الأحد 18 أغسطس 2019
جالية

بن يونس المرزوقي: 4 ارتسامات موضوعية وذاتية على هامش تقديم حصيلة وزارة شؤون الهجرة

بن يونس المرزوقي: 4 ارتسامات موضوعية وذاتية على هامش تقديم حصيلة وزارة شؤون الهجرة الأستاذ بن يونس المرزوقي (يمينا) والوزير عبد الكريم بنعتيق

وأنا أتابع عبد الكريم بنعتيق، عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي، خلال تقديمه لحصيلة تدبيره لقضاع المغاربة المقيمين بالخارج وشؤون الهجرة، تبادرت إلى ذهني أفكار كثيرة.. مُتداخلة فيما بينها.. لا يُمكنني حتى عزل ما هو ذاتي هما هو موضوعي بخصوصها.

أولا: في خصوصية تدبير الملفات المرتبطة بالشؤون الخارجية

أولى تلك الأفكار ذات طابع موضوعي.. كُنت أفكر في تعامل العديد من المهتمين والمحللين والباحثين مع موضوع السياسة الخارجية ببلادنا من زاوية اعتبارها مجالا محفوظا للملك.. في الوقت الذي يبدو لي أن تدبير كل الملفات المرتبطة بها يتم فعلا وفق استراتيجية وتصور ملكي بعيد المدى.. لكن مع مساحات واسعة في مجال التدبير وتصريف المواقف.

وبهذا الخصوص.. عادت بي الذاكرة إلى الفترة التي كادت فيها حقيبة وزارة الخارجية، أن تتحول إلى وزارة حزبية مع بداية الاستقلال حيث تولاها تباعا كل المرحوم بلفريج بالموازاة مع منصبه كوزير أول، مع تولي المرحوم امحمد بوستة حقيبة كاتب الدولة في الشؤون الخارجية إلى جانبه (حكومة 12 ماي 1958).. ثم تولاها المرحوم عبد الله إبراهيم إلى جانب منصبه كوزير أول (حكومة 24 دجنبر 1958).. قبل أن يسترجعها المرحوم الحسن الثاني انطلاقا من الحكومة السابعة إلى جانب منصبه كوزير أول (حكومة 2 يونيو 1961).. بل إنه عند توليه عرش البلاد أسند هذا المنصب مرة أخرى إلى المرحوم أحمد بلفريج إلى جانب منصبه كممثل شخصي للملك في الحكومة الثامنة (5 يناير 1963).

لنُلاحظ هنا أن منصب وزير الشؤون الخارجية كان مرتبطا بمنصب الوزير الأول..

ثم استرجعت مرحلة تولي المرحوم امحمد بوستة منصب وزير للشؤون الخارجية والتعاون انطلاقا من حكومة أحمد عصمان الثانية (1977-1979) ثم طيلة حكومة المعطي بوعبيد الأولى والثانية (1979-1983).. والدور الذي قام به رؤساء الأحزاب السياسية في مجال الدفاع عن القضية الوطنية في فترة مُعية كوزراء دولة.. وحتى بعد دستور 2011 تولى سعد الدين العثماني عن حزب العدالة والتنمية تدبير وزارة الشؤون الخارجية (وهو حاليا رئيس حكومة).

الغرض من هذا التذكير هو القول على أنه فيما يتعلق بالمجالات المرتبطة بالسياسة الخارجية، فإن الملك يُعين أو يقبل اقتراحات رئيس الحكومة (حسب الحالة) الشخصيات القادرة على ضبط تدبير الملفات.. وفي هذا الصدد، فإن الأحزاب السياسية تتوفر على شخصيات قادرة على ذلك.. كما تدل الوقائع التاريخية أعلاه على ذلك.

ثانيا: نزهة الشقروني.. محمد عامر.. وعبد الكريم بنعتيق

مع تعمق عبد الكريم بنعتيق في تقديم حصيلة وزارته، كنت استرجع في ذاكرتي أسماء الوزراء السابقين في قضايا المغاربة القاطنين بالخارج.. ولما كان فضاء تقديم الحصيلة فضاء حزبيا.. لم تسترجع ذاكرتي إلا الوزراء الاتحاديين..

لقد تم إسناد تدبير هذا القطاع لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لثلاث مرات لحد الآن.. لذلك تساءلت مع نفسي: هل يتعلق الأمر بصدفة، أم أن هناك خصوصية ما؟

تذكرت في البداية تدبير نزهة الشقروني للقطاع خلال حكومة إدريس جطو (2002-2007) ككاتبة للدولة مكلفة بالجالية المغربية المقيمة بالخارج؛

ثم تذكرت تدبير محمد عامر لنفس القطاع خلال حكومة عباس الفاسي (2007-2011) كوزير المنتدب لدى الوزير الأول مكلف بالجالية المغربية بالخارج؛

وها هو الدور على عبد الكريم بنعتيق.. الوزير المنتدب لدى وزير الشؤون الخارجية والتعاون، المكلف بالمغاربة القاطنين بالخارج وشؤون الهجرة في الحكومة الحالية..

في الحقيقة لم أجد أي تفسير مُقنع لكون الاتحاد الاشتراكي يكاد يتخصص في تدبير هذا الملف.. لذلك بدأت أنسج أفكارا ذاتية غير مبنية على أية دراسة.. من قبيل أنه ربما خلال مرحلة المعارضة الاتحادية لما قبل حكومة التناوب التوافقي كانت هناك علاقة متينة للمناضلين والمناضلات الاتحاديين بالمغاربة القاطنين بالخارج.. تشكلت أولا عن طريق المنفيين الذين كانوا نموذجا يُحتذى به في النضال على كل الواجهات.. تم ثانيا عن طريق سُمعة مناضلي ومناضلات الحزب داخل البلاد والتي كانت تصلهم للخارج أو كانوا يتعرفون عليها خلال زيارتهم للمغرب..

اعتبرت أن هذه الفترة شكلت قاعدة صلبة للاتحاد الاشتراكي في علاقته مع كل أطياف الجالية المغربية بالخارج، والتي كانت تتعاطف معهم.. وتحتضنهم.. فقد كانوا فقط يريدون الخير لبلادهم..

ثالثا: عبد الكريم بنعتيق.. تصور شمولي واضح

عبد الكريم بنعتيق.. من طينة اتحادية أصيلة.. خبر قضايا المغاربة المقيمين بالخارج عن قرب.. ولفترة طويلة.. أصف لذلك تصوره الواضح حول ملفاتهم.

أتذكر أنه حينما كنا نُحضر الورقة التوجيهية للمؤتمر الوطني العاشر.. وقبله البرنامج الانتخابي للحزب.. كان من المدافعين عن تصور اتحادي شمولي لقضايا مغاربة الخارج لا يقف عند الحقوق السياسية لوحدها، بل يستند على مقاربة مُندمجة.. واضحة الأهداف.. موجهة لكل الفئات المغربية القاطنة بالخارج وخصوصا الأجيال الصاعدة، ولهذا ليس غريبا أم يُبدع كوزير منتدب في قضايا مغاربة العالم في كل ما يهم تقوية المواكبة الاجتماعية لفائدة المغاربة المقيمين بالخارج، وخلق نظام وآلية لإدماج مغاربة العالم العائدين إلى أرض الوطن، والاهتمام بقضايا القاصرين الغير المرفقين والمسنين الموجودين في وضعية صعبة... إلى غير ذلك مما سنُشير له.

وقد أشار عبد الكريم بنعتيق في مناسبات كثيرة إلى مركزية العمل الثقافي الموجه للمغاربة القاطنين بالخارج باعتباره الآلية الرئيسية القادرة على المحافظة على البُعد الهوياتي، والقادرة على تشجيع الاندماج في مجتمعات الخارج دون فقدان مختلف الروابط مع الوطن الأصلي.. كما اشتغل على الارتقاء بوسائط الاتصال.. حرصا منه على توطيد روابط التواصل، وضمان حق الوصول الى المعلومة.. وباختصار شديد خلق دينامية جديدة وتقاسمها مع المغاربة القاطنين بالخارج بكل أطيافهم.

رابعا: عبد الكريم بنعتيق.. الحصيلة الأوراش الكبرى

إذا كنتُ في هذه الارتسامات لن أعالج قضايا الهجرة.. فإن فلسفة عبد الكريم بنعتيق في تدبير قطاع المغاربة القاطنين بالخارج تستند على المرتكزات التالية: التوجهات الملكية.. الالتزامات الواردة بالبرنامج الحكومي.. التجاوب مع الانشغالات اليومية والأساسية للمعنيين والمعنيات والعمل الدائم على قضاياهم وانتظارتهم، وتعبئة كل المؤسسات والفاعلين العموميين المعنيين بتراب الوطن أو على مستوى السفارات أو القنصليات.

هي أوراش كثيرة.. لم يُفصل عبد الكريم بنعتيق فيها إلا من زاوية الفلسفة التي تقوم عليها.. كما نتمنى أن يستمر في تقديم حصيلته لساعات أخرى.. كان ذلك مُشوقا.. لأنه فتح أعيننا على مجالات جديدة.. ومن زوايا لم تكن بادية لنا.. كان مُبدعا في الحصيلة وفي طريقة تقديمها..

لن أغوص معكم (معكن) في كل التفاصيل.. لأن المبادرات كثيرة.. ويكفي هنا أن أشير إلى بعض منها..

في مجال الاستثمار (الجهة 13 الخاصة بمغاربة العالم المقاولين، مواكبة ودعم المستثمرين المغاربة المقيمين بالخارج، صندوق دعم الاستثمار الخاص بالمغاربة المقيمين بالخارج)؛

في مجال تعبئة الكفاءات (تحديد الطلب المغربي في مجالات البحث، التكوين، الخبرة والاستثمار، مواكبة خلق شبكات الكفاءات الموضوعاتية أو الجغرافية، إدماج المشاريع في إطار الشراكة)؛

في مجال الشراكة مع جمعيات مغتربة العالم (برنامج تقوية قدرات جمعيات مغاربة العالم، برنامج دعم جمعيات مغاربة العالم، التنمية التضامنية)؛

في مجال القضايا الاجتماعية (دعم الفئات الهشة: المسنين، المعتقلين، الأطفال غير المصحوبين، دعم المغاربة المجبرين على مغادرة بلدان إقامتهم نتيجة تدهور الأمن بها، ترحيل الجثامين، الدعم المدرسي لأبناء المغاربة المقيمين بالخارج، التكوين المهني، المنح الدراسية، المخيمات الصيفية)؛

في الجانب الثقافي والتعليمي (البرامج الثقافية بالمغرب، البرامج الثقافية بالخارج، تطوير العرض التعليمي)؛

بخصوص الدعم القانوني (الدراسات واليقظة القانونية، منتدى محامو مغاربة العالم)؛

وهذا إضافة للعمل اليومي الدائم والمتعلق بالتجاوب مع شكايات مغاربة العالم ذات الطابع القانوني أو الاجتماعي، وقضايا التحفيظ العقاري، المنتديات المشتركة مع دول أخرى.. والمشاركة في البرامج الوطنية (مثلا التسجيل في الحالة المدنية)..

وأخيرا وليس آخرا.. الشباك الوحيد المتنقل، الجامعات الصيفية للشباب المغاربة المقيمين بالخارج، وجامعة الشباب الإفريقي.

الخلاصة:

لا أعتقد أن تدبير الشأن العام يخضع للصدفة.. فالشأن السياسي مُرتبط بحاجيات الدولة والمجتمع. ولكل منهما أولوياته ومنهجيته.. وحتى الوسائل التي تُوضع رهن إشارته.. لذا، فإن تدبير قطاع المغاربة المقيمين بالخارج يتطلب تدبيرا أفقيا تشترك فيه كل القطاعات الوزارية.. وتدبيرا عموديا تنضبط فيه كل المبادرات لفلسفة التوجهات الملكية السامية.. كما أن التدبير يحتاج للأطر والكفاءات.. وعبد الكريم بنعتيق أحد هذه الأطر.

 

- بن يونس المرزوقي، عضو المجلس الوطني للاتحاد الاشتراكي، مقرر لجنة القضايا السياسية والمؤسساتية والحقوقية