السبت 14 ديسمبر 2019
كتاب الرأي

محمد بوبكري: ضرورة الفصل بين الدين والسياسة

محمد بوبكري: ضرورة الفصل بين الدين والسياسة محمد بوبكري
       يرى أغلب المتتبعين أنه ليس للعرب المسلمين اليوم حضور خلاق على خريطة العالم، بل يختزلهم الواقع الحالي في أمرين اثنين: أولهما أن لهم ثروات ضخمة، وثانيهما امتلاكهم لفضاء إستراتيجي مهم جدا بالنسبة للمصالح الإستراتيجية  للقوى  العظمى. وبذلك، فالمجتمعات العربية الإسلامية تبقى مجرد أدوات، أو كرسي متحرك تحركه قوى خارجية..
            كما أن هذه المجتمعات مأخوذة بالسلطة إلى حد الهوس بها، ويعود ذلك إلى تفشي الإسلام التكفيري القائم على ثقافة فقهية منغلقة تحارب العقل وتروم الاستيلاء على السلطة باسم الدين للتحكم في رقاب البشر والسطو على خيراتهم. وتنهض هذه الثقافة الفقهية على ثلاث مرتكزات فقهية تعتقد الجماعات التكفيرية بوجوب خضوع المجتمع لها، وهي:
       الأول أن ما تقول به جماعات الإرهاب التكفيري هو الوحي عينه، ما يعني أنها تعتقد أن كلامها هو الحقيقة المطلقة. وبذلك، فهي تدَّعي معرفة ما يعرفه الخالق، ما يجعلها تبدو وكأنها تدَّعي النبوة أو ترغب في أن تحل محل الله...؛
          الثاني. أن الحقائق التي تقول بها هي الحقائق الأخيرة، لأنها نهائية ومطلقة ولا حقائق بعدها؛
الثالث أن العالم اثنان: مسلم، وكافر، ومن ثمة لا يُعترف بالآخر، ما ينم عن عدم قبوله والرغبة في إلغائه. وهذا أصل من الأصول الفكرية للداعشية.
             لقد بترت هذه الثقافة الفقهية الإسلام من كل من بعده الروحي والمعرفي والجمالي، وبذلك تكون قد أساءت إليه إساءة شديدة عبر تشويهه وتحريف مقاصده... وهذا ما يقتضي اعتبار الدين تجربة فردية، لا تجربة مجتمع بكامله، وذلك كما هو عليه الحال في المجتمعات الديمقراطية. كما يتطلب الأمر جعل المجتمعات العربية الإسلامية مفتوحة على حقائق جديدة، وجعل العقل أساس الحكم والنظر...
            لقد قام الإرهاب التكفيري بإشاعة الثقافة الفقهية والشرعية، ما جعله يوظف الدين أداة في الصراع السياسي والاجتماعي بهدف الانقضاض على السلطة. وهكذا تم تهميش كل من الثقافة الفلسفية والصوفية والشعرية التي نهضت عليها الثقافة العربية الإسلامية في عصرها الذهبي... هذا ما يستوجب على المجتمعات العربية الإسلامية أن تقطع مع الثقافة الفقهية الشرعية التي ربطت الدين بالسلطة وجعلته مطية للاستيلاء عليها، وأن تنفتح على كل ما يخاطب راهنها وأوضاعها الحالية ويمكنها من الانخراط في روح العصر عبر تحديث ذاتها وبنائها ديمقراطيا، مما يؤهلها للانخراط في المستقبل واكتساب القدرة على المشاركة الخلاقة في بناء الحضارة الإنسانية...  
       قد يقول قائل: إن "حراك" ما سمِّي بـ "الربيع العربي" كان يروم التغيير الديمقراطي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لكن هذا الكلام مردود على أصحابه، لأن هذا "الحراك" شدد عَلى ما يجب أن تتخلى عنه المجتمعات العربية الإسلامية، حيث ركز على إقحام الدين في السياسة وفِي كل تفاصيل الحياة، بما في ذلك أدق تفاصيل الحياة الحميمة للإنسان. في حين لا يمكن إدخال الدين في كل شيء، بل ينبغي أن يكون التدين شأنا فرديا، لا مجتمعيا. فعندما يكون الدين شأنا مجتمعيا، تنعدم الحريات الفردية، ويتم تغييب العقل والخيال والإبداع والعلم والتقدم... وفِي ذلك قضاء مبرم على إنسانية الإنسان...إضافة إلى ذلك، فذلك "الحراك" لم يمتلك مشروعا ولا خطابا...، ما جعله بدون أفق، أو مجرد نكوص إلى الخلف...
            قد يزعم بعض الناس أنه يستحيل على المجتمعات العربية الإسلامية أن تفصل بين الدين والسياسة، ونجيبه بأن الاعتقاد نفسه ساد لقرون طويلة في المجتمعات الغربية، خلالها كانت الكنيسة تتحكم في كل شيء، في دنيا الناس ودينهم، ومع ذلك تمكنت تلك المجتمعات من إبعاد الدين عن الفضاء العمومي، ما فتح لها آفاقا للتحديث والدمقرطة والبناء الحضاري...
         ولخروج المجتمعات العربية الإسلامية من وضعية التخلف القاتل هذه، يجب إنتاج معرفة جديدة بعيدة عن الرؤى الفقهية للإنسان والعالم. كما يلزم ألا تفصل بين الوحي والعقل، أي بين العلوم الانسانية وعلى رأسها الفلسفة والدين. وإذا كانت الفلسفة تعكس الرغبة في الاقتراب من الحكمة دون الوصول إليها وتملٌّكها كليا، فالمجتمعات العربية الإسلامية قد دخلت في عداء مع الفلسفة، ما جعلها بدون أسئلة ذات معنى بالنسبة لحاضرها ومستقبلها.
          إن التوراة نص بسيط في أصله، حيث ورد فيه ضمن الوصايا العشر: اعبدوا  اللهفقط،، ولا تقتلوا ! ومع ذلك، حوله الفلاسفة اليهود، وعلى رأسهم إمانويل لفيناس، إلى نص ميتافزيقي وإثيكي وأخلاقي وأنطولوجي. وقد فعل بعض الفلاسفة المسيحيون الشيء نفسه مع الإنجيل. وهذا مالم يقم به العرب المسلمون، حيث تنكروا لفلسفة الكندي والفارابي وابن رشد، وغيرهم من أعلام الحضارة العربية الذين أسدوا خدمات كبيره للبشرية في مجالات عديدة.
          كما يجب تحرير المرأة التي لا وجود لها في هذه المجتمعات، حيث يلزم أن يكون لها كيان مستقل، إذ لا يٌعقل أن يبقى نصف المجتمع مشلولا. يلزم أيضا بناء هذه المجتمعات ديموقراطيا، لكي يسودها القانون خارج تأثير المكونات الطائفية والقبلية. وفوق ذلك كله، ينبغي أن يتم استكمال ذلك بالتغيير الاقتصادي والاجتماعي.