا، فهذا معلق يخرج بالتعليق الرياضي عن روحه الرياضية، ويربط تاريخ مباراة نهائية بتاريخ استقلال وطنه، وكأن الخصم لا يزال يرزح تحت نير الاستعمار، وآخر تقطر عصبيته مع البث التلفزي حين ينحاز لقرارات الحكم الداعمة لمنتخب بلاده، ويغض الطرف عن تلك التي هي لصالح أو ضد المنتخب الخصم، وآخر يغمض العين على مهارة لاعب الخصم وهو يراوغ بها ثلاثا من لاعبي منتخبه، لكنه يتغزل في لاعب وطنه الذي راوغ لاعبا واحدا في صفوف الخصم، ومعلق آخر لا يتمنى حتى سلامة للاعب خصم سقط أرضا ...

عندما تصبح منتخبات رائدة في كرة القدم الإفريقية مثل الكاميرون ونيجيريا وغانا وساحل العاج تجد نفسها بعيدة عن اهتماماتنا التشجيعية، وندوس على أمجادها ومواهبها، بل ونضمر لها الهزيمة كلما لاقت أحد أبناء عمومتنا أو إخوتنا في الدين واللغة واللون، نكون عنصريين ونحن ندري وندري أننا ندري، لكن أخذتنا العنصرية وبتنا مدمنين، وحالتنا يصفها الأطباء الإنجليز بـ "هوبلس كيس" أي حالة ميؤوس منها .

انتهت كأس إفريقيا وفاز من فاز وخاب من خاب، لكننا انهزمنا أمام فيروس العنصرية، عندما تحالفت الجماهير العربية المسلمة، ذات وحدة السحنة ووحدة الدين ووحدة اللغة، لتشجع منتخبات بلدانها جماعة، وبقيت منتخبات إفريقيا جنوب الصحراء ببطولاتها وألقابها ونجومها تحمل وزر لون البشرة ووزر المعتقد، حتى أننا لم نشاهد فسيفساء ألوان البشرة في قارة تعج بالأجناس والأعراق، بل عانينا نفورا بين تلك الألوان في المدرجات، ندرك أننا تربينا التربية الخطأ، تربينا على أنه يجب أن يكون كل العالم مثلنا، وعلى طبعنا، بل يكون صورة طبق الأصل منا، وأنه على هذه المنتخبات الإفريقية جنوب الصحراء أن تنتظر فعاليات كأس العالم لنناصرها ونشجعها ليس باعتبارها منا وإلينا ونتقاسم معها القارة والهواء والماء والطقس، بل باعتبارها منتخبات مستضعفة ونحن شغوفون بفوز المستضعفين على من ننعتهم بمنتخبات الطغاة كرويا أو سياسيا أو اقتصاديا ...

على جامعاتنا الممتدة في ربوع المملكة أن تنجز أبحاثا، وعلى معاهدنا أن تقوم بدراسات لهذه الظاهرة المرضية، لتجيب عن سؤال تسلل بكتيريا العنصرية إلى فصيلة دمنا، وعن كيف انتقلت العدوى؟، ومتى؟ وهل من سبيل لأن نشفى ونعلم أن للرياضة معايير عند الانتقاء والاختيار، وأنه ليس من الرياضة في شيء أن نستحضر أواصر غير رياضية ونحن نتفرج على مباراة رياضية، نقول هذا ونحن ندين بدين شعاره: لا فضل لعربي على عجمي... ولا لأسود على أبيض ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى... واللهم اشف أنت الشافي.