الخميس 18 يوليو 2019
كتاب الرأي

ميلود العضراوي: آسفي.. سيرة الريح والمطر.. (إلى الصديق ميلود بلقاضي)

ميلود العضراوي: آسفي.. سيرة الريح والمطر.. (إلى الصديق ميلود بلقاضي) ميلود العضراوي

ها هي مدينتنا الجميلة التي احتضنت طفولتنا وصبانا وأحببناها أكثر من أي مكان آخر في العالم تكشف لنا عن أسرارها الخفية وتستقبلنا على تماس الذكرى والحنين وكأن شيئا لم يحدث. كل المؤشرات تقول، إن هناك عوامل استثنائية ترتب علاقتنا مع المدينة وتشكل وضعنا معها من جديد. لم نعد نستغرب أن يحاصرنا الزمن الآسفي في الماضي المكرور حد المرارة، ولكن نريد أن نجيب عن سؤال لماذا تجتر مدينتنا حالات اليأس المتشابه عشرات السنين.. بالنسبة لنا أن ذكرى طفولية واحدة ها هنا في ربوعها القديمة، تختصر كل مسافات الرحيل التي قطعناها نحو مدن اخرى منثورة على خارطة الدنيا. وتبقى مدينتنا الجميلة أقرب الينا من كل المدن الأخرى التي عشنا بها أو مررنا منها مرور الأيام والأوقات.

هي ذي مدينتنا الجميلة التي كانت مسرحا لنشاطنا الثقافي والسياسي في الحقبة السبعينية حين كان النضال كلمة يصعب نطقها كاملة باستدارة الفم، والانتماء كان طريقا نحو المجهول. كل الدروب التي استوعبت خطانا هنا أزهرت عذابات الأيام ومحنها.. كان الشباب يفني الوقت في القراءة والمناقشات الطويلة والعسيرة أحيانا وينتظر على بوابة الوقت قدوم الربيع.

لا عليك أيتها المدينة الساحرة قبل أن تكوني لهؤلاء الغرباء الذين احتلوا شواطئك بالمنازل الفارهة، كنت حقا مدينتنا الآسرة التي درسنا في مدارسها وتعلمنا في ثانوياتها وأكلنا سردينها المشوي وسبحنا في مياه شواطئها الجميلة وشاهدنا أفلام الويسترن الرائعة كل أحد في قاعاتها الجميلة الملكي والروكسي والأطلس، وجرينا كالمجانين بين أزقتها الضيقة في تراب الصيني والسقالة والذريبة المزوقة ورحاة الريح، ولعبنا الكرة في دروبها في الساحات التي كنا نشذبها بأيدينا الصغيرة ونصنع منها ملاعب للقرب. وفي صباحتها الباردة كنا نخرج إلى المدرسة نفطر بالسفنج الساخن بلونه القاني وطعمه اللذيذ ونستعد لمسطرة الأستاذ التي كانت تؤلم أصابعنا الصغيرة حين نسيء تلاوة جملة او نخفق في إعرابها أو نتخلف عن الوقت ببرهة قصيرة.

أيتها المدينة الرائعة في ذاكرة الماضي ما بالك اصبحت كجارية في يد النخاسين يبيعونها صباحا ويشترونها في المساء؟ ما بالك تخلفت عن ركب المدن الكبيرة؟ فحين كانت المدن الناشئة والبلدات الصغيرة تصنع نفسها وتصر على البقاء، كنت أنت تتراجعين نحو الخلف، فكأنك لا ترغبين في أن تصبحي كبيرة، تعجز يد الهيمنة والتسلط والجشع عن احتوائها. في السبعينات كانت القرى الصغيرة في مناطق أخرى من المملكة تمشي فوق سلاسل التطور المتحركة تذكيها إرادة الرجال وإصرارهم ورغبتهم في إيجاد مكان تحت الشمس، حتى صنعت ذاتها ونفضت عنها غبار السنين. لا طائل في الشائعة وحرب الكلام والهجوم اللساني على طاولات المقاهي، إنها حرفة الأرذال، أما الذين تستهويهم القمم العالية فقد اشتغلوا في صمت وأصعدوا من الخرائب والعرائش القصبية مدنا بلورية تبرق كالشموس المضيئة في منتصف النهار. هؤلاء الذين صنعوا مجد المدن بعرقهم وجهودهم وأموالهم وبدمائهم أحيانا؛ تلك بلدان بنيت من حجارة بلادنا وحققت بعضا مما كنا نرجوه، إلا أننا نشعر فعلا بالأسى لأننا لا نجد لمدينتنا ومرتع طفولتنا مكانة بين هاتك المدن الصاعدة من حطام الأيام. فطبيعي أن يخالجنا الأسى الممزوج بالغبطة ويطالعنا الإحساس المنقوع في الخدلان ونحن نرى أن ما كان يجب أن يتحقق منذ سنوات لم يبدأ بعد وأن العمران الذي اتسع لا يسع فقراء الأحياء الواطئة وأن الموائد التي تبسط الطعام ألوان لا يجد المقصيون فيها مكانا.. وتسع جيوب الجشعين ثروة البلدة الطائلة وكنوزها .

كيف نتكلم عن التنمية التي تقلص معاناة الفقراء وتحمي أبناءهم وفلذات اكبادهم من قوارب الموت؟ ولا أولئك الذين يقفزون من حالق يلتهمهم الشط إلى عمق المحيط؟ ولا الذين يقتلون أنفسهم كل يوم بالتقسيط عن طريق المخدرات والسموم؟ ليس عيبا أن ننظر في مرآة انفسنا ونقوم اعوجاجنا تلقائيا، ولكن العيب أن تأخذنا العزة بالإثم فنرفض النظر إلى وجوهنا الشائهة في مرآة الواقع ونلقي اللوم على الآخرين.

حين تسير في الدروب تطالعك القتامة ولا تلمس مظهرا من مظاهر السعادة على الوجوه. فتتساءل لماذا المدينة غنية واهلها فقراء؟ لماذا يزداد الأغنياء غنى ويزداد الفقراء فقرا؟ المدينة غنية بمؤسسات الإنتاج وبالثروة التي تستخرج من البر والبحر وعرق الكادحين؛ والفقر سيمة المدينة وأهلها ولأننا مذ عدنا إلى هذه الربوع ونحن نطرح سؤال من يستفيد من كنوز البلدة؟ أين الثروة التي تنتجها المدينة؟ ما مصير الدعم المالي الذي تمنحه الدولة؟ أين جهود المؤسسات التنموية والمشاريع العمومية؟ ما هو ريع الانتاج الذي يبقى للمواطن من ناتج إجمالي كبير يشكل نسبة هائلة من الناتج الداخلي الوطني؟ لماذا الناس فقراء وأبناؤهم عاطلون ومرضاهم يعالجون في مستشفيات المدن الأخرى؟ لماذا ولماذا ولماذا؟ أسئلتنا التي تؤرق البعض ويكون جوابها سريعا وغبيا ومتسلطا أحيانا؟

إنهم يريدون منا أن نأتي إلى بلدتنا ومسقط رأسنا ونمر كالسائحين، معجبين بالبحر والسمك والمقاهي الجميلة على ربوة سيدي بوزيد ونغادر مودعين بالتحايا والورود؟ لا يريدون ان نعرف أن الأضواء التي تشع ليلا تخفي تحتها واقعا شنيعا يجليه النهار. لا لمسة للتطور والتغيير في تفاصيل المدينة؛ سوى قصور فارهة محاذية لبعضها على ربوة سيدي بوزيد ملك للفائزين بكعكة الريع، وبنيان كثير وعمران أكثر، قدم خدمة كبيرة للذين شكلوا الطبقة الفوقية للمجال السوسيو-اقتصادي للمنقطة واستفادوا من المناصب وحاصروا قطار التنمية لتبقى المدينة تحت اليد ورهينة في حساب الجشع والتخلف، في حين برزت فجأة مدن من الفراغ الجغرافي والمحدودية وصنعت مكانتها الاقتصادية والاجتماعية وعززت قدراتها الانتاجية وبدلت طبيعة المجال والساكنة.

المدينة كما هي باقية حيت تركناها، وهي ما تزال تمور في زمن المحنة وتطفو على فيض الكلام الآسن والضغينة وما تلوكه الألسن. لا شيء أشبع نهم الأجيال التي جاءت بعدنا من طعام النميمة الفاتر. السوء يا صديقي لا يزال ينتقل من زمن لآخر مثل الطاعون وهو أيسر وأسهل أن ينشر أجنحته المميتة في أرجاء مدينتنا الجميلة الواقفة على ربوة البحر، فالتراكم السلبي فعل فعلته هنا ولم يعد هناك من سبيل إلى إزاحة الصخور الكبيرة التي تسد منافذ الريح. السلبيات والمصلحية العابرة، صارت جزءا من الموروث العرفي للمنطقة برمتها، كما كانت عبر السنين، طبعها أن تلوك سيرة المطر والريح ومتقلبات الوقت والشؤون الشخصية وآراء الآخرين، أما الذين جاءوا من بعيد يلقون أسئلتهم المستفسرة الحرجة حول الإصلاح وكيفية التدبير ويتساءلون؛ أين الثروة وأين العدالة وأين الحقوق وأين الواجبات ومن أين لكم هذا؟ لا تدعوهم يفعلوا تقولوا عليهم وحاصروهم بالبلطجة السياسية والشائعات، إن هذا وحده يكفي لإسكاتهم أو إخراجهم من المدينة.