الأحد 20 أكتوبر 2019
كتاب الرأي

بنجميعة: ما علاقة حفظ الشكايات من طرف النيابة العامة باستقلالية السلطة القضائية؟

بنجميعة: ما علاقة حفظ الشكايات من طرف النيابة العامة  باستقلالية السلطة القضائية؟ حسن بن جميعة

لا شك أن مطلب استقلال السلطة القضائية عن السلطة التشريعية و السلطة التنفيذية، لا شك، أنه كان مطلبا حقوقيا، سواء من الفاعلين الحقوقيين، جمعيات و أفراد، أو من المنتسبين للأسرة القضائية، و أعني القضاة، و لكن هل الإقرار باستقلال القضاء في دستور 2011 فهم على الوجه الصحيح، أم لبس لباسا غير الاستقلال بمعناه، سواء الفقهي أو اللغوي أو حتى القانوني؟ و هل السلطة التقديرية المخولة للقاضي مطلقة أم مقيدة بالقانون؟

إذا كان الدستور في بابه السابع بسط لنا ما للسلطة القضائية و ما عليها، و أقر صراحة باستقلال القضاء، كما سبق الذكر، إلا أن المسألة التي يجب تسليط الضوء عليها، هو كيفية تفسير هذا الاستقلال، خصوصا من طرف القضاة، ففي حالات عدة أخد بعض وكلاء الملك، أو من ينوب عنهم قرارات، إذا ما وضعناها في ميزان العدالة، سيتضح أنها سوف لن تنصف المتظلم المتضرر، و الذي لجأ إلى المحكمة طالبا الإنصاف، فعلى سبيل المثال، إذا أخذنا شكاية تتعلق بالسب و القذف عبر الهاتف، و بعد الاستماع إلى الأطراف، مشتكي و مشتكى به، أو مشتكى بهم، و بعد تفريغ قرص مدمج يحتوي على ما جاء في المكالمة الهاتفية، التي تحمل علانية الطعن في الشرف و السب و القذف، و اتضح لوكيل الملك، أو أحد نوابه الذي درس مضمون الشكاية، و اقتنع بالمتابعة، و لكن لم يتابع سوى أحد المشتكى بهم بتهمة السب غير العلني، وأسقط عن قصد أو غير قصد، ذكر قراره في المشتكى به، الذي اقترف جنحة الطعن في العرض، و لم يتابعه أو حتى يبرئه، و كأن المسألة ليست لها أهمية، و أحال الملف على القضاء الذي يراه مناسبا، في حالتنا هذه سنجد أن إسقاط اسم المشتكى به الذي طعن المشتكي في عرضه، تثير العديد من التساؤلات، أبرزها:لماذا أقدمت النيابة العامة على إسقاط المشتكى به من المتابعة؟ هل لأنه أنكر المنسوب إليه؟ أم لأن المسألة لا أهمية لها، رغم أنها تخص عرض المشتكي، أم أن السلطة التقديرية للقاضي تخوله كل هذه الصلاحياتّ؟، و كأن هذه السلطة مطلقة؟

من خلال المحاضر المنجزة في الموضوع، كان المشتكى به متشبث بالإنكار، رغم أن رقم الهاتف المستعمل في الاتصال، يخص المشتكى به المتابع من طرف النيابة العامة، و الذي تربطهما علاقة الأخوة، و بما أن محضر تفريغ القرص أكد وجود السب، و وجود الطعن في العرض، فلماذا لم تذهب النيابة العامة إلى الخبرة لتأكيد أو تفنيد الادعاءات، سواء من طرف المشتكي، أو من طرف المشتكى به، و ذلك لإعمال القانون.

إذن هل إسقاط متابعة مشتكى به، دون إعطاء أسباب عدم متابعته يدخل في باب استقلال القضاء؟ خاصة النيابة العامة التي تعتبر الركيزة الأساسية في تحقيق العدالة، لما لها من دور فعال، و لكونها الجهة القضائية المخول لها حماية المجتمع، أم هي تلك السلطة التقديرية التي يتمتع بها؟

رجوعا إلى الفصل 107 من دستور 2011 سنجد أن استقلال القضاء، يعني عدم تبعيته للسلطة التشريعية و السلطة التنفيذية، و بالتالي فباقي الفصول التي تدخل في الباب السابع، تشرح المعنى المراد به من ذلك، فإذا استحضرنا الفصل 109 نجده يقر بالمنع من كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء، و يقر بعدم تلقي القاضي أثناء القيام بمهمته أي أوامر أو تعليمات و لا يخضع لأي ضغط، هنا سنقف وقفة تأمل، لنربط البعد الفلسفي لاستقلال القضاء بماهية الممارسة، فحسب مضامين الدستور، فاستقلال القضاء، لا يعني سوى عدم التبعية، و عدم التوجيه، و عدم الخضوع للأوامر و للضغط، و هنا لا يمكن أن نتحدث عن كل هذه السلوكات، و نربطها بمن يريدون، أو يدعون نفوذهم على القضاة، سواء كان ينتمي للسلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية، بل القاضي حسب الدستور مستقل حتى من الأخذ بأوامر رؤسائه، لأنه وحده الذي يتحمل مسؤولية قراراته، و إلا تحمل الرئيس في حالة إعطاء التعليمات و التوجيهات و الأوامر تبعات ذلك، ما إذا تبث أن القاضي ارتكب خطأ مهنيا، و لهذا جاءت تساؤلاتنا عن مدى ربط قرار النيابة العامة في نموذجنا باستقلالها في قراراتها، فعدم متابعة مشتكى به، و رغم إنكاره، يبقى من باب الأخطاء الشائعة في مجموعة من الملفات التي توجه إلى النيابة العامة، و الإنكار لا يكون سببا جوهريا حتى ندفع بتبرئة مشتكى به، لأن للنيابة العامة صلاحيات عدة، و منها إحالة ما لديها من أدلة على المختبرات العلمية و التقنية، و القيام بالخبرة، و هذا ما يمكن أن نستمده من الفقرة الثانية من الفصل 110  من الدستور، و الذي يؤكد على وجوب تطبيق القانون من طرف قضاة النيابة العامة، و لا يتوقف تفسير استقلال القضاء، و كذلك السلطة التقديرية لدى القضاة، تفسيرا إما مبالغا فيه، أو تفسيرا خاطئا، و كأن نتحدث عن سلطة مطلقة للقاضي، فلا يمكن أن تخرج السلطة التقديرية من التصور العام لماهية استقلال القضاء، و من منظومة إعمال القانون و تطبيقه، ففي الأول و الأخير القاضي ملزم دستوريا بتطبيق القانون، سواء كان قضاء واقفا، أو قضاء تحقيق، أو قضاء جالسا.

فالقاضي وحده ملزم بتنزيل صحيح لمضامين الدستور، و بتطبيق القانون وفق ما يمليه جوهر هذا الأخير، و هذا ما ذهبت إليه الفقرة الثالثة من الفصل 109، و من هنا يمكن اعتبار استعمال النيابة العامة لعبارات فضفاضة و غير واضحة في توجيهاتها أو في قراراتها، تصرف غير مقبول، و لا يتماشى و فلسلفة الدستور، فكأن يحمل كتاب قرار حفظ شكاية مواطن ملاحظة "الحفظ لأسباب أخرى"، أو "الحفظ إلى حين الاستماع إلى المشتكى به"، و ما إلى ذلك من القرارات الغامضة، فكيف لشكاية أن تحفظ، و لا زالت تعليمات النيابة العامة لم تطبق، و كيف لحفظ شكاية لأسباب أخرى، و ما المراد بعبارة لأسباب أخرى؟

إن اعتماد هذين المثالين ليس للتعميم، و لكن هناك مجموعة من الملاحظات التي تحملها الشكايات، تكون ضبابية، و هذا ما يتعارض و مفهوم وجوب تطبيق القانون من طرف النيابة العامة، كما أن الأمر لا يقف عند مثل هذه الملاحظات، بل أثناء أخد قرار الحفظ من طرف النيابة العامة، لا يتم تفعيل ما أوجبه قانون المسطرة الجنائية على قاضي النيابة العامة، ألا و هو وجوب إشعار المشتكي بقرار الحفظ الذي تتخذه النيابة العامة بشأن شكايته داخل 15 يوما من اتخاذه، و ذلك حتى يتمكن المشتكي سلوك الإجراءات التي يخولها له القانون للحفاظ على حقوقه، و من هذا المنطلق، لا يمكن إلا أن نرسل إشارات حقوقية لكل من يهمه الأمر، بالنخراط الفعلي في بلورة المفاهيم الحقيقية لفلسفة و جوهر الدستور، و الذي ثمن مجهودات العديد من الفاعلين الحقوقيين، سواء القضاة أو النشطاء الحقوقيين و المدنيين، أو الأكاديميين، الذين طالما رفعوا مطالبهم بتمتيع القضاء بسلطة مستقلة، حتى يتسنى للقاضي العمل بأريحية، و دون العيش على الضغط، و حتى تكون المردودية و جودة القرارات، من أجل تحقيق العدالة الحقة.

تبقى إشارة لا بد منها، ألا و هي تأخر المساطر لدى الضابطة القضائية، عندما تحال عليهم من طرف النيابة العامة، ففي كثير من الحالات، يبقى المشتكون معلقون إلى أجل غير مسمى، و السبب تأخر إجراء المساطر، فعلى سبيل المثال، نجد النيابة العامة تحفظ شكاية، بعدما تديل قرارها بعبارة:" الحفظ إلى حين الاستماع إلى المشتكى به"، أو حينما لا تتعامل الضابطة القضائية مع تعليمات النيابة العامة بحزم، فنجد المطلوب للتحقيق غير مكترث، و لسان حاله يقر بعلاقاته المتشعبة مع من المفروض فيهم استدعاءه للاستماع إليه حسب توجيهات النيابة العامة، و من هنا ننبه إلى مثل هذه السلوكات التي تصدر عن بعض الخارجين عن القانون، و الذين يعتبرون أنفسهم فوق هذا القانون، حيث تعاليهم و ادعاءاتهم، تمس من ناحية وقار النيابة العامة، و من ناحية وقار الضابطة القضائية، و من أخرى حقوق المشتكي، الذي لجأ إلى المحكمة طالبا الإنصاف.

إذن من خلال كل ما سبق ذكره، نستحضر دور النيابة العامة، كما أرادها لها المشرع، و نلخص ملاحظاتنا فيما يلي:لا يمكن أن تستقيم العدالة بدون صرامة النيابة العامة، و لا يمكن حماية المجتمع إلا بالتتبع اللصيق للملفات المحالة على الضابطة القضائية، و السهر على أن تكون خالية من الشوائب، التي من شأنها إضاعة الوقت، و تضييع الحقوق.  

إذن لا عدالة بدون تطبيق سليم للقانون، و لا سلطة تقديرية مطلقة، لأنها تتعارض و مفهوم العدالة.

حسن بن جميعة / ناشط إعلامي و حقوقي