الثلاثاء 18 يونيو 2019
كتاب الرأي

خليل علا: مغاربة العالم مكون أساسي لنموذج تنموي حقيقي

خليل علا: مغاربة العالم مكون أساسي لنموذج تنموي حقيقي خليل علا
إن الحديث عن النموذج التنموي الجديد الذي أطلقه عاهل البلاد ما هو إلا استكمال لمسار التنمية الذي شهده المغرب على مدى العقدين الأخيرين، والذي تم من خلاله تكثيف البرامج ذات الطابع الاجتماعي، ثم الانتقال إلى مرحلة بدأت منذ 10 سنوات شهدت فيها ميلاد آلية جديدة تحت شعار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والتي جعلت هدفها الأسمى هو التقليص من الفوارق الاجتماعية والحد من نسب الهشاشة والفقر ثم إدماج وإشراك المواطن في المسلسل الإقتصادي. هذه التجربة التي استكملت دورتها الطبيعية وحققت جزءا مهم من أهدافها، غير أن تقارير صندوق النقد الدولي لازالت تعتبر دائما معدل نمو في حدود 4.5 في المائة في المغرب ليس كافيا ولا يمكنه التقليص من نسبة البطالة، غير أن النموذج التنموي المعتمد حاليا يبقى محدودا وتم استهلاكه بشكل شبه كلي، إذ بقي قائما بالأساس على دعم الاستهلاك الداخلي كرافعة للنمو الاقتصادي، في حين مازال يعاني من صعوبات على مستوى خلق القيمة المضافة لإنتاج الثروة وتوزيعها بشكل عادل يمكن من الحد من الفوارق، ومدى ملائمة السياسات العمومية مع الخصوصيات المحلية، والقدرة على ترجمة نقاط النمو الاقتصادي على المستوى المعيشي للمواطنين مما يضمن نوعا من السلم الإجتماعي.
لقد كان ولا بد أن تستمر تلك المبادرات التنموية لكن من خلال خلق نفس جديد يتم من خلالها التفكير في رزنامة حديثة مهمتها هو تطوير هذا المسلسل التنموي على جميع الأصعدة، أو ما أصبح يطلق عليه الجيل الثالث من البرامج التنموية المهيكلة. فمن خلال ذلك أصبح من الضروري صياغة نموذج تنموي جديد هدفه تلبية الحاجيات المجتمعية، وذلك بعدما تم فتح النقاش عن كيفية خلق الثروة للأفراد و توزيعها توزيعا عادلا و التصنيف الإيجابي للأفراد كثروة ورأسمال لا مادي من خلال اعتبار الفرد دعامة أساسية للبناء في أي مشروع تنموي أو التطور الإقتصادي للبلاد.
إن هذا النقاش يرجعنا إلى ضرورة الانفتاح على فئة مهمة من المواطنين المغاربة والذين يشكلون 10 في المائة من الساكنة داخل أرض الوطن، وهم مغاربة المهجر. هذه الشريحة التي تمتلك طاقات بشرية متنوعة المشارب قد نهلت من بلدان الإستقبال عددا من أشكال التطور والتي يمكن استغلالها كجزء أساسي في هذا البناء التنموي وهي التي حرصت على الحفاظ على طقوس الانتماء للوطن الأم والارتباط به، ولقنت أبنائها من الجيل الثاني والثالث حب الارتباط بالوطن فيكف لجيل كان له فضل كبير في تنمية وإعمار دول الاستقبال، أن لا تساهم في هذا المشروع الوطني؟
إن مغاربة المهجر كانوا و لازالوا جزءا من الرأسمال المادي واللامادي لهذا الوطن وموردا أساسيا في إنعاش الاقتصاد الوطني، وذلك بمساهمتهم بأكثر من 7 في المائة من الناتج الداخلي الخام كما تعد المورد الثاني للعملة الصعبة للبلاد.
غير أن مساهمتهم الحقيقية في هذا الورش أكبر بكثير من تلك الأرقام المادية التي قد تحتسب في مؤشرات النمو، فالكفاءات التي تزخر بها بلدان الاستقبال والتي تشكل أزيد من 7 في المائة من مغاربة العالم قد تجعلهم ثروة حقيقية في مجالات عديدة، قد تبدأ من المهن البسيطة وتصل للمهن المؤهلة للكفاءات العليا ومجالات البحث العلمي والقطاعات الحيوية هذا إلى جانب تواجدهم في بعض مواقع صنع القرار من مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقطاع المال و الأعمال، والتي يجب أن تستثمر خبرتها لدعم لتنمية الوطنية و الدفاع عن المصالح الإستراتيجية للبلاد.
إن تقوية حضور مغاربة المهجر في الأوراش الوطنية وإشراكهم في مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية للوطن يعد تقديرا وعرفان بالدور الكبير للمغاربة القاطنين بالخارج ولمكانتهم المتميزة في دعم وتقوية النسيج الاقتصادي الوطني، و هذا قد يجعل من هذه الفئة من المواطنين قوة اقتراحية وجزءا من الرهانات الإستراتيجية والمصالح حيوية بالنسبة للمغرب في الداخل وعلى الصعيد الدولي، هذا ويجب والتركيز، أيضا، على ضرورة إشراك كافة القوى الحية والفعاليات والكفاءات الوطنية في إعداد هذا المشروع التنموي الجديد تفعيلا للمقاربة التشاركية المؤسسة لدستور 2011.